دراسات في التاريخ العربي الوسيط 9 : الصليبيون و المغول - العرب و الاسلام أمام خطرين

Printer-friendly version

   شهد القرنان الممتدان بين القرن الحادي عشر والثالث عشر الميلادي تداخلاً بين قوى وسياسات الداخل العربي – الاسلامي والخارج الدولي، الآسيوي والأوروبي . وقد مثلت تلك السنوات بما تخللها من صراعات وحروب واحدة من أقسى المراحل التي عرفها الاجتماع العربي الاسلامي. واذا كان التفكك هو واحد من السمات البارزة للمرحلة التي سبقتهما، وعبر عن نفسه بقيام الدويلات في مختلف اجزاء ونواحي الخلافة العباسية، بما فيها العاصمة بغداد ، فان دخول العاملين الأوروبي والمغولي، اضاف بُعداً خطيراً على الأزمة الوجودية التي عانت منها المنطقة، وجعلت منها محل أطماع خارجية . ويمكن القول أن هذا التطور يمثل انقلاباً على المراحل السابقة التي نجحت فيها القوى العربية - الاسلامية في نقل الصراع الى خارجها، الأوروبي والآسيوي على حد سواء. فقد بلغت الامبراطورية العربية كما مرَّ سابقاً حدود الصين الغربية . وقد سيطرت الدولة العربية أو اشتبكت مرات مع قوى في عمق القارة الآسيوية . كما وضعت القسطنطينية مرة ومرات أمام امتحان الصمود منذ العصر الأموي وصولاً الى العصر العباسي. وعلى الجبهة الأوروبية الغربية ألحق العرب بدولتهم معظم الجزر المتوسطية. كما اخترق العرب المسلمون انطلاقاً من قاعدتهم الإندلسية أجزاء من فرنسا، وإن لم يستطيعوا الاستقرار فيها وبدت ايطاليا مهددة . وبات البحر الأبيض المتوسط شبه بحيرة عربية واسلامية جراء تعاظم نفوذهم المدني والعسكري والثقافي في حوضه. 
    وهذه التطورات والتحولات تخللها مواجهات وحروب متلاحقة ، انتهت الى تدمير عشرات المدن والقرى وقيام واضمحلال دول ودويلات. والحد من اندفاعة التطور الاجتماعي والاقتصادي والعلمي. وهو ما منع هذا التطور من أن يبلغ مداه الذي كان قد وصل اليه في مراحل سابقة. وهي مراحل وإن كانت قد شهدت معارك وحروباً، الا أنها لم تعدم وسائل الاتصال والتواصل، وتبادل المنافع العلمية والمعرفية والمصالح والخبرات. ولكن يظل الأبرز على صعيد السياسة وقواها في ادارة شؤون المنطقة هو ذلك العجز الواضح عن التصدي لإشكاليات مستعصية كانت في صميم التجروء على العروبة والاسلام. وهذه مثل: الوحدة والتمزق ، التقدم والتخلف، المركزية واللامركزية، الخلافة والدويلات، دور ووظيفة كل من المركز والأطراف وعلاقاتهما،  وقضية السلم والحرب وغيرها من مسائل اشكالية شائكة . ومع أن المنطقة استطاعت في المحصلة أن تتصدى للخطرين الخارجيين بعد معارك ونتائج على درجة بالغة من الخطورة ، الا أن ما لم تستطع مواجهته يتعلق ببنيتها وتركيبة السلطة السياسية الداخلية. فقد عجز العرب دوماً عن بناء مؤسسات سياسية ثابتة لها أسسها وقوانينها. وكان - وما زال - كل انتقال في الحكم يثير حرباً أهلية. وهي حرب تبدأ أولاً داخل الأسرة الحاكمة وتمتد الى القوى المعنية بالسلطة وقد تتجاوزها الى المجتمع. وهو ما من شأنه أن يضاعف من العجز الأصلي. وهذا سيلعب دوره في التمهيد لمزيد من القوى التي تدخل نواحي المنطقة، وتبني فيها سلطات على حساب سلطاتها، التي كانت موسومة في حينه بمبدأ الخلافة الشرعية. سواء أكانت عباسية أو غيرها.
    ولعل ما يجب أن نتنبه له دوما أن المراحل التاريخية في مساراتها لا تنفصل عن بعضها بعضاً.  بمعنى أن كلاً منها ينشأ وينمو في رحم ما يسبقه من مراحل. ويحسم في التأثير على ما يلحقه من سياسات وخطوط بيانية عامة. ويمكن القول أن مرد كل ذلك هو ما آلت اليه السلطات المركزية العباسية من ضعف وهوان، تحت تأثير القوى المتغلبة التي لم تستطع واحدة منها أيضا أن تفرض نفسها قوة مركزية شرعية تدين لها باقي القوى بالولاء والطاعة طوعاً أو كرهاً. والمعروف أنه عندما تحدث عملية الهيمنة والسيطرة ، لا يعدو الأمر أن يحدث ذلك لفترة قصيرة وعارضة ، تستنزف الانجاز المتحقق بما كانت تسميه وحدة السلطة والجماعة. وغالبا ما كان يحدث الاستنزاف ذلك بفعل المنازعات التي تدور داخل الأسرة الحاكمة . أو داخل الفئات التي تعتبر مسألة السلطة من حقوقها وخصائصها واختصاصها. والواقع أن ما حدث في غضون تلك العقود والقرون المتلاحقة جعل من تلك السلطات الرديفة على هذه البقعة أو تلك ، ذات هم واحد وحيد يتمثل في كيفية حفاظها على سلطاتها ومد وتوسيع قاعدة نفوذها وضمان استمرارها في الحكم. وطموح البقاء في سدة السلطة كان مبرراً منها بالكامل، ولو ادى الى تحالفها مع الأعداء الخارجيين الذين دخلوا المنطقة العربية الاسلامية من ابوابها الواسعة المفتوحة. هذا المنحى لا علاقة له بموقف هذا الفريق وانتسابه الديني أو المذهبي، اذ شارك فيه الجميع دون حد ادنى من النوازع والضوابط. على أن ما يتوجب الاشارة اليه أن المسلمين عموماً في منطقة المشرق العربي، قد نجحوا بعد وقائع ومواجهات دامية في حجز ثم تصفية القوة الفرنجية الصليبية وانهاء ممالكها. وفي الوقت ذاته في صد واستيعاب وامتصاص الزحف المغولي وغيره. لكن النتائج الإيجابية لمثل هذا الانجاز ظلت متواضعة ومحدودة  المضاعفات على صعيدي الاستقرار الداخلي والمناعة الذاتية تجاه الخارج. مما قاد الى مزيد من التآكل والمنازعات الذاتية من جهة ، والعجز عن اعتماد سياسة دفاع ناجح عن المنطقة التي باتت مكشوفة وقاصرة عن حماية نفسها. لذلك كان النجاح مؤقتاً وعابراً بانتظار "فاتح" جديد. ومرد ذلك كله عجز منظومة الخلافة ورسومها وآلياتها عن علاج هذه الاختناقات القاتلة.
واذا أردنا القيام بعملية تدقيق يمكن تقديم رسم بياني لاستراتيجيات القوى في تلك المرحلة على النحو التالي:
الخليفة العباسي:
 
    وكان مقر الخليفة الرسمي بغداد. وينحصر جلّ همه في الحفاظ على موقعه الإسمي في العاصمة ، وبالأدق على سلطته داخل قصره. أما خارجها فكان يخطب له أو لا يخطب له على منابر المساجد ، تبعاً لرغبة الأمراء المسيطرين على تلك النواحي وحاجتهم الى التظلل بشرعيته أو لا. وفي بغداد نفسها كان كثيراً ما يفقد هذا الامتياز ويخطب لسواه من الخلفاء أو الأمراء والسلاطين . فقد انتهى منذ زمن طويل ذلك الزمن الذي تمتع فيه الخلفاء بالسلطة الحقيقية الكاملة . وباتت حتى أبسط حقوق الخليفة بما هي المأكل والمشرب والملبس مرهونة بموافقة القوى التي اصبحت تملك بيدها مقاليد الحل والربط فعلياً. واذا كان ما زال لدى الخليفة بعض الإمرة على وحدات من الجيش، فإنها في الغالب لا تتحرك الا اذا قضت مصلحة هذه القوى المتغلبة بذلك. ودوماً يتم ذلك في اطار الصراعات على السلطة والنفوذ المحتدمة دوماً. لقد شعر الكثير من الخلفاء أن الخطر بات يحيط بهم من كل جانب. من داخل سلطة القوى المتحلقة حوله في عاصمة الدولة ومن خارجها. ولكنه لم يستطع لها دفعاً. وعندما حاول بعضهم استرداد بعض الهيبة والنفوذ كان مصيره الاعتقال والحبس والقتل. ودوماً كان في داخل الأسرة العباسية من يستطيع، وجاهز للعب دور الواجهة الأسمية أو القناع، لأصحاب السيطرة الفعلية. أكثر من ذلك كان في الكثير من الأحيان حدود فعل الخليفة هو محاولة اللعب على التناقضات المحتدمة، بالإفادة من تصادم القوى بعضها ببعض لتعزيز موقعه أو الحفاظ على ما تبقى منه.
    هذا من جهة ومن جهة ثانية، كانت القاعدة الذهبية السائرة أن يعمد الخليفة الى الاستعانة بقوى خارجية ، يعتقد أن دعمها له من شأنه أن يضعف خصومه المتسلطين على دوره في ادارة الحكم . لكن تلك القوى التي تتقدم الى بغداد بدعوة من الخليفة لتحرره من قبضة المتسلطين على دوره ، سرعان ما تمارس هي نفسها حياله أسوأ من سابقتها . والحصيلة ليست سوى الوقوع في قبضة قوى أكثر ظلماً ووحشية من سابقتها. ومما زاد الطين بلة هو تأثير تلك الصراعات على بنية المجتمع البغدادي خصوصاً والاسلامي عموماً. اذ للمرة الأولى من عمر الدولة تبرز المسألة الطائفية بين أوساط العامة بفعل صراعات وتنابذ المرجعيات السياسية والدينية الخاصة . وهو ما أدى الى انشطار المجتمع وخوضه في مجرى صراعات منفلتة من كل عقال. ودوماً بات لهوية الحاكم الفعلي وجماعته حسابات مصدرها هويته الدينية - الطائفية أو القومية وما شابه. كل هذا جعل من بغداد مدينة ينتهشها الصراع الذي تشارك فيه أطراف السلطة بما فيه الخليفة نفسه. واذا عدنا الى الصراعات التي أصابت السلطة الأموية في الصميم نجدها في الغالب كانت بين اطراف وداخل البيت الأموي نفسه . أو قبلية، بين القيسيين واليمنيين وما شابه من جماعات وقوى في الأمصار. أي أنه لم يكن للانتماء المذهبي دوره الحاسم فيها. ولا تُستثنى الثورات الشيعية من هذا الحكم، باعتبارها انتفاضات سياسية هدفها الوصول الى السلطة، وإن كانت قد تمظهرت بالانتماء المذهبي الديني.
الفاطميون ونظريتهم:
   لا شك أن أخطر ما واجه الخلافة العباسية هو المشروع الفاطمي بالنظر الى موقف العلويين عموماً من خلافة أبناء عمهم منذ لحظة  نشوئها. وينبغي رصد حركة التقدم الفاطمي غرباً باتجاه مصر والحاحهم الدائب للسيطرة عليها ونجاحهم فيه في جانب منه، بما يهدف اليه من احلال شرعيتهم الوراثية محل شرعية خصومهم العباسيين. باعتبار أنه مع نهاية العهد الأموي بات مصدر الشرعية النظري والعملي السائد، محدداً في منوعات الفكر الشيعي الإمامي والسني العباسي الوراثي. وكلاهما ينطلقان من الارتباط والانتساب الى آل الرسول . أي أن القرشية التي نادى بها اجتماع السقيفة أخلت مكانها للعائلي المرتبط بآل الرسول. يستوي في ذلك العباسي والعلوي والفاطمي وغيرهم من الساعين الى بناء سلطتهم. أما الخوارج الذين خرجوا على مبدأ القرشية وآل البيت، فقد نجحوا خلال العصر العباسي في بناء دويلات خارجية في مناطق طرفية في المغرب العربي والخليج . وقد استمروا في خوضهم الصراعات في المركز العباسي وحوله ، دون تحقيق انجاز السيطرة على الخلافة وعاصمتها في بغداد. وكذلك على المدن العربية والاسلامية الأساسية .
     وبالطبع لم تعنِ سيطرة الفاطميين على مصر نهاية المطاف ، بل كانت مجرد مدخل للسيطرة على الشام، وتطويق العراق. والنفاذ منهما الى الديار المقدسة حيث مكة والمدينة المنورة مركزا الشرعية الدينية الأساس.  وكما كان يملك الشيعة الإثنا عشرية نظرية للحكم قوامها الوصية والإمامة ، بدورهم كان الفاطميون يملكون ما هو مشابه. طالما أنهم أيضاً قدموا أصولهم على أساس التحدر من الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء. مثلهم في ذلك مثل الشيعة الأثني عشرية. ولكن قاعدة حقوقهم  السياسية تتحدر بالأساس من انتسابهم كفرقة الى الإمام اسماعيل بن جعفر الصادق وليس أبعد منه. وطبيعي أن يثور جدل بين الطالبيين بمنوعاتهم مع الخلافة العباسية منذ وصول أبي جعفر المنصور الى سدة السلطة . وهو جدل استمر وتصاعد مع قيام الخلافة الفاطمية. وكان مرتكزه من جانب العباسيين إنكار طبيعة النسب الفاطمي للخلفاء ودولتهم الجديدة بشهادة الفقهاء والعلماء وذوي الرأي في بغداد .
     ما يعنينا هو أن الطموح الفاطمي كان أخطر من سواه من مشاريع الحكم الأخرى. وكان لا بد وأن يصل الى عاصمة الدولة بعد أن نجح في التمدد شرقاً على حساب الخليفة ودولته. وينطبق الأمر على سواه من القوى المتحلقة حول الموقع، والممسكة بمقاليد القرار فعلياً. و لاشك أن الفاطميين عندما أنشأوا مؤسساتهم الثقافية والعلمية كدور العلم والحكمة ومجالسها والجامع الأزهر في القاهرة وما يشابهها في طرابلس وغيرها، كانوا يهدفون الى تسويق وتسويد الفكر الاسماعيلي الذي حملهم الى السلطة. وهو ما كان يتم على حساب كل من الفكرين العباسي- السني والأثني عشري الشيعي. وهو بالطبع نقيض للفكر أو النظرية العباسية التي تنتسب الى الرسول من جهة العم، وليس من ناحية البنت وابن العم والصهر.
    اذن انجدل الجانب العقائدي بالجانب السياسي بالمجال الاستراتيجي لمسعى كل من الطرفين المتنازعين. وكان الخليفة العباسي يدرك أن تهاونه في المواجهة هو المسمار الأخير في نعش السلطة والدولة العباسية رغم ما بلغته من هشاشة. وعليه باتت القاهرة مرجعاً في ادارة الأمور لبغداد نفسها في بعض الأوقات. بدل أن يحدث العكس تبعاً للقاعدة التقليدية، باعتبار بغداد مركز سُدَّة الحكم العباسي. وقد بات الخليفة الفاطمي المتقلد شؤون الحكم من القاهرة، يُخطب باسمه لفترة من الزمن  في بغداد والبصرة والكوفة وواسط وغيرها من مدن العراق. وطبيعي أن يتبع هذا التحول الجذري اكمال السيطرة على ما تبقى من الرموز العباسية. وعليه، فقد نُقلت مثلاً عمامة الخليفة العباسي وعرشه وخلعته الى قصر الخلافة الفاطمية في مصر. ثم لم تلبث أن عُرضت للبيع في المزاد العلني أثناء الضائقة الكبرى الناجمة عن الجفاف والأوبئة. وقد نجح الفاطميون في مد نفوذهم الى بلاد الشام وحافظوا عليها بداية من الهجمات السلجوقية التي قصدت ازالة حكمهم عنها. وكان الخليفة العباسي المستنصر بالله هو من استعان بالسلاجقة للتخلص من تعاظم النفوذ الفاطمي في عقر دار الخلافة.. وامتد حولها الى بلاد الشام وغيرها. ومع أن بعض المؤرخين يصف العلاقة بين السلاجقة والخلفاء في حينه بالجيدة بدليل المصاهرات التي حدثت بينهما . الا أن الفعلي أن الأولين بلغ من تجرؤهم على الخلفاء، أنهم أخذوا منهم بردة الرسول التي كانوا يحتفظون بها ويرتدونها في بعض المناسبات الدينية والرسمية الهامة. كدليل على مرجعية علاقة ، وتبعية سلطتهم للرسول ودعوته. ثم أن ارتداء العباءة في المفهوم القبلي ما زال الى اليوم دليلاً على وراثة الزعامة. وقد بلغ التجروء السلجوقي مداه الأقصى، عندما قام السلطان السلجوقي ملكشاه بتلقيب نفسه بأمير المؤمنين. ومثل هذا  اللقب لم يطلق الا على الخلفاء انفسهم ، ولم يصل الى سواهم من القادة أيا كانت رتبهم .
ما أشرنا اليه هو واحد من الأمثلة الكثيرة وأهم ما فيه هو انفتاح الصراع على  قاعدة الانتماء والانتساب القومي والديني والمذهبي حتى . لكن الأهم هو أن هذا الإنجذاب نحو ادارة الصراع الداخلي، كان يقود حكماً الى وضع اعتباراته في مصاف الأولوية. ويحول بالتالي دون قيام سياسات ذات منهجية محددة ازاء الأخطار المحدقة. أن جملة القوى بدءاً بالخلافة العباسية والفاطمية وسواهما ومن خلال تغليب مصالح سلطاتها الفئوية ، مهدت السبيل لاختراق القوى الخارجية المنطقة من بواباتها المتعددة. اذ أن جل إهتمامهما كان منصباً على الحفاظ على خلافتها، أو إزاحة القائمةعن الموقع لا أكثر ولا أقل وحلولها محلها.
