دراسات في التاريخ العربي الوسيط 8 : الدولة العباسية - الثورة ، السلطة و التفكك

Printer-friendly version

شهدت المرحلة الأخيرة من عمر الدولة الأموية منوعات من الثورات مما يجعل من عملية حصرها صعبة ان لم نقل مستحيلة. وهذه الثورات كانت تؤشر عملياً الى قرب نهاية هذا العهد. والمشكلة أنها لم تقف عند حدود أعمال العصيان  والتمرد، التي قامت بها قوى من خارج المؤسسة السياسية والقبلية الأموية . فالأسرة الأموية انقسمت على نفسها مراراً. وباتت أشبه ما تكون بأجنحة متطاحنة مما فاقم من هزال الدولة وسرعة زوالها . فمقابل قيام أحد الخلفاء بالاعتماد على اليمنية يتجه آخر منافس الى الاستعانة بالمضرية ، مما يشعل الصراع بين العصبيتين المتنافستين . ودوماً يتبع انتصار فريق على آخر اعمال انتقامية. وبهذا المعنى بات كل خليفة يعتمد على فريق من أجل الوصول الى الإمساك بزمام القرار. ودعم الفريق المؤيد له ليس مرده مبادئ أو سياسات، بل لأن منه سيكون الولاة والقادة والمستفيدون على حساب الفريق الآخر المناوئ.  وقد شهدت الفترة المتأخرة محاولات سياسية اصلاحية يائسة. رأى فيها عدد من المؤرخين أنها سرَّعت من حال الإنهيار. فالبعض يصف ما اقدم عليه الخليفتان عمر بن عبد العزيز ويزيد الثاني الملقب بالناقص من اصلاحات، بأنه كان تمهيداً للسقوط النهائي الذي لم يستطع مروان بن محمد القائد الأخير للدولة، رغم كفاءاته المتعددة، تلافيه. فلقد فرغت خزائن الدولة من الأموال، وثار الجنود على عدم قبض مخصصاتهم. واستعرت الخلافات على الحكم داخل البيت الأموي. وأطلت برأسها الخلافات العربية- العربية قبلية وسياسية ومناطقية. ومعه بات يمكن وصف الوضع الذي آلت اليه الدولة بأنه اشبه ما يكون بحالة فوضى كاملة. فوضى لم تترك زواية من زوايا الدولة الأموية المترامية الا واندلعت فيها. وقد اضطر العديد من القادة والولاة الى ترك ولاياتهم والعودة بمن تبقى من قواتهم الى دمشق. فمثلاً تم اخلاء افريقيا للمتمردين على سلطة الدولة. أيضاً شهدت مصر وبلاد الشام وخراسان والحجاز ما يشبه ذلك من حالات العصيان لأسباب قبلية وسياسية واقتصادية واجتماعية. رافق ذلك  حال من التنازع الأموي- الأموي المسلح على السلطة. وهو نزاع رافق تلك الدولة حتى لفظت أنفاسها الأخيرة.  
   كان من شأن محاولتي عمر بن عبد العزيز ويزيد الثاني أن تنقذ الدولة لو توفرت الإرادة لذلك داخل البيت الأموي، وهو ما كان مفقوداً. العكس حدث تماماً. لقد حوربا من جانب اكثرية ذلك البيت، رداً على سياستهما في مناحيها كافة. لقد باشرا تغييراً في اشخاص ولاة الأقاليم وادارييها ورموز المراحل السابقة. واطلقا من في السجون من معتقلي الرأي . وأجريا حواراً مع المعارضة الخوارجية وغيرها. وأوقفا مشاريع البناء والتوسع التي أرهقت موازنة الدولة المنهكة أصلاً. ومما أثار الأمويين اكثر من سواه هو التخلي عن رسوم الدولة كما صارت عليه لجهة الأبهة والطقوس والمراسم المحيطة بأشخاص الخلفاء والأمراء. اضافة الى مصادرة أموالهم أو ما عرف بعملية "رد المظالم" الى بيت المال أو الى اصحابها الذين اُنتزعت منهم . وهو مال اُنفق الكثير منه على مظاهر البذخ، واعتبره مَن باتوا متصرفين فيه، أنه من حقوقهم الثابتة. وتعهد الخليفتان بانصاف الموالي ورفع الجزية عمن اسلم منهم . وأكدا أن أموال الدولة الاسلامية ستنفق في مواضع جبايتها . أي أنها لن ترسل الى دمشق ليتم انفاقها على البيت الأموي والمستفيدين من علاقاتهم به من شيوخ القبائل وغيرهم . هذا يعني مثلاً أن اموال العراق ستنفق على العراق. وكذلك بقية الأجزاء خلافا للقاعدة السائدة في انفاق اموال الأقاليم في عاصمة الدولة، وعلى الحلقة المحيطة بالحكم من بني أمية، ومؤيديهم من مشايخ القبائل المقربة. اكثر من ذلك ضاعفا في بعض الأقاليم من عطاء الجنود، وتعهدا بالامتناع عن اطلاق الحملات العسكرية التي تقود الى الإقامات الطويلة للجيوش خارج بلادها الأصلية . واعتمدا علاقات سلمية مع الدول المجاورة. ومن المعروف أن قضية "تجمير الجيوش" ، أي توجيهها الى المناطق المتاخمة لحدود الدولة أو في غزوات موسمية ولآماد طويلة،  كانت من كبريات المشاكل التي يواجهها كل خليفة وأمير . وقد نشبت العديد من الثورات بسبب هذه القضية بالذات. كثورة إبن الأشعث رداً على سياسة الحجاج بابعاد الجنود عن بلادهم في العراق الى آجال غير منظورة، وذلك للتخلص من نقمتهم. وهذه قضية تنطبق اكثر ما تنطبق أيضاً على أهل الشام، الذين باتوا عماد القوة المقاتلة للجيش الأموي. هناك في سياسة الخليفتين عمر ويزيد ممارسات ووعود لأهل الجزية أو الشعوب المغلوبة في المشرق والمغرب بمعاملة منصفة لم يتعودوا عليها قبلاً. بما يؤدي الى تمتعهم بحقوق شبه موازية لحقوق العرب. وهو ما من شأنه أن يؤدي الى البقاء في قراهم بدلاً من مغادرتها والتخلي عن الأرض والزراعة. وبالتالي افراغ الأرياف من قواها العاملة التي تقصد المدن للعمل بما يقيم أودها بعد أن تم افقار الأرياف جراء الضرائب المتصاعدة ودون وجه حق. هناك وعود واضحة أيضاً بردم الهوة بين المسلمين. والمقصود هنا الهوة الإقتصادية والاجتماعية التي تفاقمت بين الموالي من غير العرب وبين العرب انفسهم، أي بين الأمويين وغير الأمويين، وبين القيسيين واليمنيين وما شابه من انقسامات معروفة.
لقد شدد عمر ويزيد على التقدم نحو تحقيق مساواة وعدالة اجتماعية ، بديلاً للدونية والتمييز بين مكونات الدولة من مسلمين وغير مسلمين. ومثل هذه هي خطوة ثورية كبرى. نجد أيضا تعهداً منهما بأن يتم الإلتزام بما جرى اعلانه من اصلاحات وتغيير. وهو ما يتطلب أن يُقابل من الناس بالسمع والطاعة والمؤازرة . أما اذا لم توفَّ تلك العهود والعقود فانهم - أي الناس- في حل من البيعة التي ارتبطوا بها معهما. وأهمية مثل هذا الكلام أنه ينسف ادعاءات المصدر الإلهي للسلطة ، ويجعل مصدرها برنامجاً دنيوياً ملموساً جرى التعاقد عليه بين الطرفين المتعاهدين. فاذا التزم به الحاكم، له على المبايعين السمع والطاعة. واذ لم يلتزم فلا. اذن لم يعد هناك من سلطة دينية للخليفة، بل مجرد سلطة زمنية تنبع من الناس الذين بات باستطاعتهم خلعه في حال أساء استخدام ما جرى منحه له من سلطات . ولهذه الأسباب مجتمعة تم وضع عمر بن عبد العزيز مثلاً لدى بعض المؤرخين في عداد الخلفاء الراشدين مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. المهم أن قصر الفترة التي امضياها في الحكم، والحصار الذي تعرضا له واندلاع المشكلات وتفاقمها في معظم أجزاء الدولة... كل هذه وسواها قادت الى عدم القدرة على تحقيق النقلة المطلوبة في آليات ادارة البلاد في المركز والمناطق على حد سواء. وبالتالي سرعا من اندفاع الدولة في هاوية الإنهيار.
الدُعاة والثورة:
 
لن ندخل في تفاصيل بعيدة في الحديث عن الثورة العباسية، بردها الى الدور الذي لعبه عم الرسول، العباس بن عبد المطلب قبل فتح مكة وخلالها. وكذلك بعد وفاة الرسول ، وما شهدته المدينة في تلك اللحظات من صراعات على السلطة بين مكونات مجتمع المدينة القرشي والأنصاري، وداخل كل منهما. وهذه تشغل صفحات كثيرة في المصادر التاريخية التي دُوِّن معظمها في العصر العباسي. ما يعنينا هو المرحلة اللاحقة لا سيما تلك التي شهدت استتباب السلطة في يد خلفاء البيت الأموي  بعد مصرع امير المؤمنين علي بن أبي طالب ومبايعة معاوية. بعد تلك الفترة كانت معظم مبادرات المعارضة اختصاصاً هاشمياً وليس عباسياً. كان الفرع العباسي ممثلاً بعبد الله بن عباس في صفوف جيش الإمام علي في صفين، ثم غادره الى مكة، ومعه موجودات بيت مال البصرة. لدى تحرك الحسين في أعقاب بيعة يزيد بن معاوية كان دور عبد الله بن عباس مجرد ناصح له فقط. إذ دعاه للجوء الى اليمن وليس للتوجه الى الكوفة. لا سيما بعد أن عاد أميرها زياد بن (أبيه) أبي سفيان الى ضبطها لصالح السلطة الأموية في دمشق. كان مثل هذا الحديث يجري في مكة ، لكن الطموح العباسي سينطلق من الشام، وتحديدا من بلدة الحميمة . خلال تلك الفترة وفي أعقابها توزعت المعارضة الهاشمية بين الحسن والحسين واخيهما من غير فاطمة محمد بن الحنفية .
هناك روايات عدة عن قيام عبد الله بن محمد بن الحنفية بالتوجه الى الحميمة واقامته هناك. وفيها لاحقاً يلتقي بمحمد بن علي بن عبد الله بن العباس فيوصي الأول له ويعطيه كتبه ويجمع بينه وبين قوم من الشيعة كما يقال في المصادر. يجب أن ننتبه هنا الى أن أبناء علي وأحفاد الرسول من ابنته فاطمة ومن معهم، كانوا يرفضون الاعتراف بحق الحنفيين والعباسيين على حد سواء في السلطة أو الإمامة. كذلك ثبت لاحقاً أنه كان للحسينيين موقفاً سلبياً من ثورات أبناء الفرع الحسني. هناك الكثير من التفاصيل عن تلك المرحلة، لكن أهم ما فيها هو الحديث الذي يرد عن الوصية للثاني بالإمامة . وبموجبه انتقلت الوصية الى محمد بن علي العباسي بعد أن اعطاها له عبد الله بن محمد بن الحنفية - ابو هاشم الذي تسلمها من ابيه ابن الحنفية. ومحمد بن الحنفية كان في قيادة احدى الفرق في معركة صفين ومعه لواء أبيه . وعندما مات رفض انصاره الاعتراف بوفاته . وقالوا أنه لم يمت، وأنه حي محفوظ يحرسه أسد عن يمنه ونمر عن يساره، حتى ظهوره ثانية، بوصفه المهدي المنتظر الذي يرجع فيملأ الأرض عدلاً.
   أيضاً هناك أخبار ضعيفة متناثرة في المصادر تدعي أن الرسول نص على تعيين عمه العباس بن عبد المطلب إماماً بعد رحيله . ثم نص العباس على الإمامة لإبنه عبد الله. ونص عبد الله هذا على امامة ابنه علي وهكذا... ما يعنينا ليس تلك الروايات ، بل دلالات ما تؤشر له من مشروع بديل برمته . اذ الواضح أنه بعد وفاة الحسن واعدام حجر بن عدي وأصحابه ومصرع الحسين وعبد الله بن الزبير والمختار الثقفي وغيرهم، بات هناك ما يشبه الفراغ القيادي في بنية المعارضة السياسية الإصلاحية للسلطة الأموية . فالإمامان الباقر والصادق لم يكن لهما من شأن أو اهتمام في عالم السياسة وحبائلها. وقد عُرفا بدرايتهما الواسعة بعلوم القرآن والحديث. هذا الفراغ القيادي من شأنه أن يدفع قوى الإعتراض الى البحث عن قيادة بديلة عن الفرع الهاشمي الذي تعرض بعضه للتنكيل، وبعضه الآخر للإنسحاب عن التفكير بالمحاولة . وما يعزز مثل ذلك هو رواج التصورات عن قرب زوال حكم البيت الأموي كما ظهر ذلك من خلال ما قيل أنه ورد في كتب الملاحم والرؤى وما شابه. 
   بالطبع كانت البلاد الاسلامية ولاسيما في المدن المحورية تشهد جدلاً صاخباً حول مفهوم الخلافة والإمامة. وكيف تقوم كل منهما؟. وما هي مواصفات صاحب هذه وتلك؟. وكيف تتم بالوصية والتعيين أم بالبيعة والشورى ؟. وهو ما يقود لاحقاً الى تبلور أضافي من خلال ما تضيفه الفرق والجماعات، ناهيك بالفقهاء، من شروط وتحديدات. اذ مقابل الأموية التي حصرت السلطة بأبناء هذا البيت، سواء في فرعها السفياني أو أبو العاص، نهضت الهاشمية لتتحدث عن إمامة علي متبوعاً بآل الرسول من ابنته فاطمة الزهراء، أي الحسن والحسين دون الآخرين وبأبناء الأخير. أما الخوارج فقد رفضوا النص على قرشية الخلافة أصلاً وبالأساس، سواء كانت هاشمية أو أموية أو غيرهما. واعلنوا أن شرط الخلافة ليس شرطاً نسبياً محصوراً ببيت أو قبيلة محددة بعينها، بل أنه الاسلامية والعلم والإيمان والصلاح والتقوى والجهاد في سبيل الله. حتى ولو كان شخص الخليفة عبداً حبشياً اسوداً.