 الشعوب والدويلات :
     لمّا بنى الخليفة المعتصم للجنود الأتراك مدينة سامراء بات هؤلاء أكثر من مجرد قوة عسكرية، بل قوة سياسية تساهم بثقلها في ادارة مؤسسات الدولة . منذ ذلك الحين دخلت العناصر غير العربية على السلطة بتنوعها، مقابل تذرر وتشرذم القوى العربية التي فقدت زخمها رغم محاولات ثورات ضعيفة قامت بها هنا وهناك. واذا تذكرنا المآل الذي انتهى اليه أبو مسلم الخرساني أولاً، والبرامكة لاحقاً ، ثم ما تبع ذلك من منوعات الصراعات والتفكك والتغلب الذي شمل مختلف الأجزاء بما فيه العاصمة نفسها، يمكن لنا أن نتصور مدى عمق التحولات التي طرأت على بنية السلطة الفعلية وضآلة هامش ما تبقى من مركزية القرار . ولعله من المتعذر في هذا العرض السريع الوقوف عند كل من القوى القبلية الرعوية غير العربية التي دخلت على معادلة الحكم . واذا كانت هذه قد بدأت بالجنود الأتراك، فإنها بالمقابل فتحت الباب واسعاً أمام سواهم من الشعوب للقيام بمثل هذا الدور . وبالتالي قيام ما يمكن وصفه انطلاقاً من نظرية ابن خلدون في العصبية ، بعصبية ناشئة ومركز قرار حقيقي غير عربي. واذا ادركنا مثلاً أن الأمويين رفضوا تسليم السلطة الى أبناء العائلة ممن يتحدرون من أمهات الرقيق، واعتبارهم بالتالي لا يتمتعون بالسوية والمنزلة التي يشغلها اخوتهم ، كما حدث مع مسلمة بن عبد الملك، وهو من أكفأ القادة العسكريين الذين عرفهم العهد الأموي وحصروا دوره في قيادة الجند فقط ، لنا أن ندرك مدى التحول الذي طرأ على  عصب الحكم وقيادته.
   الدويلات التي اسلفنا الحديث عن بعضها لا تختصر التحولات التي طرأت. اذ القائمة أوسع من ذلك. ولا تقتصر تلك الدويلات على الجناح الشرقي الآسيوي، اذ تشمل الجناح الغربي أيضاً. وهنا تشارك الفرس والأتراك والعرب والبربر في بناء الدول وحكمها. وينطبق ذلك على الأمويين في الاندلس والأدارسة والأغالبة والطولونيين والأخشيديين والفاطميين وغيرهم في بلاد المغرب ومصر. واذا نظرنا الى الجناح الشرقي نجد أمامنا مع انتعاش الروح الفارسية الدول الطاهرية والصفارية والسامانية والبويهية و... ثم الدول الحمدانية والغزنوية والسلجوقية و...  والواقع أن قيام المزيد من الدول كان بمثابة اعلان واضح عن تآكل الخلافة والدولة العباسية التي باتت في مراحل متعددة تجيز استقلالات هذه الدول، مكتفية منها بالخطبة والدعاء خلال صلاة الجمعة، وبعض الأموال الزهيدة كتعبير عن رابط التبعية لشرعية ضامرة باستمرار. والحقيقة أن العباسيين هم من شرَّعوا وسرّعوا قيام هذه الممالك عندما عمدوا الى تكريس شرعيتها . كما اعتمدوا نهجاً سيتبعه سواهم من مؤسسي الدويلات قوامه التلاعب بموقع ولي العهد . وأضافت اليه الدويلات في قسمة اجزاء الدولة وممتلكاتها واراضيها بين ورثتها وابناء حكامها . هذا اذا لم ينفجر الصراع الدموي بينهم على الحكم . ومثل هذا الصراع تتدخل فيه النساء في قصور الحريم والقادة العسكريين وزعماء الجماعات وغيرهم. مما يعني المزيد من التفتت على تفتت أصلي .
    واذا كان من البديهي القول أن الأشكال والأدوات التي حكم بها الأمويون والعباسيون الأوائل لم تعد صالحة . الا أن ما حدث بعدها ادى الى تفاقم معضلة التفكك التي طبعت المرحلتين الثانية والثالثة من حكم الخلافة العباسية. لقد حدث أمران متكاملان معاً. كان أولهما قيام سلطات طرفية في الأجزاء البعيدة من الدولة يستوي في ذلك المشرق والمغرب . أما ثانيهما وهو الأخطر فقد اقتحمت بأشكال شتى هذه الأطراف المركز أو قلب الدولة . وقد حدث كثيراً وربما في غالب الأحيان أن من يُفترض به أن يكون صاحب القرار هو من استدعى هذه القوى الى العاصمة، ظناً منه أنه بفعلته هذه يضمن استعادة هيبته والسلطة. وطبيعي أن تثير عملية هيمنة هذه القوة على مركز القرار حفيظة سواها ، مما جعل عاصمة الحكم تغرق في فوضى كاملة. اذ البديهي أن تستثير هيمنة هذه العصبية سواها من العصبيات، ومعها تصبح عاصمة الدولة مسرحاً للتغالب وتصفية الحسابات وبناء النفوذ الجديد على حساب ذوي النفوذ القديم .
    وبديهي القول أن مثل هذا الوضع لا يترك بصماته على التركيبة أو البنية السياسية وحدها، اذ يشمل في ما يشمله الى حد ما، البنية الاقتصادية والاجتماعية والفكرية. اذ في مثل هذا الوضع يفقد المجتمع مقومات وعناصر الاستقرار وما يتيحه من تثمير للمستوى الفكري وما يتطلبه من سلام واستقرار. وللمقدرات المادية في النشاط الاقتصادي صناعياً أو تجاريا أو زراعياً . وهو ما يعبر عن نفسه تخلخلاً في ادوار المدن وأسواقها والطبقات والشرائح والفئات والتركيبة المجتمعية والسياسية والاقتصادية. إن مصادرة الأموال دون وجه حق، والتخلص من القيادين السابقين على نحو عنفي، والفوضى التي تُغرِق الشوارع ، ونهب المتاجر وسرقة القوافل وفرض الخوات على الحرفيين والتجار وكل ما هو مشابه من ارتكابات ... كل هذه وسواها تجعل من العاصمة التي كانت قد بلغت سابقاً ذروة تطورها، عبارة عن ساحة صراع وتنازع مفتوح على تدمير عناصر القوة والتماسك داخلها، بعد فقدان السلطة دورها المُنظِم للمجتمع . وهو ما ينعكس وينتقل الى بقية الأطراف التي تعاني من الهامشية الى جانب الفوضى بفعل فقدان الاستقرار والثبات والديمومة في أشخاص ومؤسسات الحكم.
القوى الدولية الخارجية : فرنجة ومغول
    هناك أولاً، قوى الدويلات والجماعات التي انتقلت في مراحل متتابعة من الأطراف الى بغداد. وقد باتت مع وصولها الى العاصمة قوى داخلية الى هذا الحد أو ذاك، بعد أن اصبحت جزءاً عضوياً من تركيبة السلطة بصرف النظر عن ممارساتها . اذ سرعان ما كوَّن هؤلاء لهم الى جانب العصبية التي حملوها من مواطنهم القديمة، عصبية في موطنهم الجديد ومعها حاشية من المستفيدين والمتنفذين عندما اصبحوا في مركز القرار وضمن المؤسسات الفاعلة فيه. لكن القوى الخارجية السافرة سرعان ما ظهرت على مسرح الأحداث على نحو عاصف. وينطبق الأمر أكثر ما ينطبق على الفرنجة والتتار أو المغول.   
قَدِم الفرنجة بحملاتهم من الشمال، أي من أوروبا من خلال البحر الأبيض المتوسط في الأغلب. وأغرقوا المنطقة بموجات متلاحقة من الفرسان والممالك والمعارك. والجديد الذي عبر عنه هذا الدخول قبل أن ندخل في تفاصيله ، أنه للمرة الأولى منذ الامبراطوريتين اليونانية والرومانية - البيزنطية يتم اختراق المنطقة العربية - الاسلامية على هذا النحو. ومما لا شك فيه أن الرومان حطموا الامبراطورية اليونانية وأحلوا سلطتهم محلها. وبات البحر المتوسط بحراً رومانياً خالصاً. وشاعت في حينه مقولة السلام الروماني . ومن أجل حكم تلك المنطقة المترامية الأطراف، أنشأ الرومان أنظمة وهيئات ادارية متكاملة مرتبطة بعاصمتهم. وشقوا الطرقات وبنوا الجسور وقنوات المياه ، ناهيك بالمعابد الوثنية أولاُ والكنائس تالياً. لكن تلك الامبراطورية تحطمت شر تحطيم . فمن الغرب تمكنت الشعوب الجرمانية الزاحفة من الشمال نزولاً الى الجنوب من احتلال وتدمير العاصمة روما . وبعدها في الشرق، نجح العرب المسلمون في الحاق الهزيمة بها واجلائها عن بلاد الشام صعوداً حتى جبال طوروس . ومع أن الامبراطورية البيزنطية حافظت على وجودها جزئياً انطلاقا من عاصمتها القسطنطينية ، الا أنها في المقابل تمكنت بشق الأنفس من حمايتها من التقدم العربي . في المقابل وقبل أن ينجح العرب في السيطرة على الأندلس، قضوا على الهيمنة الرومانية في المغرب العربي أو الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط . ومنه تابعوا تقدمهم وعبروا مياه مضيق جبل طارق . ثم تابعوا زحفهم فدقوا بأقدامهم اراضي فرنسا وبلغوا تحديداً جبال البيرينه نفسها . ومنذ تلك المرحلة ظلت أوروبا تعيش هاجس الغزو العربي دون أن تجد القوة والوسيلة لمقاومة مثل هذا المد. على أنه يجب ألا يفهم من ذلك أن التوسع العربي كان مجرد فعل عسكري مصدره عدم توازن القوى بين العرب وتلك الشعوب البدائية المفككة ، اذ الفعلي أن هناك تقدماً حضارياً حاسماً عبرت عنه الجيوش من خلال التقدم في الفتوحات. مما جعل عدداً من المؤرخين الأوروبيين يأسفون لنجاح الغرب في صد العرب في معركة "تور بواتييه" أو بلاط الشهداء . باعتبار أن هذا الحجز قد أضاع على أوروبا مئات السنوات التي أمضتها غارقة في ظلام وتخلف القرون الوسطى وسيطرة الكنيسة ومحاكم التفتيش، فيما كان العرب يعمقون من تطور مجتمعاتهم وعلومهم النظرية والعلمية في مختلف الحقول والميادين.
   وانطلاق القوى الأوروبية في غزوها للمنطقة بهذا المعنى هو الهجمة الاستعمارية الثانية الكبرى التي تتعرض لها. والفارق أنها بدأت قرابة نهاية القرن الحادي عشر واستمرت قرابة نهاية القرن الثالث عشر ، أي انها امتدت قرابة المائتي عام  1095-1290 تخللها العديد من النجاحات والاخفاقات قبل أن تنتهي الى الهزيمة الكلية. وبالتالي انهيار تلك الممالك ورحيل من تبقى من تلك القوى كما جاءت بحراً. بالطبع مثل تلك المحاولة الاستعمارية المتكررة المستميتة، تركت الكثير من التأثيرات والجراحات على الذات العربية وعلى العلاقات مع الدول والجماعات والمنظومات الأوروبية على حد سواء. ولعله يمكن القول بثقة أن ندوب تلك السنوات ما زالت قائمة الى اليوم بهذا القدر أو ذاك. هذا مع العلم أن الكثير من الفوائد قد تحققت لطرفي الصراع على المستويات كافة . والثابت أن ما جنته اوروبا على الصعد العلمية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية لا يقاس بما جناه العرب. طالما أن تلك الحرب بامتدادها الزمني الطويل كانت عبارة عن عملية تواصل بالسلاح حيناً، وفي معظم الأحيان بالتعاملات التجارية والعلمية وغيرها.
     والجديد الإضافي الخطير يتمثل في الغزو المغولي للبلاد العربية . وكانت ذروته احتلال بغداد وتدميرها في العام 1258 ميلادية. أي أنه بينما كانت قوى حملات الفرنجة أو الصليبية تضمر تباعاً بعد فورانها الأول، جاء هذا الغزو ليضع المنطقة امام وقائع أضافية مرعبة في رحلة تراجعها وتقهقرها. وبذلك يكون تحرك القبائل المغولية نحو الغرب رداً مضاداً على الفتوحات العربية المبكرة نحو القلب الآسيوي وحتى حافة الصين.
     ومن المعروف أن تحرك القبائل في الوسط الآسيوي، كان يتجه دوماً نحو الصين التي بنت منذ قرون غابرة سورها العظيم لحماية حدودها الشمالية من هذا الإكتساح. أو كان يقصد بلاد الهند وسهولها. وقد حدث مراراً أن اتجه نحو أوروبا. لكنه هذه المرة بعد التوسع في الصين اتجه نحو الشرق العربي بعد أن أطبق على الوسط الآسيوي. ومن المعلوم أن تلك الهجمة قد سبقتها هجمات قامت بها قبائل وجماعات رعوية من الشعوب الآسيوية . ففي القرن الثالث الميلادي تقدمت قبائل الهون نحو أوروبا والحقت الهزيمة بالقوط الجرمانيين، ونشرت في مجمل القارة الأوروربية الرعب والخراب. وبين القرنين السادس والثامن الميلادي عرفت آسيا قيام قبائل تليو المغولية من موطنها على ضفة نهري أورخون وتولا حيث تقوم عاصمة منغوليا حالياً ، بالتقدم نحو المناطق الشاسعة المحيطة. وقد فرضت على سكانها حكماً عشائرياً قاسياً . كما عانت من وطأته هي نفسها الى هذا الحد أو ذاك. وقد خضع الشعب الذي شكل القوة العسكرية المحاربة الى تحكم طبقة من القواد والحكام التفت حول دور "الكاغان ". وفي غضون القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلاديين بلغ تطور تأسيس هذه التشكيلة الاجتماعية قوتها مداه عندما ظهر فيها تيموشين او تيموجين الذي ورث حكم والده . وفي العام 1206 نودي به (كاغنا) ولقبوه بلقب جنكيز خان، أي "مبعوث السماء" . وأطلق على القبائل المنضوية في اطار سلطته اسم القبائل المنغولية، أي المبعوثة أو المرسلة من السماء . ولتحقيق ارادة السماء التي توهمها أخذ في اعداد جيش محارب متماسك من أبناء القبائل المختلفة لاكتساح ما يعترض طريقه من شعوب ودول وممالك.
حروب الفرنجة وأسبابها:
     بلغ عدد حملات الفرنجة على المنطقة ثماني حملات هي التي يتم وصفها بالحروب الصليبية. بعض المؤرخين يزيدون في العدد أو ينقصونه. لكن الحقيقة الفعلية هي أن الصليبيين ظلوا يرتادون الأراضي المقدسة طيلة القرنين اللذين تسنى فيهما للفرنجة ان يصمدوا بدويلاتهم في الشرق . وحتى بعد فقدان هذه الدويلات لم يكن بالأمر العجيب أن يحمل ملوك وبارونات شارة الصليب ويأخذوا على أنفسهم عهداً بالزحف على بيت المقدس. ولا جدال في ان تدفق الفرنجة على الشرق لم يتوقف لحظة واحدة ، الا أنه كان في الأساس على هيئة حملات عسكرية فردية يتولاها لوردات أو فرسان إفراديون . إنما في ثماني مناسبات فقط دعا الباباوات أو زعماء العالم المسيحي، ناهيك عن أبرز الحكام العلمانيين واعظمهم شأناً، الى حشد مجهود أوروبي عالمي النطاق في هذا المجال . فكانت هناك ثماني دعوات بابابوية الى الزحف وحمل السلاح . وأعلنت اوروبا بأسرها الحرب على الإسلام ثماني مرات خلال الحقبة الصليبية . ونداء البابا اوربان كان أول هذه الجهود الأوروبية .  ومصطلح الحروب الصليبية ظهر متأخراً عن تلك الحملات بقرون، علماً أن جنود تلك الحملات كما هو معروف، كانوا يضعون على ثيابهم، قبل أن تطأ  أرجلهم ارض المنطقة، شعار الصليب، لكنهم كانوا يلقبون أنفسهم بحجاج بيت المقدس أو فرسان الرب. ويطلق المؤرخون العرب على تلك الجيوش اسم جيوش الفرنجة. وذلك للتمييز بينهم وبين اتباع  المسيحية العرب والبيزنطيين على حد سواء الذين يتم وصفهم في المصادر العربية بالروم . وكم لاحظنا أن العلاقات مع البيزنطيين وإن كان قد تخللها الكثير من الحروب الا أن العلاقات ظلت قائمة على الصعد التجارية – الاقتصادية والثقافية والفنية .  والمسيحيون العرب كما أسلفنا طالما كانوا أصل سكان المنطقة وهذه البلاد. وتعبير الفرنجة المستعمل هو للتمييز بينهم وبين مسيحيي البلاد العربية، من عرب وغير عرب. وهؤلاء كانوا دوماً في صميم أجهزة ادارة الدولة العربية أموية وعباسية وما تفرع عنهما في الأقاليم. هذا الى جانب النشاطات الاقتصادية التجارية والحرفية والعلمية التي برعوا فيها طوال تاريخ وجودهم الممتد دون انقطاع منذ ما قبل الاسلام.
    ومن خلال مراجعة جغرافية تلك الحملات ، يلاحظ أنها تركزت على بلاد الشام ساحلاً وداخلاً. لكنها شملت في ما شملته مناطق آسيا الصغرى شرقاً ومصر غرباً، حتى أن واحدة بلغت تونس في افريقيا. وتركز الحملات على بلاد الشام له مغزاه الفعلي، ما دام الهدف المعلن هو السيطرة على الأماكن المسيحية المقدسة في فلسطين. على أي حال يجب أن نسجل أن الحملات هذه التي استغرقت حوالى القرنين تميزت بمشاركة أوروبية واسعة . فقد شاركت فيها الكرسي البابوي في روما، والمدن الإيطالية، وبلاد الفرنج أي فرنسا، وانكلترا والمانيا والمجر وسواها من دول وشعوب أوروبية في غضون تلك المرحلة . أما الشعوب والسلطات العربية والاسلامية التي شاركت فيها فكانت الدول: الفاطمية والزنكية والسلجوقية والعباسية والأيوبية والمملوكية . أما الشعوب التي شاركت فيها فهي شعوب عربية وغير عربية كالأكراد والسلاجقة والأتراك والمماليك والبربر وغيرهم. وينتسب هؤلاء وسواهم الى : بلاد الشام ، مصر، الموصل ، العراق ، المغرب العربي وبلاد فارس حتى و... المقصود من العرض هذا، الإشارة الى اتساع حجم المشاركة العربية - الاسلامية من جهة والأوروبية – المسيحية من جهة ثانية. ولفت الانتباه الى أن تلك الحروب كانت من الشمولية بمكان بحيث شاركت فيها كل شعوب العالم المتوسطي وما يتعداه شمالاً وشرقاً وغرباً. وقد انخرطت فيها أجيال من أبناء هذه الشعوب، الأوروبية والعربية على حد سواء بالنظر الى عمرها الزمني الممتد وحجم مسرحها العسكري الواسع. كما أن تأثيرها كان أوسع مدى من مسرحها الفعلي وحجم المشاركين .
 لكن السؤال ما هو السبب وراء تلك الحروب؟.
قبل الإجابة على مثل هذا السؤال لا بد من القول أن حرباً تمتد على مدى زمني يصل الى قرنين من الزمن لا بد وأن تمتلك أسباباً عميقة تجعلها متواصلة الى ذلك المدى . ونضيف الى ذلك ما هو مباشر وغير مباشر. مما يعني الوقوف وراء دوافع السلطات والطبقات والشرائح من وراء خوضها في غضون تلك المرحلة. وكذلك هناك الأسباب العامة والخاصة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، دون أن ننسى الأسباب الدينية . والعامة هي هنا تعني كلاً من أوروبا والعرب على حد سواء ، والخاصة تتعلق بكل من الأطراف المشاركين في خوض غمارها . علماً أنه في كل الحروب الواسعة النطاق تكون دوماً هناك أطراف رئيسية وقوى وجماعات ثانوية . وهو ما ينطبق على هذه الحروب أيضاً.
      هذا التوضيح المنهجي يدفع الى الدخول في الأسباب المباشرة ونبدأها من كل من الحكمين الفاطمي والسلجوقي على حد سواء. مرَّ معنا أن الحاكم بأمر الله إتخذ قراراً بتدمير كنيسة القيامة التي بناها قسطنطين الأكبر في القرن الرابع  الميلادي في مكان قبر السيد المسيح . وهي تعتبر من أقدس المقدسات المسيحية في فلسطين لمختلف الطوائف . وقد نقل الحجاج الأوروبيون هذه الواقعة الى أوروبا عموماً والبابوية خصوصاً . ومع أن الحكم الفاطمي عاد وسمح بإعادة بنائها، الا أن الحدث أثار الكثير من الشجون المسيحية الغربية حول مخاطر سيطرة "الكفار" على تلك الديار التي شهدت مولد المسيحية الأول . هذا على الصعيد الفاطمي وهم قوة أساسية في المنطقة في كل من مصر وبلاد الشام التي سيطروا خلالها على القدس ودمشق ومدن الساحل اللبناني. وبلغ نفوذهم لبعض الوقت العراق بعاصمة البلاد ومدنه الأساسية.
    تكتمل الصورة بالنظر الى دور السلاجقة . فقبل معركة مانزكارت عام 1071 كانت الامبراطورية البيزنطية قد فقدت المزيد من اجزائها الآسيوية. وعليه بات شبح الخوف من الاسلام حاضراً في الوعي واللاوعي الأوروبي . وكان الأفدح في هذه الخسائر سقوط كل من انطاكية ومدينة نيقية، التي تحولت الى عاصمة لدولة السلاجقة. وبصرف النظر عن الخلافات الكنسية المحتدمة أبداً بين روما والقسطنطينية، فقد ظلت الأخيرة رغم الإتهامات التي كيلت لها من جانب خصومها الغربيين باعتمادها الهرطقة ، بمثابة موقع متقدم للدفاع عن العالم المسيحي. مثلت المعركة بما اسفرت عنه من نتائج جرس إنذار أمام أوروبا التي باتت تحيا تحت مرمى خطر سلجوقي يقترب من بلادها اذا ما اكتمل انهيار الحصن البيزنطي. خصوصاً وأن السلاجقة باتوا يتمتعون في هذا الطور بشبه حرية حركة عسكرية كاملة. وكانوا يستطيعون متى يشاؤون مهاجمة المدن البيزنطية، يأسرون ويحرقون وينهبون دون حد أدنى من المواجهة.
   ولم تشكل عودة الأمبراطور رومانوس من الأسر لقاء فدية كبيرة حلاً للمعضلة، بل على العكس، فقد جرى إنزال أقسى عقاب به وتم تحميله مسؤولية الفشل. وبدل أن تتوحد الامبراطورية لدرء الخطر الذي يتهددها من الخارج ، إنفجرت الخلافات داخلها. وفي هذا الطور بات السلاجقة قوة داخلية متدخلة في شؤون تلك الامبراطورية وصراعاتها . أي أنه كان يتم الاستعانة بهم في الخلافات والصراعات الناشبة بين القوى المتعاركة على السلطة والنفوذ . وما دام الأمر على هذا النحو الخطير لماذا لا يتم الاستنجاد بالبابوات المسيحيين في روما؟.  وقد وجدها هؤلاء سانحة من اجل توحيد الكنيستين وتحقيق انجاز عجزت عنه العديد من المجامع الكنسية المقدسة. كما أنه من خلال تولي الباباوات الدعوة لها وقيادتها، يمكن جر ملوك أوروبا الذين كان يتذمرون من منافسة الكنيسة لهم على النفوذ السياسي والأرض الى معارك تكون فيه تابعة لقرارات البابوية. ومن المعلوم أن آخر طلب للنجدة جاء عبر بعثة من بيزنطة قامت في العام 1095 بتقديم شرح للبابا أوريانوس الثاني حول مخاطر الأتراك السلاجقة على المسيحيين والمسيحية . اراد الامبراطور البيزنطي بالدعوة لنجدته امدداه بقوة تأتمر بأوامره للصمود في مواقعه والدفاع عنها على الأقل ، إن لم يكن استعادة ما خسره من الأراضي والمدن. بينما أراد البابا أن تكون النجدة مدخلاً للسيطرة على القسطنطينية المتمردة دوماً على سلطته أولاً، ثم ثانياً الأماكن المقدسة في فلسطين عموماً والقدس خصوصاً. وكان الحجاج العائدون الى أوروبا من القدس قد اعلنوا انباءً عن اضطهادات تعرض لها المسيحيون الشرقيون . وهو امر ليس صحيحاً بالمطلق، نظراً للوضعية التي كان عليها المسيحيون في المنطقة، وتحسن أحوالهم الإقتصادية والاجتماعية منذ الفتح العربي مع بعض الاستثناءات الطارئة التي لا تغير في الوضع العام. كما حدث خلال عهد الحاكم بأمر الله الذي سرعان ما عاد الى سياسة التسامح الديني قبل اختفائه. وبعدها أي في العام 1046 ميلادية بوشر فعلياً باعادة بناء كنيسة القيامة وكثُرت اعداد الروم والحجاج في المدينة والمنطقة .
    أما الاعتداءات التي كانت تطال الحجاج في الطرقات البرية والبحرية الى الديار المقدسة فكان سببها الأساس حال الفوضى السياسية والعسكرية التي عاشتها المنطقة في ذلك المفصل من الزمن. وأبرز معالمها تمثل في انتشار الأساطيل المتجابهة والقراصنة على امتداد البحر المتوسط. ومع اشتباكات الأساطيل ازدهرت أعمال القرصنة التي كانت تستهدف الحجاج والتجار من كل جنس ولون . أما في البر فكان الصراع الفاطمي السلجوقي الذي شمل معظم بلاد العراق والشام ومصر حاضراً بقوة بين الطرفين ولكل منهما مؤيدوه وأعداؤه . وحال الفوضى هذه كانت تعاني منها أيضاً الطريق البري الذي يعبر بالقسطنطينية، وتصل الى شمال سوريا ووسطها، ومنها نزولا نحو بعلبك في البقاع ففلسطين. وكان العديد من الأفراد ، ناهيك بالقوافل، تتعرض لأعمال النهب التي يتولاها قطاع الطرق من اللصوص وأبناء القبائل ، سلجوقية وغير سلجوقية على حد سواء. وكان الحكام يفرضون على الحجاج وحمولاتهم الأتاوات والضرائب غير المشروعة. مما يجعل من متابعتهم السير الى القدس متعذراً في حال بقاء أصحابها على قيد الحياة، ومعهم ما يقيم أودهم. وكما هي الحال دوماً تصل الأخبار مضخمة فتتأثر أوروبا وتتحرك العواطف ومعها المطالبة بإنهاء المأساة بوضع اليد على الأماكن الدينية في فلسطين. والواقع أن أوروبا في تلك المرحلة كانت تحاول بناء شخصيتها المميزة. ومثل هذا التوجه كان يتم في العصور الوسطى من خلال الدين وتفسير ما جاء بالكتب المقدسة من روايات. ومن المعروف أن الهوية في تلك المرحلة ، أي قبل قيام الدولة الوطنية أو القومية ، كانت تقوم على العداء لشعوب أخرى لا تدين بالمسيحية بطبيعة الحال . وهي هنا العرب واليهود والأتراك. إن أوروبا في تلك المرحلة كانت مأخوذة بالروايات التوراتية عن قرب نهاية الكون ومجئ المسيح المخلص ثانية وانتصاره على المسيح الدجال في بيت المقدس ، بعد معركة هرماجدون الرهيبة. وقد أراد الكثيرون أن يكونوا في الموقع الذي يشهدون فيه على تلك الوقائع ويساهمون فيها.  
       لم يتحرك باباوات الكنيسة بدوافع دينية صرفة تستهدف المسلمين والمناطق المسيحية فقط. فدوماً في حروب من هذا النوع ينجدل الدين بالدنيا، السياسة بالمقدس، المبادئ بالتجارة وهكذا. خلال تلك المرحلة كان النورمانديون الوثنيون القراصنة القادمون من أقصى الشمال الأوروبي يهددون الجنوب الأوروبي عموماً والإيطالي تحديداً. وقد نجح قسم منهم في طرد البيزنطيين والعرب المسلمين من صقلية . ومع أنهم أعلنوا التزامهم في الديانة المسيحية وتعليمات الباباوات، الا أن الكنيسة كانت تنظر اليهم بعين الريبة والشك. وجراء فوضاهم لم يكن أمام البابا من سبيل للتخلص منهم سوى في ارسالهم الى حروب مقدسة بعيدة. ومن جانبهم كانت اندفاعتهم للمشاركة بمثابة مصداقية لمسيحيتهم . ومن جانب البابوية عملية اختبار لمدى إيمانهم ومدى اخلاصهم للكنيسة التي اعتنقوا مبادءها. اذن طمح البابوات أن تكون تلك الحرب مدخلاً لتوحيد الكنيستين الغربية والشرقية، والأصح إلحاق الثانية بالأولى الى جانب أهدافها الكنسية الأوروبية. لكن الحروب الدينية دوما تثير جوانب أبعد من ذلك لدى الفكر الديني ومؤسساته . ففي مرحلة التمهيد والدعوة، شهدت أوروبا الكثير من الظاهرات التي تندرج في إطار أسطرة تلك الحرب وتقديسها واحاطتها بالخوارق قبل أن تبدأ. فقد جاب بطرس الناسك القس المتقدم في السن الكثير من المدن والقرى الأوروبية يدعو سكانها الى اللحاق به واتباعه الى القدس كأسلوب وحيد من أجل التكفير عن ذنوبهم وخطاياهم . وقد رافق ذلك بروز ظاهرة الرؤى والمنامات التي تعتبر أن مجئ المسيح بات قريباً جداً. والتكفير عن الذنوب يتمثل باستعادة الأماكن المقدسة والحج اليها حيث أفضل مكان مقدس لملاقاته . والملفت أن تلك الرؤى والمنامات لم تشمل فئة اجتماعية واحدة، بل شملت طبقات المجتمع كافة، فقيرهم وغنيهم . وباتت الدعوة الى المساهمة في تلك الحروب والإنخراط في صفوفها أو بيع وتقديم الممتلكات للإنفاق عليها وتمويلها أشبه ما يكون بهستيريا كاملة ضمت في صفوفها الإقطاع والفرسان النبلاء والفلاحين الفقراء.  
    وما دمنا نتحث عن الإقطاع لا بد وأن نشير الى أن هذه الطبقة كانت تشمل فيمن تشمل فئات من ذوي الأصول الإقطاعية تطمح الى الحصول على ممتلكات شرقية. وكان قسم هؤلاء من دون أملاك عقارية في أوروبا. مقابل إقطاعيبن يملكون أراضي شاسعة. ومرجع هذا التمييز هو نظام الإرث المعمول به في أوروبا آنذاك، والذي كان يحصر حق التركة بالإبن الأكبر دون عداه من باقي الأبناء . مما يعني وجود اقطاعيين أو نبلاء من دون ملكيات عقارية كما هو العُرف والعادة. والفكرة الأساس في نظام الأرث هذا، هو عدم تفتتيت الملكية العقارية بين الأبناء الذكور، اذ هذا من شأنه أن يؤدي الى زوال نفوذ وسطوة العائلة ويجعل من أبنائها مجرد مزارعين صغاراً نظراً لتجزوء الملكية العقارية. وقد يقود الى التحاقهم بعائلات ذات نفوذ وممتلكات أكبر. بالطبع فإن مشاركة هؤلاء في حروب الفرنجة الصليبيين فرصة لهم للحصول على أراض وربما ممالك في الشرق حيث الثراء خيالياً قياساً الى سواه من المناطق المعروفة حينها لدى الأوروبيين . أما من جانب الفلاحين الذين كانوا يعانون شظف العيش فكانت أمامهم فرصة خلاص مزدوجة دينية وزمنية . دينية تتمثل بالتكفير عن الذنوب المتراكمة عليهم وملاقاة المسيح على أرض القداسة. وزمنية بديلاً عن الاستمرار في الخضوع لسلطة السيد الإقطاعي واحكامه القاهرة . وكما كان الملوك يتفاعلون بفعل حماس الجماهير مع الدعوات، كانت المدن الإيطالية الساحلية تمني النفس بالثروات التي يمكن أن تكسبها جراء نقل الجموع بأساطيلها وما يحتاجون اليه من الأسلحة والمؤن. ثم هناك أجور شحن الحمولات والأرباح التي تجنيها جراء الصفقات في الذهاب والإياب.  وبالطبع يدخل هذا الحماس البحري في اطار التنافس على الهيمنة على الطرق التجارية البحرية المتوسطية بين مدن: جنوى وبيزا والبندقية ومرسيليا في فرنسا . وكل من هذه المدن تملك اسطولاً بحرياً تطمح أن يصبح وحده سيد المتوسط دون منازع ، وتنحصر به دون سواه احتكارات التجارة مع الشرق. ثم كانت هناك أسباب خاصة لدى كل من المشاركين، كما كان للاندفاع علاقة بأوضاع المنتجات الزراعية وما نجم عن الدمار الذي تعرضت له المزارع وقطعان المواشي بفعل الهجمات القبلية الشمالية مما أدى الى تراجع في كميات ونوعية المنتجات. وقد ترافق ذلك  مع حال من الجفاف الذي أورث  المجاعات . على أي حال ، ودون تقديم المزيد من الشروحات في هذا الجانب، نعود الى بيت القصيد وهو المتعلق بقوى المنطقة وقدرتها على التفاعل مع المواجهة.
   اذن لا يمكن أن تكون حرب على هذا المدى الزمني واتساع القوى المشاركة فيها مجرد حماسة دينية ، إذ تغطي هذه شبكات واسعة من مصالح القوى والدول.  
        من السلاجقة الى الأيوبيين:
رغم انتصار السلاجقة على البيزنطيين، الا أن توجههم نحو العراق سيقود الى تفكك كيانهم السياسي وزوال خطرهم على القسطنطينية بالتالي. كان السبب وراء هذا المصير هو اقتناع السلاجقة أن عليهم الاعتماد في استمرار سيطرتهم على المماليك الترك بعد أخضاعهم لنظام قاس من التأهيل في بلاطات السلاطين والأمراء . وجاء هذا الاعتماد تعبيراً منهم عن الشك بكل من الفرس والعرب على حد سواء. وقد عُرف المماليك هؤلاء ب"المماليك النظامية". و كان وصول السلاجقة الى بغداد بعد طلب تقدم به الخليفة المستنصر الى طغرلبك أول ملوك السلاجقة بالنجدة للمساعدة على التخلص من الحلف البويهي – الفاطمي الشيعي. وبما أن السلاجقة والعباسيين ينتمون الى المذهب السني نفسه ، فقد بدا الصراع الدائر على السلطة حينها صراعا سنياً- شيعياً. كان انتصار طغرلبك هو ذروة الإنتصار وبداية الهزيمة التي أحاقت بخلفائه . لقد سيطر السلاجقة على بغداد وقتلوا ممثل الفاطميين فيها، وأكملوا القضاء على ما تبقى من نفوذ البويهيين. وحلوا محل سابقيهم في الهيمنة على الخلافة . وتمكنت جيوشهم من فتح الرملة وبيت المقدس ودمشق لاحقاً، كما حاولت السيطرة على مصر دون أن تنجح في استعادتها من الفاطميين.
   لكن البيت السلجوقي تمزق بعد وفاة ملكشاه اول سلاطين السلاجقة في بغداد. وبلغ الأمر حداً تجرأ فيه الخليفة المسترشد بالله نفسه على قتالهم . ومع أن الأخير مُني بهزيمة وأُسر ثم قُتل، الا أن مجرد هذه الواقعة دفع بالخليفة اللاحق المقتفي الى طرد مندوب السلطان السلجوقي من حضرته، وسيطر بجنوده على أطراف العراق. وقد إعتمد السلاجقة نظام الاقطاعات العسكرية. وشيئاً فشيئاً بات هؤلاء الإقطاعيين مستقلين بولاياتهم عبر ما يسمى نظام "الأتابكة". وقد أمست اراضي فارس والجزيرة الفراتية عبارة عن اقطاعات عسكرية يحكمها مماليك السلطان ، ثم إتخذ هؤلاء المماليك مماليك آخرين نظموا شؤونهم في وحدات وتشكيلات عسكرية . مما يعني أن دولتهم الواحدة قد تفككت بين هؤلاء الأتابكة، وجيشهم اصبح عبارة عن قطع مجزأة على الأتابكة أو المقاطعات وحكامها. فقد خضعت المناطق التي سيطروا عليها لنفوذ الدويلات الأتابكية التي نشأت تحت رعاية السلاجقة أنفسهم . ولتظهير الصورة يمكن وصف سلطات هؤلاء الأتابكة بأنها سلطات محلية ( حلب – الشام – ماردين وخوارزم ...) . هذا المآل الذي آلت اليه دولة السلاجقة طبعها بالضعف والعجز عن رد التحديات المحدقة . وجعل من قادتها أكثر تفرغاً للصراعات الداخلية فيما بينهم. وكان الإختبار العملي الأول لحقيقة أوضاعهم متمثلاً في أوضاع انطاكية التي سبق وانتزعوها من سيطرة الامبراطور البيزنطي. فقد فشلت عملية الدفاع عن تلك المدينة حينما هاجمها الفرنجة الصليبيون. وبذلك سقط خط الدفاع الأول بعد اشتباك محدود مع الغزاة . وهو ما مكن الفرنجة من التوغل في الرها أولاً ، ومنها نحو  داخل بلاد الشام نفسها . وفي الأخيرة نجح الصليبيون في السيطرة على القدس في العام 1099 ميلادية بعد مذبحة مرعبة طالت من فيها من رجال ونساء وأطفال ورجال دين مسلمين ومسيحيين ويهود على حد سواء . وقد قدر المؤرخون الغربيون عدد الضحايا بسبعين الفاً. لكن المصادر الأرمنية تقدر العدد بخمس وستين الفاً. وبذلك باتت القدس مقر المملكة اللاتينية وحاكمها غودفري دي بويون يحمل لقب حامي القبر المقدس.