    لكن من الناحية العملية، وعلى جبهة القوى المعارضة، انحصر النزاع النظري المطروح بين العباسيين والهاشميين أو الطالبيين، نسبة الى الإمام علي وآل ابي طالب . بالطبع لا يمكن المقارنة بين تفاعل وتأثير الفرعين العباسي و الهاشمي على الرأي العام الاسلامي. فقد دخل الأخير في الوجدان الشعبي على نحو عميق بعد المصرع المأساوي للإمام الحسين وأهل بيته وثورة التوابين وما تلاها.  ولكن الفرع العباسي ما إن تسلم ممثله محمد بن عبد الله الوصية حتى بادر الى تشكيل نواة من الدُعاة للدعوة لرضي من آل البيت. دون أن يعلن عن شخصية او هوية المدعو له بالخلافة. ويبدو أن العمل في هذا الاتجاه قد حدث حوالى العام 100 هجرية / 718 ميلادية أو قبلها بقليل. فقد وجه محمد المذكور الدُعاة الى العراق وخراسان . وقد أختار اثني عشر رجلاً أطلق عليهم اسم النقباء وجعل على رأسهم شيخ النقباء. ثم اختار سبعين رجلا هم بمثابة الدُعاة. اذن هناك بنية تتكون من الدعاة وعليهم اثنا عشر نقيبا وشيخ النقباء رئيسهم . ومهمته قيادة عمل النقباء وادارته، ويرتبط شيخ النقباء بالإمام مباشرة، كما يرتبط الدعاة بنقبائهم . يتضح أن هناك بنية هرمية يقف على رأسها صاحب الدعوة ويليه شيخ النقباء ، ثم النقباء وقاعدتها الدُعاة. ويبدو أن التركيز في جذب المؤيدين كان على خارج الشام، السفيانية سياسياً نظراً لتاريخ العلاقة بين البيت الأموي والشام . وباستطاعة أعين الأمويين مراقبة الدُعاة واعتقالهم، مما يهدد أمن صاحب الدعوة ومصيرها كله بالخطر. كذلك لم يتوجه الدُعاة نحو الكوفة نظراً لهوى أهلها الموالي للإمام علي وآل بيته كما هو معروف. وعليه ظلت المجموعة المتجاوبة مع الدعوة في تلك المدينة محدودة . لكن الكوفة ستلعت دورها كحلقة ارتباط بين الدُعاة في مختلف المناطق. يتحقق ذلك بالنظر الى قربها من الحجاز والشام وانفتاحها على المشرق. لم يكن في حينه وارداً أيضاً التوجه نحو مصر أو الحجاز . فمصر بعيدة عن مواقع التأثير العربي المتمحور في الشام والعراق. أما الحجاز فلم يعد مركز تجمع بشري كبير بعد أن توزعت قواه الحية على مناطق الفتوحات. لكن يمكن الإفادة منه في موسم الحج لتنظيم اللقاءات وسط الجموع بعيداً عن الأعين وجمع الأموال وتسليمها لدعم وتعزيز الدعوة . ثم أن الحجاز سياسياً يميل إما الى أبي بكر وعمر أو الى الطالبيين. وتبقى اليمن طرفية وبعيدة عن مراكز التأثير. لذلك يتم التركيز على خراسان كموقع ملائم للدعوة.
   وخراسان دخلها العرب الذين انطلقوا من مدينتي البصرة والكوفة. ولم يلبثوا أن توطنوا فيها باعتبارها اصبحت بمثابة دار اقامة لهم. وكان الفائض السكاني من المدينتين الاسلاميتين يتوجه نحوها للاستقرار في ربوعها. وكان يطلق على هؤلاء، اسم أهل خراسان، كما يقال عن العرب الذين أقاموا في الشام أهل الشام. وعلى من استوطنوا العراق أهل العراق، ومثلهم أهل مصر . الدعوة العباسية التي دخلت الى خراسان وحققت بعض النجاحات الجزئية، لم تلبث أن تعرضت الى نكسة خطيرة في العام 118 هجرية / 735 ميلادية عندما حوّل الداعية عمار بن يزيد ( خداش) دعوته الى الخُرمِّية بدلاً من الاسلام والوصي من آل محمد وبيته.
   والخُرمِّية هي نوع من الخليط العقائدي الذي يمزج بين الزرادشتيه والاسلام. وعندما بلغ ذلك والي خراسان اسد بن عبد الله القسري قبض عليه فقطع يده ولسانه وسمل عينيه وأمر بصلبه . وكان أسد لا يظفر بداعية ولا مدعو الا ضرب عنقه وصلبه. اذن لم تقتصر الخسارة على مقتل واحد من أبرز الدُعاة فقط ، بل لانكشاف الدعوة وانحيازها الى مبادئ الغلو البعيدة عن الاسلام التقليدي. وهي مبادئ قريبة من المزدكية والعقائد الفارسية القديمة. وهو ما يفسر ارتفاع نسبة التحلق حولها من جانب السكان الفرس الأصليين. ومثل هذا له حدان : الأول هو موقف العنصر العربي الذي يبتعد عن مثل هذه الدعوة ذات الجذور غير العربية والاسلامية . مقابل الإنضواء والإيجابية من جانب السكان الأصليين، ما دامت الدعوة الجديدة قريبة من معتقداتهم السابقة .
   ومما يجدر ذكره أن تلك الفترة شهدت فوضى سياسية رافقها فوضى فكرية على مستوى العالم الاسلامي . ففي حينه  لم تكن المذاهب السنية والشيعية المعروفة لاحقاً قد تأسست واستوت على عودها بعد . وقد أفاد العباسيون دُعاة ونقباء من مثل تلك الفوضى ونشطوا في بث دعوتهم للرضي من آل محمد. وكانت رسائل الإمام تتلاحق من مقره في الحميمة الى أنصاره . وفي خراسان رغم تلك الأجواء التي أشرنا الى سلبياتها ، تمكن النقيب بكير بن ماهان من بناء تنظيم عباسي متماسك معتمداً اسلوب العمل السري في الدعاية والدعوة. وردد أنصاره أهمية و ضرورة وصول احد افراد آل البيت الى موقع الخلافة والإمامة بديلاً عن البيت الأموي وخلفائه وولاته. وأُلصق بهؤلاء ما بهم وما ليس بهم من اوصاف مُنكرة ونعوت . لكن الخليفة العتيد الذي يُدعى له ظل مجهول الإسم.  مما جذب اليهم اعداداً من الشيعة، ومن اؤلئك الذين كانوا مفعمين بمحبة البيت وآله ظناً منهم أنهم يدعون الى أحد أحفاد الرسول من ابنته فاطمة. وكثير من هؤلاء كانوا يعتبرون أن كل من ينتسب الى آل بيت الرسول مقدساً لارتباطه نسبياً بالرسول وابنته فاطمة والأئمة علي والحسن والحسين. 
   على ان ما يتوجب ذكره أن الدعوة العباسية افادت من توتر العلاقات العربية- العربية في تلك المنطقة، ونجحت في غضون فترة قصيرة في تجاوز نكسة خداش. فقد انضوى في صفوفها شيوخ قبليين عرباً ومعهم أتباعهم وجموع من عامة الموالي. وسط هذا الإقبال جرى تطوير البنية التنظيمية للدعوة. فقد بات للنقباء نقباء ظل يعاونونهم في مهامهم ويحلون محلهم في حال وفاتهم أو تركهم مهامهم. وكان عددهم مساو لعدد النقباء ، أي اثنا عشر. كما شهدت المرحلة توسعا في عدد الدُعاة. وبات هناك أيضا ما يسمى أيضاً دُعاة الدُعاة . أي أنه أصبح هناك ردفاء لكل صاحب موقع في الدعوة . ومن خلال التدقيق في اصول النقباء والدُعاة يتبين مدى ثقل الوزن العربي في نشر الدعوة، خلافاً للتصور العام غير الدقيق الذي يعتبر الدعوة العباسية دعوة فارسية. وينسب بالتالي أمر نجاحها في بناء تنظيم متماسك وفعَّال وانتصارها الى الموالي من غير العرب . ويبدو أن تذمر عرب خراسان كان سببه تسلط الوالي الأموي والدهاقنة الفرس عليهم وجباية ضرائب ثقيلة منهم . ثم هناك حال الاستنفار الدائمة واشغالهم في المزيد من الفتوحات. خصوصاً بعد أن باتوا مستقرين ويملكون تجارة تستوجب السهر عليها . والأراضي التي يجب أن تفلح وتزرع ، والمواشي التي لا بد من رعايتها والاعتناء بها .