    ومع أن انباء المذبحة قد بلغت شتى الأمصار والمدن الاسلامية في الشام والعراق ومصر، الا أن العجز عن المجابهة كان سيد الموقف. وبعد هذا الانتصار أكمل الفرنجة الصليبييون زحفهم باتجاه السواحل فسيطروا على قيسارية وعكا وصيدا وبيروت وطرابلس بينما تأخرت سيطرتهم على صور الى العام 1124 نظراً لمناعة اسوارها . أما المدن الداخلية مثل حمص وحماه وبعلبك ودمشق فقد اصبحت هدفاً لغاراتهم وتحت رحمتهم ، وإن لم يتمكنوا من احتلالها.  ومن المعروف أن السلطة في الشام كانت موزعة بين أتابكتي حلب ودمشق. وكلتاهما كانت ضعيفة وينحصر هم كل أتابك منها في الحفاظ على نفوذه في منطقة سلطته. وغالباً ما يتم ذلك بالصراع مع منافسه في الأتابكية الأخرى وأحياناً بالتعاون مع الصليبيين أنفسهم.
    أما الفاطميون في مصر والشام الذين اُنتزعت منهم القدس وتعرضت قواتهم المحدودة فيها الى عملية استئصال مروعة، فقد حاولوا ثلاث مرات على الأقل شن حملات لاستعادة المدينة دون جدوى. ويصف المؤرخ ابراهيم بيضون الحملات الفاطمية بأنها هدفت الى حماية حدود مصر أكثر من استرجاع القدس من أيدي الصليبيين. ولا ننسى أن الدولة الفاطمية في مصر، ومع أنها نجحت في السيطرة على الشام، ومدت نفوذها الى العراق نفسه، كانت تعيش أيامها الأخيرة بفعل الانشقاقات الفكرية والسياسية التي شهدتها مؤسسة السلطة. وأدت هذه الى حال من الضعف العام الى الحد الذي باتت فيه كسواها من دويلات لا تتورع عن عقد اتفاقات التحالف والاستعانة بالصليبيين الفرنجة أنفسهم للحفاظ على سلطاتها في مصر بعد أن خسرت العراق والشام .
    بدوره الخليفة العباسي الذي التقى جماعة من أهالي القدس الذين نقلوا له صورة ما حدث حقيقة على الأرض مستغين، لم يكن في مقدوره أن يفعل الكثير. ولتلافي الإحراج الذي تعرض له لم يجد سوى أن يطلب من السلطان السلجوقي القيام بما من شأنه الرد على المذبحة. وعليه فقد كلف الأخير أتابك الموصل مودود القيام بتنظيم حملة ضد الصليبيين على أن ينسق في هذه المهمة مع أتابك دمشق . وفعلاً حقق مودود انتصاراً على ملك بيت المقدس في معركة طبرية الشهيرة عام 507 هجرية /1113 ميلادية . لكن هذا الانتصار الذي أحرزه سيدفع حياته ثمناً له. اذ في اعقابه تم اغتياله وهو في باحة المسجد الأموي في دمشق. وقد تكون العملية هذه كما يرجح عدد من المؤرخين بتدبير من طغتكين دون سواه الذي حنق عليه انجازه .
   الجديد الذي حملته هذه المواجهة رغم نهايتها المأساوية هذه أنها أدخلت منطقة الموصل في آتون الصراع. وجاء تنكب الموصل لدورها هذا بعد أن ثبت عجز كل من مصر ودمشق وبغداد عن القيام بالدور المطلوب منهما هجوماً ودفاعاً. وحضور الموصل سيكون أكثر سطوعا بعد نجاح عماد الزنكي الذي أُغتيل هو الآخر بعد تحرير الرها.  مع ذلك ظل موقع الموصل موقعاً طرفياً . وهو أمر سيشهد تحولا ً خلال عهد ابن الأخير نور الدين محمود الذي اتخذ من حلب مقر سلطته بعد أن انتزعها من أتابكها. في هذا الوقت كانت دمشق نفسها في مرمى الخطر الصليبي، وفعلاً نجح نور الدين في السيطرة عليها. ومع هذا التحول باتت دمشق بمثابة موقع مواجهة أمامي في اعداد الخطط وتأمين القاعدة العسكرية في مواجهة مملكة بيت المقدس . وبذلك كان هذا التحول فاتحة مرحلة جديدة في الصراع بعد أن درج بعض حكام دمشق من الأتابكة على التحالف مع الصليبيين. وبذلك باتت هناك جبهة حقيقية قادرة على الصمود في مواجهة حالي الغزو والتفكك على حد سواء . في غضون الدولة الزنكية التي حافظت على تبعيتها وولائها للعباسيين برز قائد هو اسد الدين شيركوه من الأسرة الأيوبية خلال الزحف على دمشق . ومن المعروف أن مصر كانت تعيش الحالة نفسها التي عرفتها دمشق لجهة احتمال سقوطها في أيدي الفرنجة الصليبيين، لا سيما بعد سيطرتهم على عسقلان التي صمدت في وجههم قرابة النصف قرن . اذن كانت هناك حالة سباق في السيطرة على مصر من الملوك اللاتين والزنكيين معاً. وقد نجح الأخيرون في هذه المهمة بعد محاولات عدة عبر قائدهم شيركوه ومعه صلاح الدين الأيوبي . ولم يلبث الأول أن توفي فآلت الأمور الى صلاح الدين الذي سرعان ما تقلد الوزارة متخذا لنفسه لقب الملك الناصر . ومع أن نور الدين غضب من صلاح الدين الا أنه لم يترجم غضبه . وبعد فترة قصيرة توفي نور الدين في العام 569 هجرية /1174 ميلادية فآلت الأمور الى صلاح الدين الأيوبي. كانت المهمة الأولى التي أولاها صلاح الدين عنايته هي تشكيل جيش قوامه مقاتلون من مصر وبلاد الشام والأكراد . وأوكل مهمة قيادته الى اشقائه ووالده. خلال هذا الوقت كان العداء الفرنجي – الاسلامي قد بلغ ذروته . ومما ضاعف من مناخات الانفجار هو ما مارسته الحامية الصليبية في قلعة الكرك من غارات على الطريق التجاري وطريق الحج. فقد عمدت دوما الى قطع الطريق على تلك القوافل ونهبها. ومع أن صلاح الدين حاول مرات عدة أن يسيطر على القلعة المذكورة الا أنه لم ينجح. ومما زاد الطين بلة ما يشاع عن وقوع شقيقته في الأسر فأقسم يميناً أن يقتل صاحبها بيده.
 وهكذا جمع جيشاً تقدم به نحو طبرية التي سيطر عليها . وقد لاقاه الصليبيون شمال الناصرة في موقع يسمى حطين. وقد تمركز المسلمون قرب الماء بينما عانى الصليبيون العطش من فقدانها. وعندما اندلعت المعركة مُني الصليبيون بخسائر فادحة في القتلى والجرحى والأسرى . وقد فتحت معركة حطين أبواب القدس وفلسطين أمام قوات صلاح . وفي غضون شهرين فقط أمكن فرض الحصار وقطع الامدادات عن المدن الساحلية، ثم استولى صلاح الدين عليها باستثناء صور التي ظلت عصية جراء ما يصلها من امدادات بحرية من أوروبا . ولم يلبث أن تركها متجهاً نحو القدس التي سيطر عليها، فعفا عن أهلها شرط دفع فدية . ومن اراد منهم مغادرتها تمتع بالأمان . بالطبع سقوط القدس أحدث دوياً في أوروبا فوجه البابا نداء للقيام بحملة ثالثة. وقد لبى نداءه هذا كل من : ملك فرنسا فيليب الثاني وريتشارد ملك انكلترا الملقب قلب الأسد وامبراطور المانيا فردرك بربروسا . وبذلك عادت الحروب لتندلع مجدداً، الا أنها توقفت دون أن يستطيع قلب الأسد احتلال القدس. وقد تولى أخ صلاح الدين العادل التفاوض معه ، بينما كان صلاح الدين يتفرغ لمواجهة المشاكل التي نجمت عن ثورة ابن أخيه  في الموصل . وفي العام 1192 عقدت معاهدة بين الطرفين مدتها ثلاث سنوات. وأبرز ما فيها حصول الفرنجة الصليبيين على المنطقة الممتدة بين يافا وصور على أن تبقى البلاد الداخلية في يد صلاح الدين . على أي حال أثارت هذه المعاهدة جدلاً بين المؤرخين واعتبرها بعضهم بمثابة هزيمة سياسية لصلاح الدين ، أذ لم يكن مضطرا لتقديم ذلك الثمن. لكن البعض رأى أن القدس تستحق مثل هذا التنازل عن المدن الساحلية والثغور المهمة . ومما يؤخذ على ذلك الاتفاق أن هذا الصلح كرس للمرة الأولى الاعتراف بالإحتلال الفرنجي في بلاد الشام، وهو ما لم يحدث قبلاً منذ بداية حروبهم. على أي حال فان صلاح الدين لم يعمر بعدها، فقد توفي بعد عام على المعاهدة . وهو ما قاد الى اختلال في حركة الجهاد بعد أن اندلع النزاع والصراع بين أمراء الأسرة الأيوبية . بينما نجد أن الحملات المتجددة توجهت نحو كل من القسطنطينية ومصر حيث حصدت الهزيمة في الأخيرة .
   ولا بد من التوقف عند الحملة الصليبية الرابعة التي استهدفت القسطنطينية لدلالاتها العميقة. فقد تحولت تلك الحملة الى حرب مقدسة على المسيحيين الروم الأورثوذكس . وقد هاجم صليبيو الحملة الرابعة مدينة القسطنطينية. وقد قاومهم الروم بضراوة، الا أن الضعف المديد الذي عانته الامبراطورية والتنازع على موقع الامبراطور، دفع المدافعين عنها الى التوقف عن القتال . وبعد عشرة ايام استسلمت المدينة للفرنج فدخلوها دخول الفاتحين. وقد سمح قادة الحملة بسلب المدينة ونهبها وهي التي ظلت لقرون عديدة محل حسد مسيحيي اوروبا ومثار شعور بالدونية أمام عظمتها وحضارتها. ومن المعروف أن القسطنطينية واحدة من أهم المركز التجارية والحضارية التي عرفها العالم المتوسطي في القرون الوسطى. فقد انتهت الى هذه المدينة خطوط التجارة الدولية القادمة من الصين والهند وفارس وأفريقيا والبلاد العربية. ومنها كانت تحصل أوروربا على ما تحتاجه من سلع الشرق النفيسة. وقد مكنها ذلك من أن تكدس ثروات لم تتوفر لعاصمة اخرى سواها باستثناء بغداد. وتنبع أهمية القسطنطينية من الدور الحضاري الذي لعبته. فمن المعروف أن قربها من اليونان جعل منها مستودعاً لكثير من مخطوطات علمائها وفلاسفتها. كما أن قربها من المراكز الفارسية جعلها على تماس مع الثقافات الساسانية والزرادشتية والشرقية القديمة. واتصالها بالأديرة المسيحية في انطاكية والرها وتبعية الكثير منها لها جعل منها بمثابة بيئة حاضنة  لثقافات الشرق والغرب على حد سواء. ولا ننسى التواصل الذي حققته مع الثقافة العربية والاسلامية. فالخليفة المأمون أوفد التراجمة والتجار لشراء المخطوطات منها. و قبله في العصر الأموي أوفدت القسطنطينية المعماريين والمهندسين وحتى أحجار البناء الى عبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك لتوسيع مسجد الرسول في المدينة وبناء مسجد قبة الصخرة في القدس ... من خلال ذلك لنا أن نتصور أهمية الدور الحضاري الذي لعبته هذه المدينة في مداها المتوسطي والشرقي والغربي على حد سواء. 
   وخلال ثلاث أيام عاث الصليبيون والبنادقة في المدينة يغتصبون ويقتلون ويسبون، فتناثرت الجثث ، جثث النساء والأطفال في الحارات والشوارع والساحات. وأُغتصبت الراهبات في الأديرة ونُزعت الكنوز من الكنائس والقصور . حتى أن المؤرخ  جيوفري فيلهاردوين يقول " منذ بدء الخليقة لم يحدث قط أن خرج هذا القدر من الغنائم والأسلاب من مدينة واحدة ، وإنه من المستحيل أن يقدر أحد على عد أكوام الذهب والفضة والجواهر أو رزم النفائس". لقد تم اذلال الروم الأرثوذكس وسحقهم. وبدا البابا إينوسنت الثالث الذي كان مستاء لبعض الوقت عندما علم بنهب المدينة، مسروراً بما آلت اليه الحملة باعتبارها ستسرع من اهتداء والتحاق الروم بعد قرون العداء المتبادل بين الكنيستين الشرقية والغربية . والمفارقة المعبرة في هذه الحملة أن مندوب البابا أحل الصليبيين الغُزاة من نذرهم بالسير الى الأراضي المقدسة. وقد فضلوا عليها الأراضي البيزنطية الجديدة التي بدأوا تقسيمها الى اقطاعات على النمط الأوروبي . هذه الاستباحة والإذلال سيضاعف من العداوات بين الكنيستين والشعبين الى العام 1261 ميلادية حيث سيتمكن الروم من دحر الفرنجة، ولكنه النصر الذي سيترك جراحاً مميتة على بيزنطة. حتى أن عدداً من المؤرخين سيصفون سقوطها على يد الأتراك العثمانيين بأنه في جانب منه نتيجة لهذا الإجتياح الفرنجي الذي لم تستطع القسطنطينية أن تبرأ منه.   
أما الحملة السادسة التي قادها الامبراطور فردريك فقد نجحت دون حرب تقريباً في الحصول على القدس في العام 626 هجرية / 1228 ميلادية بفعل الصراع المندلع بين الملك الكامل ومنافسيه على الحكم من الأيوبيين. وقد اكتفى الكامل بتخريب أسوار المدينة وعقد هدنة لمدة عشر سنوات ، علماً أن المسلمين عادوا وانتزعوا القدس من الصليبيين في العام 1243 ميلادية . في هذا الوقت كانت الحركة الصليبية في جذورها الأوروبية تتراجع رغم استمرارها عبر حملات الملك الفرنسي لويس التاسع الملقب بالقديس والتي توجهت الثلاثة الأخيرة منها نحو مصر . أما الدولة الأيوبية فقد أخذت بالتلاشي بعد قيام صلاح الدين بتقسيم مملكته بين أولاده . وهو ما أدى الى خلافات وصراعات متنوعة . ورغم ذلك فقد استطاع الملك الصالح أن يتصدى للحملة الفرنسية بقيادة الملك لويس التاسع الذي تلقى هزيمة قاسية في فارسكور بين المنصورة ودمياط في طريقه نحو القاهرة ، ووقع بنفسه في قيود الأسر . وبعدها أمكن الوصول الى معاهدة نصت على جلاء الفرنجة الباقين على قيد الحياة ، ودفع غرامة كبيرة مقابل اطلاق الملك والأسرى من الفرسان.  على أي حال فان القضاء الكامل على المواقع الصليبية وممالكهم في بلاد الشام سيتحقق تباعاً . ولكن هذا الإنجاز سيكون نتيجة الجهد الذي بذله المماليك انطلاقاً من موقعهم في مصر. لكن الإنجاز الأكبر للمماليك كان هو النجاح في كسر عاصفة الغزو المغولي العاتية للمنطقة.
المغول : السيل الجارف
    يمت المغول أو التتار بصلة عرقية الى قبائل الهون والترك الذين ظهروا في الجهات الشمالية من الصين. وكان موطنهم في بلاد منغوليا وسط آسيا بالتحديد، وبدء ظهورهم الكبير حدث في القرن الثاني عشر . وقد اختلفت تسميتهم مع العصور، لكنهم تسموا كما أسلفنا بلقب المغول أو المرسلون من السماء تحت قيادة حاكمهم ايموجين أو ايموشين. وذاعت هذه التسمية في كل من بلاد الصين والهند . وقد تم اعتماد هذه التسمية مع ظهور جنكيز خان كمؤسس فعلي لهذه العائلة. وهو الذي جعل من تلك القبائل الرعوية جيشا منظماً قادراً على اكتساح الدول والممالك التي تعترض سبيل تقدمه. ويعتبر توجه المغول غربا نحو البلاد والدول الاسلامية من أبرز الأحداث التي عرفها القرن الثالث عشر الميلادي. ولم يشعر العرب بإقتراب خطر الا بعد ربع قرن فقط من اندلاعه. فقد اندفع جنكيز خان أولاً الى حشد مختلف القبائل التركية والمغولية في آسيا الوسطى تحت لوائه قبل اندفاعه في غزو العالم . وكان ذلك في اتجاهات : الشرق حيث تم اخضاع الامبراطورية الصينية ثم ضمها، الشمال الغربي حيث جرى تخريب روسيا وأوروبا الشرقية ، الغرب حيث اُجتيحت بلاد فارس. وكان جنكيز خان يقول : ينبغي هدم جميع المدن يحيث يصبح العالم باسره سُهباً واسعاً ترضع فيه الأمهات أطفالاً أحراراً وسعداء. والحق أن مدنا مهمة مثل بخارى وسمرقند وهراة دمرت واُبيد سكانها.  واذا اُضيف ذلك الى الحروب الصليبية بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، لنا أن نتصور مدى التهديد الوجودي الذي عانت منه تلك المنطقة مما لم تعرف له مثيلاً قبلاً. اذ عاشت في غضون تلك المرحلة بين نارين: نار قادمة من الشمال الأوروبي وأخرى آتية من الشرق الآسيوي.
    ويختلف المغول عن الصليبين في أنهم اندفعوا كما السيل الهادر، خلاف الفرنجة الذين تلاحقت حملاتهم على المنطقة كما المد بشكل متتابع . لكن المغول لم يصطدموا بداية بالخلافة العباسية بل بالدويلات التي نشأت في اطرافها وعلى حساب سلطتها . ومن هذه الدول الدولة السلجوقية ذات الأصول التركية -الآسيوية . وكانت هذه الدولة قد تعرضت الى ما تعرض له سواها من تشرذم وتفكك مما أوهن من قوتها. وقد أفاد من هذا الوضع الخوارزميون الذين عملوا على توسيع نفوذهم على حسابها . ويقال أنه كان للخلافة العباسية دور في استجلاب القوة الخوارزمية الناشئة للقضاء على السلاجقة المتمردين على سلطانها الشرعي . لكن الخوارزميين بقيادة خوارزم شاه عززوا من دورهم في مقر الخلافة نفسه ، حتى أن خليفة خوارزم شاه ابنه قطب الدين طلب من الخليفة أن تتم الخطبة له في بغداد بدل السلاجقة . ومع رفض الخليفة لهذا الطلب، أسقط قطب اسم الخليفة من على منابر بلاده . وربما يكون قد ادى ازدياد العداء بين الخليفة العباسي وخوارزم وقطب الى اتباع الأول العادة التي درج عليها الخلفاء العباسيون بالاستنجاد بالتتار أو المغول . وكان هدفه منها أن تكون هذه الخطوة كفيلة باشغال الخوارزميين في صراعهم مع التتار. بدل أن "ينكدوا" على الخليفة صلاحياته التي عادت الى الحضور مع ضعف السلاجقة . وبذلك يحمي ما تبقى له من نفوذ في عاصمة الخلافة بعد أن أفاد من مدى تفكك وتنازع الدولة السلجوقية وقياداتها.