   لقد شعر العرب المستقرون في تلك المنطقة، أن هناك سلطتين تتناوبان وتتشاركان في التسلط عليهم. احداهما هي سلطة الوالي المعين من قبل الخليفة الأموي. والثانية هي سلطة الدهقان الفارسي الذي يقوم بمهام جباية الضرائب لصالح الأول، ويحتفظ طبعاً بكمية وافرة من المال لنفسه . هذا جانب، والجانب الأبرز يتمثل في شخصية الوالي أو الأمير المكلف بادارة البلاد، سواء اكان أمويا أم لا . لقد كانت مهمته تقتضي منه الضغط باستمرار من أجل مضاعفة الأموال والغنائم المرسلة الى عاصمة الدولة في دمشق . بالمقابل اصرت قوات القبائل المقاتلة على قسمة الغنائم بالطريقة التقليدية المعروفة. أي اربعة أخماس لهم، وخمس فقط للخليفة أو الوالي. وهكذا جرى العرف منذ عهد الرسول والخلفاء الراشدين. اذن كان هناك نوع من أنواع الصراع بينهم وبين السلطة المركزية وممثلي قرارها. صراع له وجه سياسي وآخر اقتصادي. وقد أدى الاستقرار في تلك المنطقة الى اسقاط قوى مقاتلة من ديوان الجند أو العطاء بعد أن تمردت على الاستمرار في خيار الحرب والمزيد من الفتوحات. وهو ما رفضته هذه القوى التي طالما اعتبرت أنها دون سواها هي من فتح هذه البلاد. وحقها في خيراتها وعوائدها لا يمكن له أن يتزعزع من قِبل أي كان. وسواء استمرت في بنية الجيش أو خرجت منه. ومع أن كلاً من عمر بن عبد العزيز ويزيد الثاني قد قدما حلولاً لهذه المعضلة وسواها مما كان ضاغطاً على الخلافة والحكم ، الا أنه يمكن الجزم أن ما اشارا به واعتمداه من قرارات واجراءات لم يكتب له النفاذ ، نظرا لشبكات وتعقيدات المصالح التي تكونت في المراحل السابقة ولصعوبات المراقبة والمساءلة. ومما يؤيد مثل هذا الاحتمال، أن الولاة كانوا يتصرفون في الكثير من الأحيان على عكس رغبة الخليفة ودون علمه أيضاً.
   العقدة الأهم تمثلت بما يندرج تحت عنوان الصراعات العربية - العربية التي نشبت في تلك المنطقة بفعل تباين المصالح وتعارضها . ودون عودة الى جذور ومسارات تلك الصراعات نشير الى أن الفصل الأخير منها هو الذي اندلع بين نصر بن سيار المضري والي خراسان والكتلة القبلية اليمنية المضادة التي قادها جديع بن علي الكرماني. وقد أفاد العباسيون من خلال تنظيمهم من هذا الوضع على نحو جلي . علماً أن العديد من الجماعات والفرق كانت تتكون وتتشكل وتعمل على أرضية الدعوة الى اسقاط الدولة الأموية . أما على الجبهة العباسية فالمهم أن الإمامة وصلت الى ابراهيم بن محمد بن علي العباسي بعد موت سابقه . ومعه دخلت الدعوة طوراً جديدا من النشاط . فاذا كان الدُعاة والنقباء وردائفهم عملوا على تشييد هرم المؤسسة السياسية العباسية فان ادارة وتوجيه هذه الشبكات كانت من مهمة الإمام وشاغله دون سواه. ومعه بدأت عملية صياغة الفكر العباسي في سعيه نحو الوصول الى السلطة. ومما تجب الاشارة اليه ، أن هذا الفكر وما يرتبط به من مواقف، اتخذ موقفا سلبياً من ثورات آل البيت. وخصوصا ثورتي زيد ويحي ابنه. مثلهم في ذلك مثل الفرع الحسيني . وقد انطلق العباسيون من حسابات خاصة صرفة، وإن جرى تقديمها كون تلك الثورات مهزومة لا محالة كما تقول الكتب التي بحوزتهم. 
   على أي حال، عمل الإمام ابراهيم على اكمال الجانب الرمزي من الدعوة بعد أن استكمل الجانب التنظيمي. وفي هذا الإطار كان من ابرز ما فعله هو اختياره اللون الأسود شعاراً للعباسيين وثورتهم المقبلة. وهو اللون الذي تذكره كتب وروايات الملاحم والنبؤات على أنه لون الرايات المرفوعة القادمة من الشرق للقضاء على الأمويين ودولتهم الظالمة . كما أنه يتطابق مع لون راية الرسول خلال فتح مكة، وراية الإمام علي في بعض حروبه. ومن أجل ذلك اُطلق على العباسيين لقب "المسودة"، وسميت دولتهم بذلك أيضاً. ما يجب التشديد عليه أنه كانت كل الأجواء في خراسان مؤاتية للثورة. فمثلاً مع وصول نبأ مصرع زيد وصلب يحي بعدها، ضجت تلك المناطق بالحدث وربط الناس بينها وبين مصرع الحسين بن علي وآل بيته على يد الأمويين قبلاً. وفي مثل تلك المناخات دفع صاحب الدعوة  ابراهيم بثلاث رايات سود الى أبي سلمة  الخلال استعداداً لاعلان الثورة .
                       وفي المقابل بدت الأوضاع على الصعيد العربي – العربي مقفلة على الحلول . فقد فشل نصر بن  سيار في تنظيم أمور خراسان على الصعيدين السياسي والاداري والمالي . ولم تُجد محاولاته في علاج الموقف المتفجر مع القبائل اليمنية . وحاول القيام باصلاح مالي بعد أن اكتشف أن الدهاقين استغلوا وظائفهم ففرضوا ضرائب مضاعفة على المسلمين من سكانها العرب. مقابل ذلك عمدوا الى اعفاء اعوانهم ومعارفهم منها، حتى لو كانوا من المشركين . أي انهم اثقلوا على المسلمين والعرب الضريبة واعفوا انصارهم من دفعها. وهذا مخالف لمعاهدة مرو التي تنظم الضرائب على قاعدة فرضها على أهل الذمة واعفاء المسلمين منها. وهذا الإصلاح وسواه لم ينجح في علاج العلاقة مع الكرماني الذي اعتمد في تعبئة صفوفه على قبيلة الأزد تحديداً، وجملة القبائل اليمانية عموماً . وكما باتت صفوف الكرماني زاخرة بالقبائل ذات الأصول اليمنية، تجمعت القبائل المضرية في صفوف وتشكيلات تحت لواء واليها نصر بن سيار . هناك الكثير من التفاصيل حول المعارك والحروب في اطار الصراع اليمني- المضري في تلك البلاد. وكل هذا وسط عجز الأمويين وولاتهم في العراق عن انجاد نصر بالرجال لحسم الموقف. وهذا ما كان مواتيا للدعوة والدُعاة العباسيين الذين افادوا من تلك المواجهات. ومعها تحولوا الى نقطة جذب استقطبت المؤيدين للدعوة من اليمانيين والربعيين والمضريين الذين عافوا ما آل اليه الوضع من فوضى عارمة واقتتال.
                     تتمثل الخطوة الأكثر حسما في ما أقدم عليه ابراهيم الامام، في قراره ارسال أبي مسلم الخراساني مزوداً بتعليمات الى الدُعاة والنقباء بالسمع والطاعة له. وهو ما رفضوه منه بداية نظرا لحداثة سنه وضآلة تجربته. ولكن عندما اجتمعوا الى الإمام في مكة وافقوا وانضووا تحت رياسته. وقد أتبع أبو مسلم هذا الإعتراف بزعامته وما منحه الإمام له من رفعة، عندما اعتبره أنه من أل البيت، بالتوجه الى خراسان. وكان أول ما فعله فيها هو  رفع اللواء الذي يُدعى الظل على رمح طوله اربعة عشر ذراعاً. كما عقد الراية التي بعث بها الإمام اليه والتي تُدعى السحاب على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعاً. ورفع اللواء والراية يعني اطلاق الدعوة من مرحلة العمل السري الى مستوى العمل العلني . أي اعلان الثورة على الحكم الأموي. وارفق ذلك بلبس السواد وإيقاده مع النقباء والدعاة النيران معلنين انطلاق المرحلة العسكرية من الدعوة العباسية . وقد لعب خلالها أبو مسلم على التناقضات المندلعة بين نصر بن سيار وعلي الكرماني . وتمكن من دفعهما الى معاودة الإشتباك العسكري كلما بدت امكانية لنجاح التسوية بينهما. وبعد معارك ومطاحنات نجح في اسقاط نصر. وكان هذا السقوط ثمرة جهود شارك فيها جماعة من الخوارج والمرجئة واليمنيين والعباسيين و... كل هذا والسلطة المركزية في دمشق العاصمة، والسلطة الأموية في العراق التي تتبع لها خراسان، في حال من العجزعن مد يد العون لمواجهة الوضع نظراً لانشغالاتهما في مواجهة الأوضاع الناشبة في مناطقهما. ولم يلبث أن الحق أبو مسلم الكرماني بنصر . مما يعني خلو الساحة تماما له وللدعوة العباسية التي باتت تملك حرية الحركة كاملة، للقيام بالتعبئة في صفوفها وتنظيم الجيوش للزحف والتقدم للقتال. ومع هذا التطور ستنطلق القوى العباسية  نحو حسم مسألة الخلافة والسلطة.
                     والواقع أن الأوضاع العامة التي شهدتها الدولة الأموية في حينها كانت عبارة عن مسلسل متلاحق من الثورات العلوية والخوارجية وغيرها التي اندلعت في الصعيد والدلتا بمصر والشام والعراق وفارس ومكة والمدينة واليمن. ولا ننسى الانفجارات التي حدثت بين القيسية واليمينة في اكثر من موضع وشملت حتى بلاد الشام. اضافة الى الصراع المفتوح بين مروان بن محمد آخر خليفة أموي ومنافسه وابن عمه ابراهيم بن الوليد. إن مجموعة هذه الانتفاضات هي التي فعلت فعلها وقادت الى اسقاط الحكم الأموي . وقد أفاد أبو مسلم الخراساني من جملة الأوضاع هذه، وجهز قواه، واطلقها على نحو عنيف تكتسح المناطق التي استهدفها بتقدم جيوشه، وصولا الى الضربة القاضية التي وجهها لقوات الخليفة الأموي الأخير مروان بن محمد في العام 132 هجرية /750 ميلادية. لكن مروان وقبل سقوطه المدوي هذا ، كان قد نجح في كشف من يقف وراء هذه الثورة ممثلاً بابراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الإمام، فقبض عليه وسجنه ولم يلبث أن قتله في معتقله في حرّان. ويقال أن ابراهيم اوصى قبل وفاته الى أخيه أبي العباس عبد الله بن محمد الذي بويع له بالخلافة في الكوفة بعد سيطرة القوات العباسية المتقدمة عليها.  
                    من هنا يمكن القول أن الثورة العباسية استندت الى بنية تنظيمية متماسكة من خلال حلقات من الدُعاة والنقباء ومساعديهم وعلى رأسهم جميعاً الإمام. وتمكنت من انشاء ادارة دعاوية وسياسية وميدانية متفوقة. رغم ذلك ، هي في الوقت ذاته ثورة مركبة نظراً للانتظارات التي كانت تحملها شعوب وجماعات وقوى من وراء التغيير الذي تطمح الى تحقيقه . فقد انضوت في اطار صفوفها جماعات الموالي الذين ضاقوا ذرعا بالتعامل معهم كأبناء جواري أو درجة دنيا في المجتمع . كما استقطبت قوى متنوعة بينها القبائل اليمينة التي طالما صارعت من أجل مساواتها مع القبائل المضرية انطلاقا من الدور الذي لعبته في الفتوحات والمعارك الكبرى. ثم هناك الشيعة الذين درجوا منذ نشوئهم على اطلاق الثورات، وبذلوا من دماء قادتهم ومؤيديهم ما لا يحصى . ومعهم بالطبع كانت فرق المرجئة والقدرية والخوارج وغيرهم بما فيها الفرق الغالية التي لم تقتصر على بيئة الكوفة والبصرة بل تعدتها الى سواهما حيث برز الموروث الفارسي - الهندي باشكال عدة بينهم. كل هؤلاء وسواهم من فئات اجتماعية، ضاقت ذرعا بالفوضى المنفلتة من كل عقال، ساهموا في  الوصول الى هذه النتيجة .
                     لقد كانت نهاية العهد الأموي بعد حوالى 90 عاماً في الحكم عبارة عن مذبحة صافية طاولت هذا البيت فرداً فرداً. ولم تقتصر على الأحياء منهم ، اذ بلغت قبور موتاهم التي اُخرجت من مدافنها في التراب حيث جرى جلد الهياكل العظمية واحراقها ونثر رمادها . لكن ضراوة العنف ووحشيته لا تمنع من النظر الى تلك الدولة بما لها وما عليها... وما لها هو كثير، بالنظر الى ما توفر بين خلفائها من قادة كبار كمعاوية ومروان وعبد الملك والوليد وعمر ويزيد الثاني . هؤلاء قادوا القوى العربية التي انطلقت من عقالها، فاخضعت المزيد من المناطق شرقاً وغرباً لسلطانها بما فيه داخل فرنسا نفسها . إن تعريب الدواوين وصك النقود وغيرها من القرارات التي اعتمدتها طبعت وما تزال الى الآن تطبع المنطقة بطابعها العربي الخالص. ناهيك عن التطوير والتقدم الذي احدثته على الفنون والعمران وبناء المساجد والمدن وغيره. وعلى الرغم من الضراوة العباسية ومحاولة محو كل أثر لهذه الدولة ، الا أن الكثير من المعالم الحضارية التي أنشأتها في بلاد الشام و مكة والمدينة ، ناهيك بالمعالم الرائعة التي ما تزال حية في الاندلس والمغرب العربي ... كل هذه وسواها تعطي هذه الدولة وخلفائها حقهم بالتقويم الايجابي .  
  البيت العباسي ودولته:
 
    لم يشهد التاريخ العربي - الاسلامي في مختلف العصور السابقة دولة تشابه الدولة العباسية في ما وصل اليه المجتمع أو المجتمعات المكونة لها، من رقي وتقدم في مختلف الفنون والآداب والعلوم وسُبل العيش. ومن دون مبالغة يمكن القول أن هذه الدولة تفوقت على مثيلاتها في مختلف ارجاء عالم القرون الوسطى، بالنظر الى ما شهدته من تطور وثراء . وتعتبر عروبة هذه الدولة مختلفة عن عروبة الدولة الأموية . فالعروبة كما أرساها الأمويون هي عروبة العنصر العربي في مجال القيادة السياسية والحربية والقضائية. أما الدولة العباسية فقد كانت عروبتها فكرية اسلامية اندمجت فيها عناصر قومية مختلفة شكلت نسيجا فريداً عما سبقها وتلاها من عهود ودول. وطبيعي القول أن هذا النسيج المتنوع كان بقيادة العنصر العربي العباسي. ومشاركة عناصر أخرى متعددة أبرزها العنصر الفارسي الذي ساهم مساهمة كبرى في احتضان الثورة العباسية وحسم في انتصارها. وكذلك يسجل حضور العنصر التركي والهندي والبربري والكردي وغيرهم في مداراتها. هذا المزيج من العناصر هو ما يطبع الدولة العباسية بطابعه ، ومنه ستنبع عناصر قوتها وضعفها في الوقت ذاته. وعليه يمكن القول أنه تحت فضاء تلك الحضارة العربية - الاسلامية نشأت فروع عبرت عن المؤتلف والمختلف في ثقافات وحضارات الشعوب خلال تلك المرحلة. وقد تفاعلت هذه، أيا كان مصدرها ومنبعها في اطار اللغة العربية وعاصمة الخلافة العباسية بغداد. وهي مدينة يصعب الحديث عن مثيل لها في حينه وبعدها بقرون حتى. لقد طبعت هذه المدينة ثقافة العصور الوسطى بإيمانها وزندقتها ، بنصوصها الشعرية والنثرية ،وببذخها وسحرها، بمزاياها الفريدة وشخصيتها العالمية الخاصة. وهو ما نزال نتحسس بصماته في مختلف المجالات والفنون والآداب، عربية وغير عربية. ومن دون التفصيل في هذا الجانب الذي سنعود اليه لاحقاً لا بد من تقديم سياسي عام لتلك الدولة التي نشأت في أعقاب القضاء على الدولة الأموية.