   ومع أن عدداً من المؤرخين يؤكدون أن قيام التتار بغزو بلاد خوارزم مرده اقدام خوارزم شاه على قتل رُسل جنكيز خان ومصادرة اموال تجار من الغول . ينفي ذلك آخرون جملة وتفصيلاً ويؤكدون على استقبالهم بالترحيب وحُسن وفادتهم . أما الغزو فمرده  اطماع المغول في تلك البلاد بعد أن عرفوا مدى ما تتمتع به من ثروات من التجار الذين كانوا يترددون بين البلدين . أياً تكن الوقائع ، فان مما لاشك فيه أن التتار كانوا يملكون قوة فائضة يبحثون عن تصريفها في المناطق المحيطة بهم . وهكذا بدأت غاراتهم وعمليات اكتساحهم لبخارى وسمرقند وبلاد ما وراء النهر ونيسابور والري وهمذان واذربيجان وجرجان وأرمينيا...وبذلك يكونون قد قضوا على دولة خوارزم وامتدت فتوحاتهم عملياً الى مناطق جديدة . مقابل ذلك كان الخليفة العباسي المستعصم بالله  في بغداد ورغم بلوغه الأنباء عن التوسع المغولي وما يرافقه من مجازر وعمليات حرق وتدمير للمدن والقرى، غافلاً عن اتخاذ ما يلزم من الاستعدادات اللازمة لدرء خطرهم . ولعل مصدر الإطمئنان ومرده ينبع من تلك المقولة الرائجة لدى العباسيين وفقهائهم في العصور الوسطى حول الحماية الآلهية لبغداد والخلافة من أي شر يتهددها. واستمرار الحكم العباسي فيها محاطاً بالعناية الآلهية حتى يوم القيامة.
     اذن بات المغول في المنطقة الاسلامية. لكنهم لم يصلوا بعد الى قلبها العربي حيث مقر الخلافة. وكان عليهم لاجتياز هذه التخوم، التخلص من الاسماعيليين الموصوفين في بعض المصادر بالحشاشين. وقد استطاع هؤلاء الصمود في قلاعهم الحصينة في الجبال لبعض الوقت . وكان هؤلاء كما عُرف عنهم قد برعوا في أعمال الاغتيال التي تتولاها فرق متخصصة منهم وتستهدف مناوئيهم من الزعامات. وينسب البعض الى عدد من العلماء المسلمين تحريض المغول على استئصالهم. باعتبار أن الاسماعيليين هم من الملاحدة الخارجين على الدين الاسلامي. ولكن لم يكن المغول وقائدهم هولاكو بحاجة الى مثل هذا التحريض للقضاء على قلاع ومناطق نفوذ الاسماعيليين . مستعيناً على ذلك بالملوك والسلاطين في الأراضي الإيرانية وغيرها الذين ساهموا بما لديهم من الجيوش والمقدرات في دعم الحملة التي انتهت بتحطيم قلاع الاسماعيليين. وكان الاسماعيليون قد عمدوا الى الامساك بمناطق سيطرتهم من خلال شبكة من القلاع بلغ عددها قرابة المائة قلعة. هذا التقدم المغولي هو ما فتح الطريق نحو بغداد نفسها.  
    هناك الكثير من المعطيات حول الفترة الفاصلة بين القضاء على هذه الفرقة واجتياح بغداد . ورغم كثرة الأقوال فان أهم ما يتبقى من تلك الروايات هو أن الخليفة العباسي لم يُحسن من جانبه قيادة التعامل سياسياً وعسكريا استعداداً للمواجهة المفروضة . هناك العديد من المراسلات التي تمت بين كل من هولاكو والخليفة العباسي المستعصم. ونتيجتها كانت رفض الخليفة تقديم نفسه وانضواء ملكه في اطار دولة المغول. أكثر من ذلك قرن رفضه هذا، بتهديدهم بالقتال. مما دفعهم الى ترك همذان والتوجه نحو العراق عموماً وبغداد خصوصاً. وكان ذلك في نهاية العام 655 هجرية 1257 ميلادية . الملفت الذي تشير اليه العديد من الروايات هو مرافقة العديد من أمراء المسلمين للقوة المغولية في زحفها نحو عاصمة الخلافة. وفي العام 656 هجرية 1258 ميلادية كانت بغداد تعيش تحت وطأة الحصار المغولي . القتال الذي نشب بين القوتين في غضون حوالى الأسبوعين من الحصار لم يكن متكافئاً. ونجح المغول في اقتحام باب من أبواب بغداد. وكان كما تذكر الروايات أن ذلك الباب كان في  أقصر أبواب السور الذي يحمي المدينة . أعقب هذا الاقتحام مقتلة لم تعرف لها المدن مثيلا عندما ذهبت سيوف المغول بالقسم الأكبر من سكان بغداد دون رحمة لطفل أو شيخ أو امرأة . والعدد الفعلي للمذبحة غير معروف، وإن كان الرقم المتداول يصل الى مئة ألف ويفوقها في بعض الروايات. ورافق ذلك طبعاً عمليات تمثيل واغتصاب ونهب. هذا قبل اضرام النيران في ما تبقى منها سالماً فتدمرت المساجد و ضريح الإمام موسى الكاظم ومقابر الخلفاء في الرصافة وهُدمت القصور وأُحرقت المكتبات والمنازل والأحياء. وهكذا باتت تلك المدينة الزاخرة أثراً بعد عين.
   من جانبه استقر هولاكو في قصر المأمونية وفيه اتخذ قراره بشأن الخليفة الذي أُسر وأُودع مع أسرته في معسكر لقواته . وكان قراره قتل الخليفة المستعصم وأولاده . وبذلك سقطت الخلافة العباسية بعد حوالى خمسة قرون من قيامها . المسلمون الذين بلغتهم أنباء ما حدث في بغداد اعتبروا أن ما حدث هو من علائم نهاية العالم وقيام الساعة . اذ أنهم لم يتصوروا استمرار العالم من دون خلافة ، كما أنهم لم يتصوروا العالم دون دور بغداد كمركز ديني - سياسي للإسلام والعالم الوسيط برمته. حال الهلع هذه تفتح باب البحث عن القوة الاسلامية التي تستطيع الرد على هذا التحدي النوعي. ولنا أن نتذكر هنا أن القوات الصليبية ورغم تقليم أظافرها من جانب صلاح الدين وخلفائه الأيوبيين، كانت ما زالت بدورها تعيث في المنطقة طولاً وعرضاً. وإن كانت قد تعرضت لسلسلة من الهزائم التي وضعت مشروعها أمام امتحان عسير.
   كان وقوف المغول عند حدود انتصارهم في بغداد مقتلة لهم دون السيطرة على كل من الشام ومصر . ونجحوا في غضون فترة قصيرة في السيطرة على بلاد الشام ولم يتبق أمامهم سوى مصر .
المماليك: عين جالوت وأخواتها
    أصاب الأيوبيون من المشروع الصليبي مقتلا في معركة حطين أولاً ثم في معركة فارسكور ثانياً. لكن الحملات المتلاحقة من وراء البحار أعادت ترميم ما تبقى من قوات صليبية، وإن عانت من انحسار وتآكل في فاعليتها . وعليه ظل الصليبيون يسيطرون على أجزاء ساحلية من بلاد الشام تحديداً . اذن كان التحدي الصليبي ما زال ماثلاً في بلاد الشام ومصر التي دخلت في الاستهداف هي الأخرى. ثم جاء التحدي الأخطر متمثلاً في الغزو المغولي، وما رافقه من فظاعات وجرائم طالت كلاً من العراق وبلاد الشام الداخلية . وكلاهما كرسا ما يشبه انهيار الروح المعنوية التي عرفها العرب والمسلمون في امتداد العصر الوسيط منذ انحسار حركة الفتوحات. وفي مثل هذا المناخ من الإحباط واليأس كانت المنطقة تبحث عن قوة جديدة تتولى الرد على التحديين الماثلين أمامها، والمهددين لحاضرها ومصيرها . خصوصاً وأن القوى السلجوقية والفاطمية والأيوبية ومعهم الخلافة العباسية إن لم تكن قد بادت، فما تبقى منها بات عاجزاً عن النهوض بمهام الجهاد الفاعل في مواجهة قوى متفوقة عدداً وتسليحاً. في مثل هذه الأوضاع نهض المماليك للقيام بالمهمة الخطيرة. فمن هم هؤلاء المماليك؟.
    ينتمي المماليك الى عدد من الأصول والأعراق. واذا كانت الخلافة العباسية قد تعرفت في مرحلة مبكرة على أجدادهم من أصول تركية في عهد المعتصم، فإن خلفاءه ساروا على نهجه في الاعتماد على قوة خارجية تابعة لسلطتهم وتدين بالولاء لهم . كان هذا هو المدخل ومعه تكرس نفوذهم السياسي في العراق وعاصمة الخلافة بغداد. وبعدها انتقل نفوذهم منها الى مصر . وكما بنى المعتصم سامراء قرب بغداد لهم، بنى أحمد بن طولون الأخشيدي لهم مدينة القطائع قرب القاهرة . أما المصادر التي رفدت المنطقة العربية والاسلامية بالمماليك فكانت الشعوب التركية بداية . لكن اتساع الظاهرة وزيادة الطلب من جانب الخلفاء والأمراء قاد التجار الى البحث عن مصادر اضافية لاستجلابها . فالى جانب الأصول التركية حضرت جموع من التركمان والروم والشركس والخوارزميين والقفقاز ومن السودان والنوبة وغيرهم . وكان يتم الحصول عليهم بالشراء من أسواق الرقيق البعيدة والقريبة أو الأسر في مناطق المعارك . لكن مع توقف الفتوحات، بات الشراء هو الأكثر شيوعاً.  وقد بلغت اعدادهم طوراً باتت فيه قوام القوات العسكرية النظامية على نحو شبه كامل . ولا سيما في غضون عصر الدولة الأيوبية حيث احتلوا المناصب العسكرية الرفيعة وشكلوا فرق النخبة الأساسية التي نجحت في اثبات فاعليتها في المعارك المفصلية . وينطبق الأمر على كل من معركتي حطين وفارسكور. ومما يجدر ذكره هنا أن كلمة مملوك لم تكن تعني ما يتبادر الى الذهن اليوم أو ما تعلنه اللغة من وقوع صاحبها في حيازة وملكية آخر. اذ أنه في غضون المراحل التي انتشرت فيها الدويلات، اصبح هؤلاء المماليك عملياً فئة حاكمة تملك بيدها القوية مقاليد الادارة العامة والحرب على حد سواء . وإن كان الحكام هؤلاء قد استخدموا مماليك آخرين لخدمتهم في البلاط أو الجيوش. ويعود هذا الترقي الذي بلغه الحكام الجدد هؤلاء ، الى التربية التي حصلوا عليها بعد جلبهم من مواطنهم . وتبدأ هذه طبعاً من قيام مؤسسات تعليمية بالمسؤولية عن اعدادهم وتأهيلهم . وخلالها يجب أن يحفظ المملوك أجزاء من القرآن الكريم ، وبعض العلوم الفقهية والشرعية والآداب وغيرها . والأهم في تربيتهم هو الجانب التدريبي الذي يبدأ مع سن البلوغ ويترقى تباعاً من مجرد التعرف على الأسلحة الى اجادة فنون القتال والفروسية وخطط الحروب وغيرها من مهارات . ومع هذا المستوى تصبح الطريق أمامهم مفتوحة نحو فرق النخبة ومنها الى إمرة الحروب وقيادة الفرق العسكرية. اذن كان العنصر المملوكي ومن قبله في وضع مماثل ، يحصل على تعليمين أحدهما ديني - نظري ، والآخر حربي - عملي. وبعد النجاح فيهما يصبح أمر ترقيه متاحاً، ما دام يملك الى جانب هذه المهارات الولاء لسيده وقائده.
    على أن هناك ملاحظة لا بد من ايرادها تتعلق ببيئة هؤلاء. والمعروف أن المماليك كانوا بداية عبارة عن فرق عسكرية معزولة عن المجتمع البغدادي أو القاهري أو الدمشقي، في مدن أو أحياء خاصتهم. لكنهم في غضون مسارات تطور الأوضاع، باتوا داخل النسيج الاجتماعي وجزءاً مكوناً له. ما داموا يقسمون مع سواهم الولاء لسيدهم ، ويدينون بالدين الاسلامي الذي لا يفصل بين الناس في أصولهم الاجتماعية والطبقية . هذا من حيث المبدأ ونظرياً . واذا توقفنا عند الأدوار الوظيفية المدنية والحربية التي شغلوها، يمكن لنا أن نؤكد أن هؤلاء المماليك، باتوا عبارة عن فئة حاكمة بالكامل. اذ صاروا يملكون الى جانب مواقعهم القتالية ووظائفهم الادارية الضياع والمزارع والحارات والتجارات، وإن كانت أصولهم البعيدة تضعهم في مرتبة السبي أو الرقيق.  
    نشأ المماليك الذين نهضوا الى مهمة الدفاع عن مصر والعالم الاسلامي في مواجهة المغول والصليبيين ضمن تشكيلات السلطة الأيوبية . وكان أيبك وهو اولهم  ضمن حرس الملك الصالح . وكان مقر هذه الفئة في جزيرة الروضة داخل نهر النيل. ومن هنا اشتهروا باسم المماليك البحرية، نسبة الى بحر النيل كما لا يزال المصريون يطلقون عليه . وبعد وفاة أيبك خلفه ابنه علي وكان الوصي عليه الأمير قطز . خلال تلك الفترة حصل بيبرس على ترقية. وكان بيبرس قد شارك في قتل توران شاه وفر الى سوريا، ولكنه عاد الى مصر مع تقلد قطز مقاليد الأمور وبات سلطاناً على مصر. وقد أوكله الأخير قيادة طلائع الجيوش التي وجهها الى فلسطين لقتال المغول، فانطلق بها من مصر مسرعاً باتجاه فلسطين . وتبعه قطز بوحدات اضافية من الجيش حيث التقى الطرفان عند عين جالوت في العام 1259 . وخلال المواجهة أنزل الجيش المملوكي بالمغول هزيمة لم يعرفوا مثيلاً قبلها . ومع أن المصادر العربية لا تتوقف كثيرا وطويلاً عند هذه المعركة ، الا أن بروكلمان وبيضون يعتبرانها المعركة التني نجحت في صد السيل المغولي الطامي. وجعلت من مدهم جزراً، وحجزت الاجتياح المغولي عن اكتساح المزيد من المدن وارتكاب المجازر ونشر الدمار والخراب .  
   والواقع أن هذه المعركة جرى التمهيد لها باستثارة أوسع تعبئة وحماس لدى الرأي العام في القاهرة . فقد مهد لها قطز بعقد اجتماعات متلاحقة لتدارس الموقف مع العلماء والفقهاء والتجار والأعيان. وبلغ من الحماس في هذه الأوساط أن العلماء والفقهاء عملوا على بث الروح الجهادية وسط الناس. أما التجار فتولوا  تمويل المعركة من أموالهم الخاصة. وتأثر العامة من الناس بهذه المناخات الجهادية وانضووا ضمن اطار مسيرة المواجهة.
    ومعركة عين جالوت تعتبر واحدة من أخطر المعارك التي لم تلق الاهتمام الذي تستحق من جانب المؤرخين العرب. اذ أن هزيمة مصر لو حدثت لتغير وجه المنطقة بأسره. وللحقت القاهرة ببغداد لجهة الدمار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعمراني. ولترك هذا الوضع بصماته على شخصية المنطقة العربية من الناحية الحضارية. ويتأكد مثل هذا الخطر اذا عدنا للتذكر أن المنطقة العربية في حينه وقعت بين المطرقة المغولية والسندان الفرنجي -الصليبي. وعليه يمكن القول أن هذا النصر غير المسبوق الذي أحرزه المماليك كان بمثابة بارقة أمل للعرب والمسلمين الذين ذاقوا الهوان طويلاً. وفي الجانب الآخر صدمة مفاجئة للتتار، في ضوء الخسائر البشرية التي منوا بها. اذ سقط الى جانب جنودهم الصرعى، معظم قادتهم قتلى خلال المواجهة، بمن فيهم كتبغا قائد العساكر المغولية . وبعد هذه النتائج الحاسمة للمعركة تقدم قطز بقواته فدخل دمشق وسط التهليل والترحيب من سكانها . أما قواته فقد انتشرت تطارد الفلول المغولية وتحرر المدن الرئيسية ومن بينها حلب التي تمت استعادتها على يد القائد بيبرس . والهزيمة المغولية دفعت بهم الى التقارب مع الفرنجة - الصليبيين ضد قوة المماليك الصاعدة بقيادة بيبرس بعد أن تخلص من قطز الذي رفض تسليمه نيابة حلب مع أنه شريكه في تحقيق النصر . وبلغت رسلهم عاصمة الكثلكة نفسها في روما.  
    على أن ما يجب تسجيله أن معركة عين جالوت لم تكن الوحيدة في اطار المجابهة المملوكية المغولية . ففي أعقاب وفاة هولاكو تسلم ابنه ابغا مسؤولية هذه الجبهة . وسار الإبن على نهج ابيه في العمل على التوسع نحو الشام ومصر. كما أنه عزز من تعاطفه مع الفرنجة وحملاتهم باعتبار أن ما يجمعهما هو العدو المشترك . ولكن بيبرس اذ علم بحشود مغولية تتجمع وراء الفرات هاجمها وشتتها قبل أن تنطلق في عملية الهجوم . وفي أعقاب هذه المعركة عرض ابغا على بيبرس الصلح تبعا لشروطه، وكأنه في موقع المنتصر. وهو ما لم يكن واردا في حسابات القائد المملوكي . ومما عزز من موقف بيبرس هو هزيمة قوة مغولية على يد صاحب حماه . ومقابل مشروع التحالف المغولي - الصليبي عمل بيبرس على تحييد الأخيرين عن المعركة المفصلية التي تدور مع القوات المغولية . وتحقيقاً لهذا التحييد توقف عن شن المعارك ضد مواقعهم. ثم توج تلك السياسة بعقد اتفاق معهم عُرف بهدنة عكا. أمام التدهور في السمعة القتالية للمغول حاولوا الحصول على نصر سريع من خلال تنظيم هجوم على حصن حارم . الا أنهم ما لبثوا أن تراجعوا عنه بعد أن سمعوا عن توجه قوات مملوكية كثيفة للقائهم . ومع هذه الهزيمة الإضافية عاد ابغا يعرض السلم و بشروطه ثانية . وهنا اشترط عليه بيبرس للموافقة تخليه عن كل الأراضي التي سيطر عليها المغول. وهو ما لم يكن وارداً لدى القائد المغولي. اذ يعني ذلك، ذهاب كل الجهود التي بذلها اسلافه سدى والمكاسب التي انتزعوها بسيوفهم. من هنا اتجه ابغا نحو الاستعانة بسلاجقة الروم من أجل شن حرب جديدة على الشام التي باتت موقع الصدام الأول وحصن المواجهة الأساس. لكن بيبرس الذي كان يتابع هذه الاتصالات نقل الجبهة نحو الشمال ونجح في معركة ابلستين في العام 675 هجرية /1277 ميلادية في انزال هزيمة ساحقة بالقائد المغولي . وتقدم فدخل الى عاصمة السلاجقة في قيصرية . وقد رسخت هذه المعركة من هيبة المماليك أمام المغول وثبتت حدود بلاد الشام الشمالية .