     يُقسم عدد من المؤرخين تاريخ الدولة العباسية منذ بدايتها وحتى نهايتها الى أربعة عصور، لكل منها سماته الخاصة به. ومثل هذا التقسيم يحتاج الى تدقيق . اذ أنه ينطلق مما يعتبر أنه ضعف الخلافة والخلفاء الذين تناوبوا على الحكم تباعاً. ويبدأ الأول منها من عهد أبو العباس عبد الله السفاح 132- 136/750- 754 ميلادية وينتهي مع أبي جعفر هارون الواثق 227- 232 هجرية / 841- 847 ميلادية. ويبدأ العصر الثاني من أبي الفضل جعفر المتوكل 233- 247هجرية /847- 861 ميلادية وينتهي مع أبي القاسم عبد الله المستكفي عام 333- 334 هجرية /944-945 ميلادية. أما الثالث فيبدأ من المستكفي لينتهي مع أبي جعفر عبد الله القائم 422-467هجرية/ 1031- 1075 ميلادية . أما العصر الرابع والأخير فيبدأ من القائم لينتهي مع أبي أحمد عبد الله المستعصم 640- 656 هجرية / 1242- 1258 ميلادية، أي في أعقاب الغزو المغولي وتدمير بغداد. هذا هو التقسيم المعتمد لدى عدد من المؤرخين للدولة العباسية . لكن هذا التقسيم لا يفي بالغرض من زوايا متعددة ، ويغرق القارئ في فيض من الأسماء والألقاب دون ادراك الطابع الفعلي لتلك الدولة وما شهدته من احداث كبرى تنوعت ساحات ومسارح.
   لكن الأجدى والأكثر فائدة هو تقسيم الدولة العباسية الى ثلاث مراحل. الأولى منها هي مرحلة الدولة المركزية، والثانية هي مرحلة الدويلات. أما الثالثة والأخيرة فهي مرحلة التحلل والاضمحلال. وقد انجدلت المرحلتان الأخيرتان وتفاعلتا وصولاً الى الخاتمة المعروفة من زوال تلك الدولة.   
     في المرحلة الأولى نلحظ عدداً من اسماء الخلفاء الكبيرة واللامعة في هذه الدولة أمثال: أبو جعفر المنصور وهارون الرشيد والمأمون والمعتصم و... بالطبع المهمة الأبرز مع بداية كل تغيير في هرم وبنية السلطة هو استعادة الإمساك بزمام بالأمور بعد مرحلة الفوضى والثورة. وهو ما مثل التحدي الأول امام الثورة المنتصرة المطالبة بالتحول الى دولة لها انظمتها ومؤسساتها وقوانينها. وقبل ذلك كله لها قواها المجربة القادرة على ممارسة الحكم وتدبير شؤونه. وقد تميز من ذكرناهم من الخلفاء بقدرات قيادية سياسياً وادارياً تمكنوا من خلالها وفي غضون فترة قصيرة نسبيا، وفي دولة مترامية الأطراف من الحفاظ على وحدة الدولة وإخماد الفتن والثورات. والتي نشبت كما أسلفنا في القسم الأخير من عمر الدولة الأموية، واستمرت في مطالع الدولة العباسية. وهنا جرى استعمال العنف المضاعف ومن دون أدنى رحمة في قهر المعارضين مهما كانت نسبتهم وانتماءاتهم ومواقعهم. ومثل هذا الوضع لا ينطبق على القوى التي تضمر شراً بالتغيير الذي حدث في بينة الدولة، بل يشمل كثيرين من الذين كانوا في صلب عملية الثورة والتغيير. والحقيقة أنه لم يكن بالأمر الهيِّن على السلطة الجديدة السيطرة على الجهازين السياسي والعسكري اللذين نظما وقادا الثورة. وهو أمر مازال يمثل تحدياً في عالم الثورات اليوم في ضوء التغييرات الكبرى الشاملة التي تحدث هنا وهناك . ومما يزيد من صعوبة ذلك أننا ازاء شخصيات لها دورها القيادي في الثورة ونفوذها في بناء الدولة. ويتبع لها جمهورها الذي تولت الدفع به في عملية الثورة وسط تلك المنعطفات الخطرة. رغم ذلك فقد تمكن الخليفتان الأول والثاني من القضاء على من يمكن وصفهم بحسب التعبير السائد اليوم "مراكز القوى". وهي مراكز نشأت خلال الثورة في الجهازين السياسي و العسكري على حد سواء. وكان من شأن استمرارها في مواقعها منافسة الخليفة وحدانية سلطته.
    فقد قضى أبو العباس السفاح على منافسه السياسي أبي سلمة الخلال الذي اراد أن يجعل منه خليفة أسماً، بينما يتولى هو نفسه قيادة المرحلة. هذا اذا افترضنا عدم صحة ما يشاع لدى بعض المؤرخين من أن أبا سلمة حاول نقل السلطة من العباسيين الى العلويين، وراسلهم لنقل البيعة لهم وصرفها عن أصحابها بني العباس. اذن أمكن ازاحة عقبة أساسية في وجه وحدانية مرجعية صاحب القرار بما هو الخليفة العباسي ، الذي آلت اليه الوصية بالإمامة من سابقه ابراهيم. أما خليفته أبو جعفر المنصور فقد وصل الى الحكم وأركان الدولة وهيبتها ما تزال طرية العود وهشة. ولم تتحقق بعد عملية مركزة القرار في يد الخليفة . وهنا واجه المنصور خطران احدهما من داخل البيت العباسي، والثاني من خارجه. لكنه لا يقل خطراً عن الأول إن لم يكن يتفوق عليه. وتبعاً لما عُرف عنه من دهاء ومكر فقد تمكن من استعمال ما يتوفر لديه من قوى من اجل التخلص منهما تباعاً.
   ففي اعقاب وفاة  الخليفة أبو العباس حاول عمه عبد الله بن علي انتزاع الخلافة من أبي جعفر. وعبد الله هذا هو من قاد الجيش العباسي في معركة الإنتصار على مروان بن محمد آخر خليفة أموي في معركة الزاب قرب الموصل. عملية البيعة بالخلافة له والتي أخذها من جنوده رفعت التحدي الذي يمثله الى مستويات غير مسبوقة . وازاء مثل هذا الوضع كان أبو جعفر المنصور يفتقد قائداً حربياً مجرباً يفوق ما عليه عمه من مهارة سياسية وقتالية. ولم يجد لمثل تلك المهمة سوى أن ينتدب اليها قائده أبو مسلم الخراساني. ولم تكن العلاقة بين الرجلين على قدر من الانسجام لتدفع بالأخير الى قيادة الجيش في مواجهة عم الخليفة. لكن الطريقة التي اعتمدها الخليفة أبو جعفر جعلت من أبي مسلم مرغماً على قيادة الجيش في مواجهة منافس الخليفة وعمه. وبعد معارك ومناورات نجح أبو مسلم  في الحاق الهزيمة بخصمه الذي توارى. لكن هذا الانتصار سيزيد من مخاوف الخليفة باعتبار أن حياة وموت التجربة والخلافة العباسية بات مرهوناً بشخص أبي مسلم دون سواه. واذا عطفنا هذا الانتصار الى ما سبقه من انتصارات خطط لها وادارها ابو مسلم، يتبين مقدار الدور الذي يملكه صاحب هذا السجل الحافل من المعارك بدءاً من اعلان الثورة حتى انقاذها من عم الخليفة . وكانت المزيد من الشكوك تساور الخليفة الذي يضمر النيل من منقذه وعدوه. وبعد مناورات من الطرفين نجح الخليفة في نصب فخ لإبي مسلم بعد أن استدعاه الى قصره . ومع أن أبا مسلم كان يتوجس من اللقاء شراً، الا أنه وجد نفسه مساقاً الى الحضور هذه المرة أيضاً. باعتبار أن البديل المتوفر أمامه لم يكن سوى شق عصا الطاعة والخروج على الخليفة الذي وطأ له بنفسه الأمور. وهكذا ذهب الى حتفه بظلفه كما يقال، فأصدر الخليفة أوامره لحراسه بقتله منهياً اسطورة كبرى من المهارة القيادية في بناء الدولة العباسية.
   وبذلك يكون الخليفة أبي جعفر قد استعمل أبا مسلم في الحاق الهزيمة بعمه . الذي فر أولاً لكنه قبض عليه الخليفة لاحقا فسجنه لبعض الوقت. ثم اصدر اوامره بقتله في سجنه رغم العهود القاطعة التي تعهد له بها في الحفاظ على حياته. وهي العهود التي تولى صياغتها عبد الله بن المقفع، أبرز مثقفي تلك المرحلة، والذي سيذهب هو الآخر ضحيتها. أما القضاء على أبي مسلم فقد انطلق الخليفة فيه من أعتبار أن لا قدرة له على ممارسة السلطة بوجود أبي مسلم قائدا على قيد الحياة. وهكذا لم تنفع للأخير انجازاته في الحفاظ على حياته . لقد تصرف أبو جعفر على أن مهام أبي مسلم قد انتهت بأدائه ما كُلف به. وبات التخلص منه ضرورة للمصلحة العليا للخلافة. وعملية قتل أبي مسلم بالطريقة التي تم بها وبعد الانتصارات التي احرزها، تركت بصمات سلبية واضحة على الفرس الذين اعتبروا الدولة العباسية دولتهم بهذا الشكل أو ذاك، نظراً لمساهمتهم في تأسيسها. ففي أعقاب مقتله ظهرت حركات دينية وسياسية قومية جعلت من هذا القائد الصريع رمزاً من رموز القومية الفارسية المغدورة عربياً. وقد عبروا من خلال الحركات عن رفضهم ومعارضتهم للسلطة العباسية وممارستها.
   على أن محاولة العم وطموحات أبي مسلم لم تختصر متاعب المركزة التي لا بد منها أمام  الخليفة لقيادة التجربة. اذ في خلال حكمه ظهرت محاولات متجددة من جانب الفرع العلوي للخروج على الدولة الناشئة. وبرز في هذا المجال تحرك تولاه كل من الشقيقين محمد بن عبد الله بن الحسن المعروف بالنفس الزكية وشقيقه ابراهيم. خرج أول الأخوين في المدينة وثانيهما بين الأهواز وفارس والمدائن. وينتسب محمد وابراهيم الى الفرع الحسني من آل البيت . وقد استطاع المنصور القضاء عليهما في غضون عامين متلاحقين بعد أن هددا مصير دولته التي كانت في حينه ما زالت في مرحلة التشكل. وكان قد رافق هذا الخروج مراسلات بين محمد وأبي جعفر . وتعتبر تلك المراسلات من أغنى المصادر في عرض كل منهما لرأيه والدفاع عن حقه في الخلافة ورؤيته لدور السلطة ومفهومها في الدولة الاسلامية.
    أما الفرع الحسيني وأبرز رموزه آنذاك كان الإمام جعفر الصادق، فقد تفرغ للعلوم الدينية اكتساباً وتدريسا وتعميقاً للفكرالشيعي الذي خطا خطوات الى الأمام على يديه بعد الفوضى التي عرفها في العصر الأموي. اذن تمكن كل من أبي العباس وأبي جعفر من حسم تركيز السلطة في يد كل منهما . ولعل هذا بالضبط ما جعل العهد التالي لهما مختلفاً عن عهديهما لجهة  تلك القسوة، وذلك العنف الذي رافق حكمهما السابق. وعليه فان عهد المهدي وهو ثالث الخلفاء، يوسم بأنه عهد اللين بعد البطش والقمع . وكان الإجراء الأول الذي اعتمده المهدي هو رد الأموال التي صادرها ابوه الخليفة السابق الى اصحابها . وهذه في معظمها تعود الى العلويين. وقد صادرها أبو جعفر رداً على خروج محمد النفس الزكية وأخيه ابراهيم على حكمه. كما واطلق المهدي المعتقلين السياسيين من السجون. وغالبية هؤلاء من العلويين ومؤيدي آل البيت، ومن الخوارج وغيرهم من المعترضين. وعمل على استرضاء اهل الحجاز والشام بعد العقوبة الشديدة التي أنزلها أبوه بهم وقضت بحرمانهم حقهم في العطاء. مما ادى بهم الى ضائقة اقتصادية وارتفاع الأسعار عن مثيلاتها في بلاد الشام ومصر . وقد منع أبو جعفر ضمن سياسته هذه من تصدير مصر والشام الحبوب الى الحجاز، مما رفع الأسعار الى حد كبير، ومعاناة قاربت حدود الجوع . وتحقيقا لتلك الانفراجات أبطل المهدي الاجراءات السابقة . ثم توج توجهه هذا بزيارة دمشق وبيت المقدس. واولى اهتمامه الى التجارة، ومهد الطرق وزودها بالآبار والاستراحات خصوصا تلك المتجهة الى الحج وغيرها . وشدد المهدي في مطاردة الزنادقة وانشأ ديواناً خاصاً سماه ديوان الزنادقة كان اختصاصه ملاحقتهم والرد الفكري على متكلميهم . وقام كما سابقوه بتفعيل الغارات على البيزنطيين. وبلغ من جرأته أنه حاول السيطرة على القسطنطينية ونظم حملة عسكرية تولى قيادتها ابنه هارون الرشيد لهذا الغرض. ونظراً لكثافة الجيش اضطرت الإمبراطورة ايرين الى الخضوع لشروطه بدفع جزية سنوية، وتبادل الأسرى، وعقد صلح لمدة ثلاث سنوات .