    وبعد وفاة بيبرس تسنم المسؤولية قلاوون بوصفه وصيا على العرشن ثم لم يلبث أن تولى الحكم مباشرة . وخلالها قام المغول بمحاولة هجوم على حلب لكن حظ هذه المحاولة اقتصر على انسحابهم من الميدان قبل الإشتباك، وبالتالي الفرار والنجاة بأرواحهم . بعدها كثف المغول من اتصالاتهم مع الصليبيين على أمل تشكيل جبهة مشتركة . لكن الموقف الفرنجي - الصليبيي لم يكن جاهزاً لقبول مثل هذه الخطوة. وعلى جبهة المغول وصل الملك المنصور قلاوون الى دمشق بعد تجديد هدنة عكا. في هذا الوقت كان المغول قد أعدوا حملة جديدة استهدفت الشام ايضاً. وأمام مثل هذا الوضع استقدم قلاوون قوات اضافية من مصر . بينما زحفت القوات المغولية بقيادة الإبن الآخر لهولاكو منكوتمر. والتقى الجمعان في محلة عينتاب في منطقة حمص حيث دارت رحى معركة طاحنة ، رجحت في بدايتها كفة المغول. الا ان الاستبسال والاندفاع المصري- الشامي الى الجهاد نجح في انتزاع النصر . ولم يعد أمام المغول سوى الانسحاب باتجاه العراق . ومع ان الخطر الفعلي قد زال عن الشام الا أنهم ظلوا في مواقعهم العراقية عنصر تهديد . وقد قاموا بالتوغل عام 699 هجرية /1299 ميلادية في السلمية في منطقة حماه . ثم تقدموا باتجاه دمشق ولكن حاميتها صمدت في القلعة حتى حضور قوة رأسها السلطان الناصر محمد الذي تولى الحكم بعد وفاة أبيه قلاوون مسبوقة بكبار القادة . وفي مرج راهط أنزل الممماليك مجددا بالمغول هزيمة قاسية أرغمتهم على الانسحاب من الشام . بعدها نجد تحولات في الموقف المغولي بعد موت كل من ابغا ومنكوتمر تعلن انهيار المشروع التوسعي المغولي. وبروز ما يمكن أن يسمى حال التفاعل المغولية مع البيئة المحيطة ومناخها العقائدي والفكري. اذ نجد بداية تحولاً لدى تكودار سلطان المغول الى المسيحية على المذهب النسطوري ، ثم لم يلبث أن غادره ليشهر اسلامه .. ثم ما لبثت الاوضاع في العمق الآسيوي أن أعادت جذبهم اليها. بعد ثبوت فشل محاولات عقد تحالف مع البابوية لتنظيم حملة مشتركة لم تبد القوى الأوروبية قادرة أو مستعدة لها رغم تواتر البعثات وتبادلها بين كل من الكنيسة والتتار . فقد راهنت الكنيسة على امكانية جذب هذه القبائل للديانة المسيحية وفضلت المراهنة على هذا الوهم للانتقام من عجزها عن اختراق المنطقة واخضاعها. وبعد سنوات انضوى مغول فارس في الاسلام ثم ما لبث هذا السيل ان غاض في تراب المنطقة وبين ناسها وضمن عقائدها. اذن تبدد الخطر المغولي . وقد بلغ من انحلال هذه القوة أن عادت مجرد مجموعات قبلية تفتقد القيادة الدينامية التي تجمع شملها وتوجه سيرها نحو اكتساح هذه المنطقة وتدمير تلك المدينة ونهبها واحراقها.
تحرير الأرض المقدسة
جذبت المواجهة مع المغول القوى المملوكية اليها باعتبارها الخطر الأكبر . وقدم المماليك ما يشبه التنازلات في غضونها للقوى الفرنجية – الصليبية للتفرغ للمواجهة الأهم. لكن المماليك وفي غضون انتصاراتهم لم يتجاهلوا استمرار الخطر المتحفز للانطلاق حينما تواتيه الظروف الأوروبية عبر المزيد من الحشود والمقاتلين. والحقيقة أن الفرنجة لم يقفوا في غضون مسلسل الاشتباك على الحياد بين الفريقين المشتبكين. فقد عملوا في بعض مناطق سيطرتهم على الإنضواء في التحالف المغولي - الأرمني انطلاقا من موقعهم في انطاكية . مع ذلك ظلت جبهة القتال مع الفرنجة هامدة أو شبه هامدة . أما المواجهات التي شهدتها عكا قبل الهدنة وارمينية، فلم تتعد العمليات التحذيرية من مغبة التنسيق مع المغول. وهو ما نجح فيه بيبرس باعتباره ادى الى سيادة المهادنة في علاقات الطرفين . وقد أفاد بيبرس من هذا الوضع وأنزل بالصليبيين الفرنجة هزيمة فعلية عندما سيطر على انطاكية التي ظلت في ايديهم قرابة 170 عاماً. وهي خطوة أدت الى خسارتهم إمارتهم الثانية الرُها، مما يعني انحسار نفوذهم واختلال سيطرتهم في بلاد الشام نفسها. لكن تلك المعركة ورغم أهميتها وكونها بداية حرب تحرير المنطقة من النفوذ الفرنجي، لم تطلق اشارة الشروع في تنفيذ المشروع المملوكي. حدث هذا بالنظر الى استمرار الخطر المغولي جاثماً على المنطقة. والملفت في اداء بيبرس أنه كان في لحظات الهدوء على الجبهة المغولية يعمل على تحريك جبهة المواجهة مع الفرنجة دون بلوغ حافة الحرب المفتوحة . وهو مخطط كان يقود الى تحسين مواقع جيشه وتعزيزها تباعاً. ويدخل في هذا الإطار محاولة احتلاله الفاشلة لجزيرة قبرص ، الموقع البحري المتقدم للأسطول . وكذلك حصاره لمدينة عكا الساحلية الذي تراجع عنه بعد بروز خطر المغول مجدداً.
ولم تكن وفاة بيبرس نهاية لهذه المعادلة العبقرية التي وضعها هذا القائد في القتال المتوازن والمتحرك بدينامية ملحوظة على جبهتي المغول والصليبيين - الفرنج على حد سواء . اذ أن مثل هذه الخطة تابعها المنصور قلاوون . وقد برز خلال عهده تراجع اندفاع حركة المغول بعد معركة حمص ، مما أفاد منه القائد المملوكي بإيلاء الاهتمام للجبهة مع  الفرنجة . ومع أن هذا الاهتمام عبر عن نفسه بإبرام اتفاق مع عكا أوقف بموجبه الصليبيون- الفرنج المعارك مع مناطق نفوذ المماليك، وامتنعوا عن بناء الأسوار وانذار السلطان بالتحركات الأوروبية مقابل السماح للحجاج بزيارة الأماكن المقدسة في القدس ومحيطها. المهم أن قلاوون أفاد من الصراعات التي كانت تدور بين القوى الصليبية - الفرنجية نفسها ، وسيطر على حصن المرقب، مما هدد النفوذ الصليبي الباقي في شمال بلاد الشام بأسرها. وفي أعقاب هذا الانتصار أمكن السيطرة على اللاذقية آخر موقع في امارة انطاكية فيما اصبحت طرابلس في دائرة الحصار . ثم ما لبثت أن سقطت إثر استنجاد أحد زعمائها بقلاوون نفسه في أعقاب وفاة حاكمها بوهمند السابع . ومع هذا الإنتصار بات الوجود الصليبي – الفرنجي منحصراً ساحلياً بكل من صيدا وصور وعكا. ومن المعروف أن الأخيرة من أقوى وأمنع المواقع بالنظر الى متانة أسوارها وموقعها البحري. وحصولها من الأساطيل على ما تحتاجه من أعتدة وأغذية لمواجهة حالات الحصار الطويلة . على أي حال لم يكتب لقلاوون تحقيق طموحه في استكمال الإطاحة بالبقايا الفرنجية في حياته. وتولى بعده هذه المهمة إبنه خليل الذي ما أن وصل الى سدة السلطة حتى انطلق من حيث انتهى أبوه في حصار المواقع الصليبية- الفرنجية في الشام رافضا طلب أصحابها تجديد هدنة عكا. ثم أتبع ذلك بحشد قواته ومعها الآت الحصار حول عكا التي دخلها بعد أسبوعين من القتال الضاري في العام 1291 ميلادية . وقد شهدت هذه المدينة مذبحة على يد المماليك بعد هرب الباقين من فرسانها، رداً على مذبحة الصليبيين - الفرنج فيها خلال عهد ابيه . ومع سقوط عكا إنهارت بقايا الجيوب المفككة في بلاد الشام. فقد تمت السيطرة في أعقابها على كل من صيدا وصور وغيرهما. وأرفق السلطان خليل هذه الانتصارات بتدمير القلاع الصليبية خوفاً من عودتهم ثانية اليها. ومع تحقق هذا الإنجاز تكون صفحة ما يسمى الحروب الصليبية قد طويت عملياً. هذا اللهم باستثناء استمرار قبرص حاضنة لبقايا قوة جرى استخدامها في الهجوم على الاسكندرية . وقد تولى علاج قاعدة قبرص المماليك البرجية (الشراكسة) نسبة الى أبراج القلعة التي أقاموا فيها. وقد آلت اليهم السلطة بعد اغتيال السلطان خليل فتولى السلطان برسباي مهمة التقدم الى قبرص واحتلالها. وبالتالي أزال من الوجود هذا الموقع المتقدم في البحر المتوسط وتلك القاعدة التي كان وجودها بمثابة تهديد بحري لسواحل مصر وبلاد الشام .    
    بالطبع بطي تلك الصفحة من تاريخ المنطقة وما تخللها من حملات متلاحقة ، كانت الأخيرة منها قد توجهت الى تونس، يكون الحوار المتوسطي بالسلاح والسيطرة قد تعرض لفشل مدوٍ . فقد دخلت تلك الحملات ارض المنطقة تحت عناوين سياسية واقتصادية وتجارية ودينية . لكنها بعد قرنين من الزمن خرجت منها وهي تجرجر أذيال هزيمة مشروعها في القضاء على "الكفار والوثنيين" والسيطرة على الأماكن المقدسة. فعلى المستوى السياسي لم يتم الحاق المنطقة العربية - الاسلامية بالمدى الأوروبي. ولم تتأسس بالتالي ممالك على أرضها على النمط الأوروبي الا لبعض الوقت ، مستفيدة من تفكك قوى المواجهة وتنازعها. وقد ثبتت هشاشة هذه الممالك وعجزها عن تأدية المهام الأصلية المناطة بها بما هي محاربة "الكفار" وتحرير بيت المقدس. وما حدث أن النظام الإقطاعي في أوروبا نفسها قد تفسخ بعد تلك الحروب على نحو جلي . فقد استدان الكثير من الاقطاعيين الأموال للمساهمة في الحملات. فكان أن خسر بعضهم اراضيهم بعد عجزهم عن سداد تلك الديون. وترافق ذلك بالطبع مع توسع المدن على حساب الأرياف . ومع تراجع قبضة الإقطاع على الأرض والفلاحين تعززت سلطة الملوك على رعاياهم. وكان ذلك بداية ظهور القوميات والوطنيات . وهذه النتائج دفعت ثمنها الكنيسة بدورها التي قادت عملية اطلاق تلك الحروب على أمل تعزيز مواقعها فكان أن حصدت الخيبة . إذ لم تتوحد الكنيستان الشرقية والغربية في كيان مسيحي واحد وتصاعد العداء بينهما خصوصا بعد استباحة القسطنطينية وتحريرها من قبضة الفرنج. وتعالت الانتقادات الى الباباوات ورجال الدين الذين سوقوا لخيار  الحرب على الاسلام والمسلمين.  وهو أمر بالغ الخطورة اذ سيمهد في مرحلة لاحقة الى قيام حركة الاصلاح الديني والإطاحة بوحدة الكنيسة الغربية نفسها وظهور البروتستانتية واندلاع حروب الإصلاح الديني . ولم يصبح البابوات هم قادة العملية السياسية في العالم الوسيط رغم تأثيرهم فيها . والأهم أنه لم يتم فرض المسيحية الغربية والإيمان على "الوثنيين" و "الكفار" من أهل البلاد بعد أن غلب على تلك الحرب التي أودت بحياة عشرات الألوف  المصالح الدنيوية.
   ما يمكن التطرق اليه على الصعيد الاجتماعي هو ظهور تأثيرات المنطقة على الدويلات والمجتمع الفرنجي . فقد أنزعج المبعوثون الذين اوفدهم البابا من تخلي الفرنجة عن هويتهم الثقافية الغربية . ويأخذ هؤلاء على الفرسان والحجَّاج أنهم باتوا يتشبهون بأهل البلاد الأصليين . ومما يسجله هؤلاء على النساء والرجال أنهم صاروا يترددون على الحمامات ثلاث مرات اسبوعياً، بينما يذهبون الى الكنيسة مرة واحدة في السنة . كما أنهم أصبحوا  يرتدون الأقمشة الناعمة والمخنثة . ولم يعد لهم من هم سوى إشباع شهواتهم وتمضية أوقاتهم في التبطل والكسل. والأنكى من ذلك كله أن الفرسان الفرنجة باتوا يقعون في غرام المسلمات، كما يشيرون في مراسلاتهم.
      أما على المستوى الإقتصادي فلم يتم الحاق اقتصاد المنطقة بالاقتصاد الأوروبي الضعيف والعاجز في ذلك الوقت. وقد افاد الأوروبيون مما وجدوه في الشرق من منتجات. فقد تعرفوا على الكثير من الفنون والأصناف الزراعية . فقد اكتشفوا زراعة قصب السكر كمصدر جديد للسكر لم يكن لهم علم به قبلاً . وكان القصب قد وصل الى بلاد الشام من الهند. وقد عُرفت زراعته في المدن الساحلية كطرابلس وغيرها. وقد نقلوه الى صقلية وايطاليا ومنها الى باقي أرجاء القارة الأوروبية. واخذ الفرنجة عن المدن الساحلية صناعة الزجاج والخزف والأواني المعدنية من البرونز والنحاس والمنسوجات الشامية. وكذلك تعرفوا على دودة القز وبالتالي على صناعة الحرير وصباغته وتزيينه وتوشيته بالذهب وغيره. أما على الصعيد التجاري فلم تتمكن كل من جنوى والبندقية وبيزا وغيرهما من المدن الساحلية الإيطالية والفرنسية من احتكار مياه البحر المتوسط وتجارته . وخلال القتال كان التجار يترددون على المدن في بلاد الشام و الاسكندرية ودمياط في مصر. ولم تضف تلك الحروب أي جديد على هذا النشاط . ومن المعروف أن التجارة كانت على قدم وساق بين الممالك المتصارعة إبان تلك الحروب وبين خطوطها وبموافقة أطرافها.
      وقد لاحظ ابن جبير في رحلته باستغراب انتقال التجار دونما اعتراض أو خوف بين المناطق التي يسيطر عليها الصليبيون – الفرنج والمسلمون يبيعون ويشترون من الطرفين بحرية كاملة. وكان التجار يترددون بين الاسكندرية وعكا وطرابلس وصور وصيدا وغيرها من مدن الساحل . كما أن التجارة لم تكن أقل نشاطاً منها في المناطق الداخلية . ولا شك أن تقاطر الحملات والأساطيل بين أوروبا والشرق حرك التبادلات التجارية رغم حال الحرب . اما على الصعيد الديني فلم تتم السيطرة على الأماكن المقدسة والطرق اليها الا لبعض الوقت وبكلفة عالية غالباً لدى الطرفين المتصارعين. وقد سجل الاسلام ثباتاً في مواقعه التاريخية بما فيها فلسطين. رغم الامتحان العسير الذي تعرض له بفعل تكامل الحملات الفرنجية مع الغزو المغولي. ولعل ما استخلصته بعض أوروبا بعد تلك الحروب وخلالها أن اسلوب التبشير أجدى من حشد الجيوش وحصار المدن وابادة سكانها واحتلالها وبناء القلاع ثم خسارتها. مما دفعها الى تعزيز اطلاق البعثات التبشيرية والارساليات منذ ذلك الوقت المبكر. وبدا أنه حتى ايفاد تلك البعثات متعذر نظراً للجهل بلغات هذه الشعوب وعدم معرفة ماهية الأديان والعقائد التي تعتنفها . والأهم أن لا أحد يملك حججاً مقنعة مؤسسة على المعرفة لدعوة غير المسيحيين الى الكاثوليكية. وبعدها ستنطلق محاولة تعرف على الإسلام ، لكنها ظلت محكومة بالنظرة اياها حتى القرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين حتى.  بالطبع ظل هناك من يحلم بعودة الى فروسية حروب الفرنجة وحملاتهم من خلال الاستمرار بتحريض الباباوات والملوك والأمراء على تجديدها باعتبارها العلاج الوحيد للخطر الاسلامي. وهو ما لم تعد أوروبا بمؤسساتها وفئاتها مقتنعة أو قادرة عليه. مما دعا الى التركيز على التبشير من خلال بعض الجماعات الكنسية الدينية.  وكانت النظرية الجاهزة لتحرك تلك البعثات هي التي تقول أن استرداد الأرض المقدسة لا يتطلب جنوداً وجيوشاً مدججة بالسلاح بل مبشرين ومرسلين مفعمين بالإيمان برسالة السيد المسيح . وهو السبيل الذي بدأت بواكيره في العصر الأيوبي وتصاعد في غضون القرون التالية حيث بلغ ذروته في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.  وعلى أي حال ما يمكن قوله في اطار الزعم بنشر العقيدة المسيحية بين "الكفار"، أن تلك الحروب كانت وبالاً على العديد من الطوائف مسيحية وغير مسيحية. فقد تعرض اقسام من الشيعة في مناطق كانوا يشكلون أكثريتها السكانية كالشمال والجنوب والبقاع والجبل اللبناني للانتقام والتهجير تحت ذريعة مساعدتهم أو عدم قتالهم للصليبيين . هذا مع العلم أن التعامل مع الصليبيين – الفرنجة وعقد الاتفاقات والاستنجاد بهم والعمل كأدلاء لجيوشهم وتقديم الهدايا لهم وغيرها كان امراً مألوفاً أيا كانت العقيدة الدينية للجماعات سواء أكانت سنية أو شيعية، مسيحية شرقية أو غربية. فمثلاً تحالف بعض الأمراء السلاجقة والفاطميين والإخشيديين والزنكيين والأيوبيين وبعض الحكام المسلمين المحليين مع الفرنجة ضد بعضهم بعضاً كما هو ثابت في الكثير من الوقائع التاريخية المؤكدة. وهم في ذلك لم يختلفوا عن الفرنجة الذين تحالف بعض حكامهم مع المسلمين ضد منافسيهم على السلطة والزعامة في ممالكهم المؤسسة . كما اشتهرت الصداقات والتزاور بين الحكام وحتى على مستوى الأفراد. وقد دفع الوجود المسيحي في المنطقة اثماناً فادحة على كل حال. فقد تناوشته سيوف الفرنجة أكثر من سواهم، سواء في القسطنطينية أو في المدن الفلسطينية. ناهيك بما تعرض له هذا الوجود من أعمال انتقامية جراء مستويات العنف العالية التي طبعت تاريخ المنطقة في تلك المرحلة . اذ مقابل سياسة الأرض المحروقة الفرنجية ، مارس المماليك سياسة مشابهة. مما جعل من المدن والقرى مجرد خرائب واطلال ينعق فيها البوم . أكثر من ذلك عاد منسوب التمييز الديني الى مستوياته العليا بعد حال التسامح التي كانت قد عرفتها واستقرت عليها المنطقة . فقد منع العديد من سلاطين المماليك المسيحيين من دق اجراس كنائسهم وركوب الخيل . وأجبروهم على ارتداء ملابس مخصوصة بالوانها تميزهم عن سواهم من السكان المسلمين. كما حرموا عليهم اشغال الوظائف العامة وغيرها . وقد تعرض الوجود اليهودي في أوروبا الى موجات من اللاسامية ادت الى اجتثاثه من الكثير من المدن والدول. اذ أن كل حملة من الحملات الصليبية كانت مسبوقة بهجوم على الأحياء اليهودية وابادة من فيها. وقد قرن الفرنج اذ ذاك بين الاسلام واليهودية والمسلمين واليهود. وكان شعارهم المعلن دوما أنه قبل أن نذهب لنقاتل "الكفار" في بلادهم البعيدة، علينا أن نتخلص من قَتَلة السيد المسيح بيننا. وستكون هذه الموجات من القتل والقمع والاستباحة في أساس قيام المشروع الصهيوني لاحقاً على أرض فلسطين. 
    ما يمكن الخروج به خلاصة، أن اوروبا التي اطلقت هذه الموجة العاتية من الحروب رداً على خطر الاسلام والمسلمين تبين أن كل معلوماتها عن المنطقة  مصدرها العهدان القديم والجديد . وانطلاقا من ذلك ربطوا بين الدين الإسلامي ورسوله وانتشاره وبين القيامة والدينونة مع نهاية الكون . كما ثبت أنهم لا يعرفون شيئا عن الاسلام بوصفه دينا غير المسيحية . لقد كان الاسلام بالنسبة لهم ليس سوى رقماً في قائمة الأعداء الذين يتهددون المسيحية واوروبا . وعليه لم يكونوا اذ ذاك قادرين على التمييز بين التوحيد الاسلامي والوثنية. كما لم يكن لديهم أي معرفة بالقرآن والعقائد الاسلامية . كان المسلمون بالنسبة لهم هم السرازانيين. وهي أحدى السلالات القديمة التي وردت في العهد القديم . أمام الفشل سينطلق في أوروبا تيار يدعو الى التعرف على الاسلام وديانته ونبيه . وهو تيار قابله تيار آخر مضاد أصر على تلك الرؤية التي كانت في أساس هذا الفصل الدامي . إن اوروبا بعد تلك الحروب دخلت في مجرى لا يتلخص بفهم الاسلام، بل بفهم العالم وموقع وحجم المسيحية فيه . فقد ولى الزمن الذي كانت فيه أوروبا تعتبر نفسها المركز الحضاري والجغرافي للكون والعالم . ولم يعد الكاثوليك هم البشر الوحيدون على الأرض، أما سواهم فليسوا أكثر من كفار وبرابرة .
 
الحضارة وسط دخان الحروب
  
ما زالت الكثير من المعالم المادية والفكرية لهذه المرحلة، رغم ما تخللها من حروب وخرائب، ماثلة في الكثير من النصوص والمدن في بلاد الشام ومصر وغيرهما. لقد خلف لنا أدباء ومفكرو وعلماء تلك المرحلة الكثير الكثير مما يندرج تحت عنوان مصادر الأدب والعلم. أما تلك الشعوب التي تناوبت على السلطة فقد تركت لنا تراثاً عمرانياً غنياً قوامه المساجد والكنائس والأسواق والمباني والقلاع والأدوات اليومية والأسلحة خلال عمرها السياسي. وما زالت الى الآن الكثير من القلاع الصليبية- الفرنجية شامخة في أحياء المدن وعلى منحدرات الجبال تتحدى بحجارتها الأيام وتبدل الأوضاع والمناخات وحتى الحروب . وكل هذا يعقد مهمة الباحث في عملية الربط بين السياسة والحضارة على مدار زمني يتجاوز الأربعة قرون من الزمن . تتداخل في نسيجه قوى وجماعات تمتد من حفافي الصين شرقاً حتى الغرب والجنوب والشمال الأوروبي . كيف يمكن لعجالة على هذا المستوى من الاختصار القيام بمهمة الجمع بين حضارات المغول في منطلقاتهم الأصلية من بلادهم الرعوية ، وتأثيرهم وتأثرهم بمخزون ثقافي وحضاري خلال احتكاكهم الحربي مع مدن بلاد الهند و فارس وفي الشمال الغربي لآسيا وفي المنطقة العربية نفسها ، أي في العراق وبلاد الشام حيث وصلوا. ثم ماذا عن الفرنجة - الصليبيين القادمين من انكلترا والمانيا وفرنسا وايطاليا والمجر وغيرها وهم الذين حملوا معهم محصلات مجتمعاتهم. وعادوا الى بلادهم، ولديهم ذخيرة كبيرة مما شهدوه في غير ميادين القتال من مقومات عيش وسبل حياة... وكيف يمكن أن يعالج كل هذا التداخل الحضاري وما هي معالمه . ثم ماذا عن الإندلس والفاطميين والأيوبيين والمماليك و...؟. والى الآن مازالت الكثير من القصور والقلاع وأسواق المدن الكبرى من بقايا عصورهم . يصح ذلك على قصور غرناطة ومساجدها وحدائقها وأسواق القاهرة القديمة وطرابلس ودمشق وحلب و.. ثم ماذا عن حركة العلم والأدب والفلسفة في غضون تلك المفاصل ؟. وكيف حافظت المنطقة عبر لا مركزياتها على جذوة العلم والتجريب في ميادين الطب والجراحة والأدوية والعقاقير والفلك والكيمياء والجبر والتصوف والجدل وعلم الكلام والتاريخ والجغرافيا والشعر و... وكل هذا ما يستحيل الإحاطة بجزء يسير منه . ومن المعروف أن التفكك الذي أصاب الامبراطورية العباسية كان وبالاً في السياسة ، لكنه كان نعمة على الآداب والعلوم . فالسلالات التي تعاقبت على الحكم في هذه الناحية وتلك، عملت على تقديم رعاية للعلماء كانوا يحصلون على  مثلها في بغداد . أما الآن فقد باتت هناك قصور وأمراء يفتحون قصورهم ومكتباتهم أمام الأدباء والعلماء. ويقدمون لهم ما يحتاجون اليه من دعم مادي ومعنوي ضروري لإنعاش هذه الفنون . فخلال هذا العصر تم وضع أهم المصنفات في الأداب، ويكفي هنا الإشارة الى قصائد عمر الخيام بالفارسية . هذا اذا لم نتحدث عن كونه واحداً من أعظم رياضي عصره . الرباعيات التي أبدعها هذا الشاعر ما تزال محط دراسات وترجمات وتفسيرات في مختلف انحاء العالم . تفسيرات تذهب فيها من حدود التصوف الرباني الى الأحلام والعشق البشري الخالص. يمكن التحدث في مجال الشعر عن ابن الفارض الذي عبر هو الآخر عن التصوف بلغة جسدية حارة . وفي ايران ظهر اكبر شاعر غنائي هو حافظ الشيرازي، لكن الأتراك والأفغان ينسبونه اليهم أيضا . في مضمار العمارة عرفت هذه المناطق والمدن أرقى ما وصل اليه هذا الفن . فالكنائس والمساجد والمزارات المقدسة والقصور الباقية منذ تلك المرحلة في مدن الهند وايران والعراق ومصر وبلاد الشام واسبانيا ما زالت الى الآن عبارة عن تحف هندسية لا شبيه لها ولا مثيل . لقد قام فنانو هذه السلطات بتنفيذ ابنية غاية في الكمال الهندسي والزخرفي . والمفارق أن تلك السلطات التي اندفعت الى هذا الحد أو ذاك في تيار الحروب والصراعات تمكنت من ترك هذه المأثورات التي ما تزال الى الآن تترك الإنطباع أن عصورهم هي من أغنى وأزهى العصور بما خلفته للإنسان من معالم . أما في مجال الفلسفة فبعد الفكر المعتزلي وما أتى به الكندي والأشعري وأخوان الصفا، وما عرفته تلك المرحلة المتقدمة من جدل وحيوية فكرية نصل الى واحد من المع الأسماء وأشهرها بموسوعيته ونقصد به ابن سينا . وهو لم يكن الأول فقط في مجال الطب بما تركه من مؤلفات في هذا الباب، بل كان واحدا من الفلاسفة الكبار الذين خاضوا في الأسئلة الكبرى التي شغلت تلك العصور . والملفت أن هذا المعلم والاستاذ قد شغل بما جاء به كل من العالمين الاسلامي والغربي على حد سواء ولقرون طويلة . وفي اسبانيا ظهر ابن رشد وهو الأكبر بين مثقفي تلك البلاد . وكما ابن سينا كان ابن رشد طبيباً وفيلسوفاً وفقيهاً اشتغل بالقضاء والإفتاء، رغم احراق بعض كتبه في الاندلس . ثم هناك الغزالي وما أنجزه في محاولته احياء الدين وعلومه. وقد عارض ابن رشد فلسفة الغزالي، مؤكداً على حرية الفيلسوف والفلسفة في البحث عن الحق والحقيقة . دون مزيد من الإطالة يمكن القول أن هذه المرحلة التي شهدت أقسى الظروف التي مرت على المنطقة العربية والاسلامية عرفت تواصلا علمياً وأدبياً في الحياة المعرفية . واذا كان ما أوردناه سابقا هو عبارة عن ومضات سريعة، فاننا سنتوقف عند احد ابرز والمع مثقفي العرب والمسلمين في العصور الوسطى قاطبة هو العلامة عبد الرحمن ابن خلدون .
 
المقدمة : البداوة والحضارة
 
    عاش ابن خلدون (1332 – 1406) في مرحلة تميزت باضطراب سياسي حاد ، كاد يودي بحياته أكثر من مرة. وهي مرحلة ينبغي أن تُعطف على ما سبقها وتناولناه لجهة مضاعفات الحروب الفرنجية والإجتياح المغولي على توازن المنطقة من الناحية الاستراتيجية. ففي عصره بلغ التفكك مداه في كل من الاندلس والمغرب . ووسط هذا التفكك نشأت امارات متناسلة من بعضها البعض. وطبيعي أن يقود مثل هذا الوضع الى نزاعات وعمليات عنف لانتزاع السلطة أوالحفاظ عليها، على حد سواء . ولد عبد الرحمن في تونس لأسرة ذات جذور عربية قديمة تنتسب اساساً الى قبيلة كندة الشهيرة . وكان البيت الذي عاش فيه بيت علم ، وتوارث افراد منه العمل في القضاء . وحصل على علومه من والده وكبار علماء المرحلة . ومع أنه كان من كبار المتبحرين في الفقه على المذهب المالكي، الا أنه لم يزاول القضاء. فبالنظر الى تفوقه في الكتابة اشتغل بداية كاتباً في بلاط ابي اسحاق الحفصي في تونس . ولما كان ابن خلدون مولعاً بالسياسة ويحاول لعب دور في مساراتها، فقد خاض في غمارها ضمن مناخ من الصراعات والمؤامرات والتنازع . وجراء هذا الشغف تم القاء القبض عليه، وأُودع السجن اكثر من مرة، وتعرض لخطر الموت وكاد يفقد حياته. وقد ارتبط اسمه بالقلاقل والفوضى والمؤمرات. وبات الأمراء تبعاً لذلك لا يطيقون مجرد وجوده على اراضيهم . ولم يُكتب لواحدة من تجاربه ومحاولاته السياسية النجاح.. وعندما أدرك أنه فشل في تحقيق طموحه من باب السياسة قرر الاعتكاف في قلعة ابن سلامة منقطعا الى مراجعة تجربته والكتابة والتأليف . وفي تلك القلعة أمضى اربع سنوات يعمل على كتابه الموسوم باسم تاريخ ابن خلدون . أما اسمه الفعلي فهو "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في ايام العرب والعجم و البربر ، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر". وهو كتاب يقع في سبعة مجلدات. والمشروع الأولي للمؤلف كان كتابة كتاب عن تاريخ المغرب والاندلس فقط ، لكنه عندما اضطر الى الخروج من عزلته لجمع مصادر مؤلفه ، حوَّل مشروعه الى أوسع مما كان في تصوره أولاً. وبات عمله كتابة تاريخ عام يتجاوز منطقتي المغرب والاندلس. المهم أنه اكتشف أن هذا التاريخ الموسوعي الكبير يتطلب منه كتابة مقدمة له يعبر فيها عن فلسفته للعصبية والدين والحضارة والمجتمع البشري وآليات عمله. وهي المعروفة والمشهورة الى اليوم بإسم مقدمة ابن خلدون .
    ولكن انقطاعه عن الحياة السياسية لم يمنع هذه الأخيرة عن اقتحام عزلته، فقد عادت الشكوك تحوم حوله . مما اضطره للجوء الى المنفى مغادراً بلاده متجهاً نحو الاسكندرية . ومع استقراره فيها ارسل بطلب اسرته ، فقررت موافاته ، لكنها لم تصل اليه، اذ غرق أفرادها جميعاً في البحر . عندها قصد القاهرة وتولى تدريس المذهب المالكي فيها، ثم ما لبث أن ترك مهنة التدريس بعد خلاف له مع قاضي المذهب الشافعي . فغادر مصر واتجه لتأدية فريضة الحج، ثم عاد منها الى القاهرة متفرغاً للعمل على تدقيق مؤلفه الكبير. وفي العام 1400 ميلادية بلغ تيمورلنك ضواحي دمشق فقصدها سلطان مصر مصطحباً معه ابن خلدون . حيث قام بدور الوساطة بينهما. ونجح في عقد الصلح بين الطرفين، ثم عاد بعد نجاح مهمته الى القاهرة حيث توفي فيها.
    اذن عاش ابن خلدون حياة سياسية صاخبة. وتقلب في العديد من القصور ولدى العديد من الأمراء وبلاطاتهم. وخلالها ادرك طبيعة الأحوال التي تمر بها المجتمعات وتعقيدات السياسة . وهي خبرة اكتسبها من موقع المشاركة، وليس من موقع المعاينة والمراقبة . وعندما أقر بفشله فيها، أخلد الى المراجعة والتأمل من أجل كتابة مؤلفه . لكنه وجد أن هذا المؤلَف لا يمكن أن يستقيم قوامه من دون مقدمة . والمقدمة التي قدم بها لعمله التأريخي، أخطر نص عرفه العالم العربي والاسلامي في العصر الوسيط . اذ أنها وللمرة الأولى وضعت كل ما يندرج تحت عنوان النص التاريخي العربي والاسلامي أمام مبضع النقد العلمي - التاريخي . وبعد أن نقد المؤرخين الذين سبقوه، وما أثبتوه من مرويات وروايات، عمل على البحث في مصدر وأسباب الأخطاء التي وقعوا بها. وقد أوصله بحثه هذا الى اكتشاف علم العمران، وطبيعة المجتمعات الانسانية التي تتحرك ضمن قوانين فعّالة، لا يمكن لها أن تحيد عنها . وينطبق مثل الأمر حتى على ما يسمى المصادفات التاريخية. اذ أن هذه كما يراها لا تحدث من تلقاء نفسها، بل لعوامل قد لا نتمكن من العثور عليها ومعرفتها، ولكنها موجودة وحقيقية.  ولمّا كان هؤلاء المؤرخين لا يدركون هذه القوانين فانهم وقعوا في الأخطاء الجسيمة التي تحفل بها كتاباتهم . اذن كان ابن خلدون يتحدث عن علم لم يسبقه اليه أحد هو ما نطلق عليه اليوم اسم علم الاجتماع . الذي يتطلب الإحاطة بأحوال وعلل المجتمع الذي يتم درسه. وعليه فان ما يجري ليس عبارة عن حوادث منقطعة عن السياق والمنطق . أما هذا السياق وذلك المنطق فإنه موجود في علم العمران البشري حيث يتجمع الناس الى بعضهم بعضاً وينشئون القرى والمدن ويؤسسون الدول والسلالات الحاكمة . ويزاولون الصناعات والحرف وغيرها من مسائل المعاش . منطلقاً من اعتبار أن فرداً بعينه مهما كانت كفاءاته أعجز عن تدبير شؤونه منفرداً بما هي الأمن والمأكل والمشرب والملبس وتأمين بقية حاجاته.
    ومع ذلك فان الأخطر في ما توصل اليه هو اكتشافه قضية العصبيات وقيامها ودور الدين فيها ن ثم انحلالها وأثرها على تشكل السلطات واستمرارها وذبولها ثم زوالها . والملفت أن ابن خلدون عندما تحدث عن علم العمران أو الاجتماع هذا، لم يغفل أثر العوامل الطبيعية والاقتصادية على الانسان والدول . اذ يعتبر ابن خلدون أن الانسان هو الى هذا الحد أو ذاك، صنيعة الطبيعة وواقع حتى في لونه تحت تأثيرها . ينطبق الأمر على نتائج المناخ لناحية الاعتدال والحرارة والبرودة على الانسان. ويصل من هذا المجال الى اعتبار أن النشاط والكسل مرده الى اعتدال أجواء البلاد وحرارتها. ويعتبر أن للمناخ تأثيره على لون البشرة أيضاً. فالمناطق الاستوائية تنتج سواد البشرة خلاف الشمالية والجنوبية بالنظر الى عمودية أشعة الشمس عليها، وميلها في سواها.  ويشرح أهمية الأرض على طريقة تحصيل المعاش، لجهة الخصوبة والجفاف وتوفر الثروات المعدنية والمائية وندرتها . اذ أن توفر هذه العوامل يحدد نوعية اقتصاد هذا المجتمع وتحوله نحو الزراعة أو الصناعة أو الصيد وغيرها . بالطبع في المناخات الصحراوية حيث تسود البداوة تترك بصماتها على طريقة العمران وتشكل السلطة فيه. والحاسم هنا هو أن البداوة لا تنتج حضارة بل تعمد الى تدمير ما هو قائم من حضارة المدن مما تصله يدها اليه. وهذه البداوة تتكتل من خلال العصبية، اذ كلما كانت العصبية بدوية كل ما كانت أقدر على التغلب واستعباد الطوائف الأخرى. ويلعب الدين هنا دوره الى جانب العصبية . أما السبب ، فلأن البدو يتنزلون من الأهلين منزلة المفترس من الحيوانات. وهؤلاء هم مثل: العرب وزناتة والأكراد والتركمان وصنهاجة . ولا يقتصرون على قطرهم وما جاورهم من الحدود، بل يطفرون الى الأقاليم البعيدة حيث يتغلبون على الأمم الناشئة . وعليه تتشكل عصبية منهم تقيم سلطة على جماعات أخرى داخلاً أو خارجاً . هذه السلطة تتأتى أولاً كخطوة في تطور المجتمع البدوي، الذي يعمد بداية الى الغزو والسيطرة . وبعدها يدخل في سياق الاستقرار. وبعدها يستعين بالأمم المقهورة نفسها ويتأثر بما هي عليه هذه الشعوب من طرائق عيش ومظاهر حياة وعلوم . وبالمقابل يفرض عليها آراءه  وعقائده ولغته. و" لا بدع فالناس على دين ملوكهم ".
    لكن هذه السلطة لا تستمر الى أكثر من ثلاثة أجيال ، مع أن هذا الحكم لا ينطبق على كل الدول. اذ يقدم أمثلة على دول بلغت خمسة أجيال كدول: العبيديين وصنهاجة والموحدين و العرب. اذن عمر الدولة كما يقرره ابن خلدون يتراوح بين ثلاثة وخمسة أجيال. وبذلك تشابه الدولة الكائن البشري في مراحل حياتها. اذ هناك مرحلة النشأة والنمو والموت. وعماد قيامها الأول هو تشكيل العصبية سواء اكانت قبلية او قبلية - دينية في الوقت نفسه . والتطلع الى موارد العيش الوافرة لدى سواهم من المتحضرين والمفقودة عندهم. ويتبعها بعد الحاق الهزيمة بجيرانهم الاستيلاء على الدولة وانتزاع الأمور من ايدي أصحابها السابقين، فتغدو مقاليد مرافقها تحت سيطرتهم . ويليها مرحلة الذروة وهي تقابل مرحلة الشباب لدى الانسان. ويتم خلالها انتهاء مرحلة التأسيس والمؤسسين واستتباب الأمور وحصول الاستقرار. وبعدها ندخل في مرحلة الهرم وهي اطول من المرحلتين السابقتين. والعلامة الدالة على بداية السقوط هي دخول الحكم واستقراره في اجواء من الثروة والترف والفساد . وهذا الترف مرده وفرة الثروات التي تم انتزاعها من أصحابها . وهو ظاهرة اقتصادية ونفسية واخلاقية. أما الفساد فمرده تكاثر الحاجات الثانوية ومظاهر الأبهة والبذخ مما يتطلب انفاقاً متزايداً. مما يجعل من مرحلة الهَرم أمراً لا مناص منه في الكيان السياسي- الدولة. وخلالها تكون الدولة تحت مسؤولية جيل ثالث متحدر من الآباء المؤسسين الذين تمتاز حياتهم بالبداوة والخشونة خلافاً لأبنائهم وأتباعهم من الأجيال اللاحقة التي ذاقت طعم الثروات والحضارة.
اذن لدينا جيل مؤسس سمته أنه في الأصل جيل بدوي غازي. وهو لا يقتبس الكثير من مظاهرة الحضارة الجديدة في مناطق سيطرته الجديدة. ويأتي بعده الجيل الثاني فيمزج بين ما ورثه من جيل الآباء من بداوة، وما وجده في المجتمع المغلوب من مظاهر حضارة ويتم ذلك بقدر محسوب . ويتبعه الجيل الثالث الذي يعمل على التوليف بين الموروث والجديد . وتختفي في حياة الجيل الرابع بقايا مظاهر البداوة ويحل محلها الاستهلاك والترف بمنوعاتة . وفي وسط الجيلين الأخيرين تتراخى العصبيات المؤسِسة، ويتم استنزاف الأموال والمقدرات التي أمكن تجميعها. وتسير الدولة في طور الانحلال والإنهيار بعد هذا الكمال . وهكذا يظهر متغلبون آخرون يملكون عصبية فيعيدون سيرة ومسيرة التاريخ اياها بأسماء جديدة.    
   ويميز ابن خلدون بين الوان عدة من المجتمعات . فهناك المجتمع البدوي الكامل الذي يعتمد في تحصيل معاشه على الرعي. ويقتصر ما لديه على الضروري من القوت والملبس والمسكن وغيرها. وغالبية هذه الفئة تعتاش من تربية الجمال.  لذلك فهي أكثر ظعناً، تتبع المراعي في القفار وترد الينابيع الصحراوية المالحة . ولأنهم يوغلون في الصحارى والفيافي البعيدة، حيث تغيب مظاهر الحضارة هم أشد الناس توحشا. وهو ما عليه حال البربر وزناتة بالمغرب والأكراد والتركمان والترك بالمشرق. الا أن العرب أشد من كل هؤلاء بداوة، لأنهم قائمون على تربية الإبل. بينما سواهم يقومون على تربيتها مع البقر والأغنام . أما الصنف الثاني فيسميه ابن خلدون البدو الشاوية . ويصف هؤلاء بأنهم يعتمدون في معاشهم على تربية الأغنام والأبقار . ويعيشون في القرى والجبال ولا يبتعدون عن محالهم هذه. وينطبق وضع هؤلاء على البربر والترك ومن شابههم. اذن لدينا فئة هي في حالة تحرك دائم وثانية في تحرك وترحال على الأغلب وثالثة أكثر ترحالاً وأبعد مجالا في التحركات من الآخرين . ويعتبر سكان القرى والجبال بأنهم عبارة عن صنف متوسط بين أهل البدو وأهل الحضر بما هي المدن الأكثر تعبيراً عن العمران والاجتماع البشري. يتردد في كلام ابن خلدون دوما عبارتي البداوة و التحضر. فالبداوة تعني اجتماع قبلي مترحل ووسائل عيش قوامها الرعي والغزو وانتزاع الخيرات من الآخرين . أما التحضر ومنه الحضارة بمعنى الإقامة ، فهي الاستقرار والسكنى في مكان واحد تتوفر فيه حاجات الانسان من خلال التعاون الإنساني. وهذه دوماً مرفقة بالتفنن في المعاش والمبالغة في الرفاه وعوائد الترف. وهذه لا تتحقق الا في حياة المدن نظراً لتعدد مشارب ورغبات سكانها.
 
   إن هذا كله إن كان يعني من أمر، فإنما يعني أن المجتمع الانساني ينشأ ويتطور بحكم الضرورة. ويتنوع تبعاً لتنوع المناخ ووسائل العيش. وينتقل من البداوة الى الحضارة بعد أن يعبر مرحلة الغزو والسيطرة على مجتمعات متحضرة يؤثر بها وتؤثر عليه ، يأخذ منها ويفرض عليها. مما يؤدي الى زوال العصبية الخاصة التي تولت الشروع في بناء السلطة. إن علم العمران كما نظر اليه ابن خلدون هو جوهر علم التاريخ . إذ من دون هذا العلم لا يمكن فهم كيف تتحول البداوة الى العصبية، والعصبية الى سلطة . كما لا يمكن ادراك العوامل التي تجعل من قيام الدول أمراً طبيعياً ومن انهيارها أمرا محتوماً . مع ابن خلدون باتت المجتمعات علماً ممكن دراسته وفهمه واستيعاب مجريات أحداث حياته . كما أن التاريخ بات هو الآخر علماً له أصول يتوجب الالمام بها  قبل التصدي لمعالجة أحداثه ووقائعه . أما مقاربته دون التمكن من أصول وقواعد هذا العلم فأقصر الطرق نحو الوقوع في حبائل المبالغة والضياع. وبالتالي العجز عن تقديم ما يمكن معه فهم اسباب الحوادث وتفسير الظواهر. اذ أن معرفة العلل والأسباب هي الخطوة الأولى في فهم التاريخ وحياة الانسان على هذه الأرض بما فيه تكون السلطة . إن الفلسفة التي أرساها ابن خلدون عمادها الاجتهاد في الوصول الى القوانين والأحكام التي تسير المجتمعات البشرية ماضياً وحاضراً . وأن مثل هذا الموضوع لا علاقة له بعالم الغيبيات. اذ يمكن الوصول اليه من خلال قواعد العلم ومقتضيات المنطق وإعمال العقل في دراسة الأحداث وتمحيص وقائعها .
      إن ما أطلق عليه ابن خلدون اسم علم العمران ما هو عصرياً الا علم الاجتماع بتفرعاته. ووظيفة هذا العلم كما حددها دراسة احوال العمران البشري ومجالاته هي:التوحش والتأنس والعصبيات واصناف التغلب وما ينشأ عن ذلك من الدول ومراتبها . وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من اشكال الكسب والمعاش والعلوم والصنائع وجميع ما يحدث في ذلك العمران بطبيعة الأحوال. وقد اتخذ ابن خلدون الواقع والأساس المادي والملاحظة منطلقاً لنظريته . ولعل عظمة ابن خلدون تقاس في عظمة منهجه العلمي العقلاني في زمن لم يكن ذلك محسوماً . والمفارقة الواضحة هو أن رحيله جاء مع دخول أوروبا في عصر النهضة الأولى التي أطلقت نهاية النظام الاقطاعي وقيدت سلطة الكنيسة وأفسحت المجال لنمو الرأسمالية مدفوعة الى ذلك بالكشوفات الجغرافية والعلمية والتقدم في العلاقات التجارية مما فتح السبيل أمام قيام الدولة الحديثة وكرس وحدتها . وقد تضافرت عدة عناصر للوصول الى مثل هذا الوضع . وأبرزها من دون شك هي: حركة احياء التراث الكلاسيكي اليوناني والروماني . والترجمة عن العربية للكثير من الكتب العلمية والفلسفية . وحركة الاصلاح الديني البروتستنتية التي اطلقها الراهب الألماني مارتن لوثر . أما الأخيرة فهي الاكتشافات الجغرافية والعلمية ونهوض المنهج العلمي. وكان المدخل لذلك نظرية كوبرنيكوس وتبعها نهوض المنهج الاستقرائي العلمي على يد فرانسيس بيكون ورينيه ديكارت . ان أبرز المفكرين الذين ظهرت بصماتهم على علم الاجتماع هم: شارل دي مونتسكيو الذي تقارب افكاره افكار ابن خلدون، والايطالي جيامباتيستا فيكو والفرنسيان كوندرسيه وسان سيمون وأوغست كونت قبل أن ندخل القرن التاسع عشر مع تشارلز داروين وسبنسر وصولاً الى كارل ماركس و دوركايم و فيبر.
نصوص
أكلة لحوم البشر في المعرة
   "لست أدري إذا كان هذا مسرح وحشٍ أو كان منزلي ومسقط رأسي". ليست صيحة التفجع هذه ، وهي لشاعر من المعرة لا يُدرى من هو ، مجرد صورة بلاغية . ونحن مضطرون ويا للأسى الى التقيد بحرفية كلماته والتساؤل معه : ما الذي جرى من حوادث هائلة في مدينة المعرة الشامية في أواخر عام 1098 م؟.
   لقد  كان أهلها يعيشون حتى وصول الفرنج عيشة راضية في حمى سورها الدائري . وكانت كرومهم وحقول زيتونهم وتينهم تؤمن لهم رخاء متواضعاً. واما شؤون مدينتهم فقد كان يقوم بها بعض الوجهاء المحليين الطيّبين ممن ليس لهم عظيم طموح بتعيين من رضوان صاحب حلب ذي السلطان المطلق. ومفخرة المعرة هي أنها موطن أحد أكبر وجوه الأدب العربي ، أبي العلاء المعري المتوفي عام 1057 م. ولقد جروء هذا الشاعر الضرير الحر التفكير على انتقاد عادات عصره من غير التفات الى المحظورات. وكان لا بد من الشجاعة للقول :
             إثنان أهل الأرض ، ذو عقل بلا         دين ، وآخر دَيِّن لا عقل له
ولسوف يهيمن بعد أربعين سنة من وفاته تعصب وافد من بعيد فيقرر على ما يبدو أن إبن المعرة كان على حق في عدم تدينه وتشاؤمه الأسطوري على السواء :
             يُحطمنا رَيبُ الزمان كأننا                زجاج ، ولكن لا يُعاد له سبك
فسوف تتحول مدينته بالفعل الى ركام من الأطلال ، وسيكون للارتياب الذي طالما عبر عنه حيال أبناء جلدته أشنع الصور.
   في الشهر الأولى من عام 1098 م كان أهل المعرة قد تابعوا بقلق معركة انطاكية التي تدور رحاها على مسيرة ثلاثة ايام في الشمال الشرقي من مدينتهم . وقد قام الفرنج بعد فوزهم بنهب بعض القرى المجاورة من غير أن يتعرضوا للمعرة ، ولكن بعض عائلاتها آثرت تركها الى أماكن أكثر أماناً مثل حلب وحمص وحماة. ولقد اتضح أن مخاوفهم كانت في محلها حين حضر في نهاية شهر تشرين الثاني / نوفمبر آلاف من المحاربين الفرنج فأحاطوا بالمدينة . وإذا كان قد تيسر لبعض سكانها أن يفروا فإن معظمهم وقعوا في الشَرَك. فليس للمعرة جيش وإنما ميليشيا محلية بسيطة انضم اليها بضع مئات من الشبان الذين ليست لهم أية خبرة عسكرية. وقد قاوموا بشجاعة أولئك الفرسان المرهوبي الجانب مدة أسبوعين ، وذهبوا في المقاومة حد رشق المحاصرين بقفائر النحل من أعلى الأسوار. ويقول ابن الأثير:
   " ورأى الفرنج منهم شدة ونكاية ، ولقوا منهم الجد في حربهم والاجتهاد في قتالهم فعملوا عند ذلك برجاً من خشب يوازي سور المدينة (...و) خاف قوم من المسلمين وتداخلهم الفشل والهلع وظنوا أنهم إذا تحصنوا ببعض الدور الكبار امتنعوا بها. وأخلوا الموضع الذي كان يحفظونه فرآهم طائفة أخرى ففعلوا كفعلهم فخلا مكانهم أيضاً من السور. ولم تزل تتبع طائفة منهم التي تليها في النزول حتى خلا السور فصعد الفرنج اليه على السلالم ، فلما عَلوه تحير المسلمون ودخلوا دورهم".
   وجاء مساء الحادي عشر من كانون الأول / ديسمبر ، وكان الظلام حالكاً فلم يجرؤ الفرنج على التوغل في المدينة . واتصل وجهاء المعرة ببيمند صاحب انطاكية الجديد الذي على رأس المهاجمين . ووعد الزعيم الفرنجي الأهالي بالإبقاء على حياتهم إذا توقفوا عن القتال وانسحبوا من بعض الأبنية. واستكانوا بيأس الى كلامه فاحتشدت العائلات في بيوت المدينة واقبيتها تنتظر طوال الليل وهي ترتعد.
  وعند الفجر وصل الفرنج : إنها المذبحة :" فوضع الفرنج فيهم السيف ثلاثة ايام فقتلوا ما يزيد على مئة الف وسَبوا الكثير". وبديهي أن أرقام إبن الأثير مزاجية لإن سكان المدينة ربما كانوا عند سقوطها اقل من عشرة آلاف . ولكن الهول يكمن هنا في المصير المستعصي على التصور الذي لقيه الضحايا اكثر مما يكمن في عددهم .
   " كان جماعتنا في المعرة يغلون وثنيين بالغين في القدور ويشكون الأولاد في سفافيد ويلتهمونهم مشويين". إن سكان القطاعات المجاورة للمعرة لن يقرأوا هذا الإعتراف الذي سجله المؤرخ الفرنجي "راول دي كين" ، ولكنهم سوف يتذكرون ما رأوا وسمعوا حتى آخر يوم من عمرهم ، لأن ذكرى الفظاعات التي نشرها الشعراء المحليون وتناقلتها الروايات الشفوية سوف تحفر في الأذهان صورة عن الفرنج من الصعب محوها. وسيكتب ذات يوم المؤرخ اسامة بن منقذ الذي وُلد في مدينة شيزر المجاورة قبل ثلاث سنوات من هذه الأحداث قائلا: "إذا خبر الإنسان أمور الفرنج (...) رأى بهائم فيهم فضيلة الشجاعة والقتال لا غير ، كما في البهائم فضيلة القوة والحمّل". إنه حكم لا مواربة فيه ، وهو يختصر جيداً الانطباع الذي أحدثه الفرنج لدى وصولهم : مزيج من الخشية والاحتقار له ما يسوغ صدوره عن أمة عربية متفوقة جداً بثقافتها وإن كانت قد فقدت كل روح قتالية . ولن ينسى الأتراك قط تصرفات الغربيين تصرف أكلة لحوم البشر . ولسوف يوصف الفرنج بلا أدنى تحوير عبر أدبهم الملحمي بأنهم يأكلون لحوم البشر.
   تُرى أتكون هذه النظرة الى الفرنج ظالمة ! وهل التَهَمَ المجتاحون الغربيون سكان المدينة الشهيدة بهدف أوحد هو البقاء على قيد الحياة ؟. إن زعماءهم سيؤكدون ذلك في السنة التالية في رسالة رسمية الى البابا:" اجتاحت الجيش مجاعة فظيعة في المعرة ألجأتهم الى ضرورة جائرة هي التقوت بجثث المسلمين". ولكم ذلك يبدو مقولاً على عجل شديد ، لأن سكان خراج المعرة كانوا يشهدون طوال ذلك الشتاء المشؤوم تصرفات لا يكفي الجوع لتفسيرها. لقد كانوا يرون بالفعل عصابات من الفرنج المشحونين بالتعصب ، جماعة "الطفور"، ينتشرون في الأرياف وهم يجأرون بأنهم راغبون في قضم لحم المسلمين ، ويتحلقون في المساء حول النار لالتهام فرائسهم . أهم اكلة لحوم بشر بفعل الحاجة ؟. أكلة لحوم بشر بفعل التعصب ؟ كل ذلك يبدو غير مطابق للحقيقة ، ومع ذلك فإن الشواهد عليه دامغة سواء بالوقائع التي تصورها أو بالجو المَرَضي الذي تشيعه. وفي هذا الصدد تظل عبارة المؤرخ الفرنجي "البير دكس" الذي شارك بشخصه في معركة المعرة عديمة المثيل في فظاعتها:" لم تكن جماعتنا لتأنف من أكل الأتراك والعرب ، بل كانت تأكل الكلاب أيضاً"...
   لسوف تسهم حادثة المعرة في حفر هوة بين العرب والفرنج لن تكفي عدة قرون لردمها. ومع ذلك فإن الأهالي الذين شلهم الرعب لن يقوموا إلا إذا أُكرهوا على الصمود. وعندما سيعاود المجتاحون مسيرتهم نحو الجنوب غير تاركين وراءهم سوى أطلال يتصاعد منها الدخان فإن الأمراء سوف يتراكضون ليرسلوا اليهم موفدين محمَّلين بالهدايا مؤكدين لهم حُسن نياتهم ، عارضين عليهم كل مساعدة يحتاجون اليها.
  أمين معلوف ، الحروب الصليبية كما رآها العرب، ترجمة عفيف دمشقية ، دار الفارابي ، بيروت ، الطبعة الثانية، العام 1993 ص 61 - 65                                                      
 

Share/Save