   أما خليفته هارون الرشيد فهو الأشهر بين زعماء عالم العصور الوسطى وخلفاء بني العباس دون منازع. وكان هذا الخليفة سياسياً بارعاً شديد الإهتمام بشؤون رعيته، مغرماً بالشعر والأدب والفنون بأنواعها والوانها. مقابل هذه الصفات كان من أشد الخلفاء حزماً وقدرة على اتخاذ القرارت. ويعتبر عصره هو العصر الذهبي للدولة العباسية . وقد طبقت شهرته الآفاق شرقاً وغرباً من خلال ممارساته وما ورد عنه في حكايا "الف ليلة وليلة ". وقد حاول خلال حكمه متابعة سياسة الملاينة واستقطاب العلويين الى صفوفه ومؤيدي حكمه . الا أنه في الوقت نفسه تابع سياسة التصدى للخوارج والمعارضين والمعترضين على سلطته. وفي عهده ورغم قوة وهيبة الدولة بدأت تتشكل طلائع الدويلات في افريقيا. وظهرت دولتا الأغالبة والأدارسة خلال حكمه . ويؤخذ على الرشيد نكبته البرامكة الذين تمتعوا تقريبا بسلطات شبه مطلقة في الشطر الأول من عهده. وقد بلغ من قوة نفوذهم أن معظم رجالات الدولة كانوا من أتباعهم وصنائعهم . ولعل هذا دون سواه هو ما دفع بالرشيد الى نكبتهم، بعد أن شعر مدى قوة قبضتهم على الرجال والادارات مما استوجب التخلص منهم . بالمقابل كان شاعراً بمدى ضعف تأثيره على ادارة دولته وقراراتها في ظل هيمنتهم. ويعتقد البعض أن سبب النكبة ليس منافستهم الخليفة في صلاحياته، بل لميل البرامكة للطالبيين وشعوبيتهم الفارسية على حساب العنصر العربي. اضافة الى سيطرتهم المطلقة على مالية الدولة. أن مجمل هذه الخطوات أيا كان التقييم لها سلباً وايجاباً ستمكن الخليفة الرشيد من السيطرة على مقاليد الأمور بيد من حديد وحرير. ومن خلالها يستطيع اعتماد سياسة دفاع وهجوم مع الأعداء . فقد حصن الثغور الاسلامية مقابل الحصون البيزنطية.  وعندما خلع نقفور الامبراطورة ايرين وحل محلها على رأس الإمبراطورية البيزنطية طالب الرشيد باعادة ما دفعته ايرين من جزية مطمئناً الى التحالف الذي عقده مع الثائر على الخليفة العباسي بابك الخرمي . لكن التحركات العسكرية التي لجأ اليها الجيش الاسلامي وتهديده منطقة جنوبي آسيا الصغرى أعادته الى دفع الجزية .
  والمعروف عن الرشيد اأنه نسج علاقات ودية مع الفرنجة. وتشير المصادر الأوروبية الى أنه جرى تبادل الوفود والهدايا بين هارون الرشيد و شارلمان الفرنسي. ومن شان مثل هذه العلاقات ان تفتح السبيل أمام علاقات تجارية بين الطرفين. بعيد وفاة الرشيد انفجر النزاع بين الأمين والمأمون. وهو الصراع الذي  اعتبره كثيرون بمثابة صراع على الحكم بين العنصرين العربي والفارسي. وبعد فترة من المراسلات بين الأخوين حول قضية ولاية العهد وصلاحيات الخليفة عمد الخليفة الأمين الى وضع أخيه المأمون في المرتبة الثانية بعد ابنه في الحكم. وبرزت لكل منهما مناطق نفوذ ومؤيدين في قطعات الجيش وبين العامة . وتفاقم التوتر بينهما وعُبئت الجيوش التي اشتبكت في قتال حوصرت بغداد خلاله . وكانت نتيجة المعارك لصالح المأمون، وسقط الأمين اسيراً ثم قتيلاً. وقد واجه المأمون حركات علوية وثورية وانتفاضات في اجزاء متفرقة من الدولة لم يستطع القضاء على بعضها. اما الجبهة مع البيزنطيين فقد كانت شبه راكدة مع استثناءات محدودة.
وما يسجل للمعتصم الذي حل بعد رحيل المأمون هو ظهور العنصر التركي على مسرح عاصمة الخلافة بغداد. فقد أدخلهم هذا الخليفة في خدمته بهدف الموازنة بين العنصرين العربي والفارسي والضغط عليهما معاً . فالمعتصم لم يثق بالعنصر العربي أو الفارسي على حد سواء. وهو ما دفعه أولاً الى استحضار فرقة تركية حصل عليها من الأسر وبالشراء لتأمين سلامته الخاصة. وخصها بالميزانيات والامتيازات والنفوذ. وأناط بها مهمة قيادة الجيوش واسكنها مدينة سامراء (سُرَّ من رأى) التي بناها خصيصا لهؤلاء، بعد أن عمت الشكوى سكان بغداد من تصرفات هؤلاء الجنود .
   والملفت أن عهد المعتصم شهد تصاعداً في المواجهات مع القوات العسكرية البيزنطية بعد سنوات من الهدوء والسلم . وكان الامبراطور تيوفيل قد اخذ بالتخطيط لاستعادة جزيرة صقلية من ايدي المسلمين. المهم أن إغارته على منطقة الفرات وسيطرته على مسقط رأس والدة الخليفة المعتصم مدينة "زبطرة" وأسر من فيها من المسلمين وسبي نسائهم واحراق عدد من المدن غيرها، أشعل نار الحرب بين الطرفين على نطاق واسع. وكان المعتصم يدرك ان هناك تحالفا بين بابك الخرمي وثيوفيل. فعمد بداية الى القضاء على الأول كي يتفرغ للثاني . وقاد جيشه متجهاً صوب عمورية مسقط رأس الامبراطور ثيوفيل. ودخل المنطقة من ثلاث محاور واجتمعت الجيوش الاسلامية امام انقرة وانزلت بها الخراب . وفشلت محاولة الامبراطور التصدي لإحدى الفرق الاسلامية ومُني بهزيمة اضطر بعدها الى التراجع. وارسل يطلب الصلح معتذراً عن تدمير زبطرة. لكن المعتصم رفض الصلح وتقدم الى عمورية واكتسحها ودمر اسوارها وأمر بالمقابل بترميم زبطرة وتحصينها . بعدها تم عقد الهدنة بينهما.
إن الهدف من هذا العرض المختصر تبيان أن الدولة العباسية خلال مرحلتها الأولى تمكنت من استعادة القرار من مصادره الداخلية والخارجية. وكانت تملك من القوة ما تستند اليه في الحفاظ على اجزاء الدولة المترامية. الا أن اتساع رقعة البلاد وصعوبات النقل والانتقال وانعدام القدرة على تحريك الجيوش سيطلق عصر اللامركزية على نحو جلي . وما يلفت النظر أن هذه الدولة سرعان ما وقعت بما اصاب الدولة الأموية من صراعات داخل البيت العباسي. وفي معظم الأحيان من مدخل ولاية العهد وما تشهده كل عملية نقل للسلطة من توترات وانفجارات. وهو ما قاد الى ضعضة عصبيتها الأساس وهز هيبتها وتفكيك عناصر قوتها. ان العهود العباسية اللاحقة على مرحلة التأسيس والإزدهار التي تناولنا معالمها السياسية العامة هي عهود شهدت تحلل وحدة الدولة تارة عبر السلطات المحلية المتزعمة وطورا بواسطة الثورات. وهي ثورات بلغت من الاتساع بما يذكر بما عانته الدولة الأموية قبلاً. وقد أدت مجمل هذه الأوضاع، التي شغلت حيزاً لا يستهان به الى اضعاف مشروع الدولة، وعجزها عن ممارسة سيادتها على الاقاليم البعيدة والقريبة على حد سواء بما فيها العاصمة بغداد أحياناً كثيرة.   
دويلات وتفكك :
 
   اشرنا بداية الى اعتماد الخليفة المعتصم على العنصر التركي بعد أن فقد دعم العنصرين العربي والفارسي على حد سواء. وبنائه سامراء قرب بغداد لهم . والأرجح أن العنصرين المذكورين وبعد فترة من تأسيس الدولة العباسية لم يجدا فيها ما كان يطمحان اليه من عدالة ومساواة وتطور. فأخذا بالابتعاد عن المساهمة في مؤسساتها شيئاً فشيئاً وكل على طريقته. أما الشيعة الذين اعتبروا العباسيين قد سرقوا حقهم بالخلافة وشعاراتهم وثورتهم وما راكموه من نضال في مختلف الميادين، فقد أعلنوا منذ البداية رفضهم العمل في خدمة الخلفاء ودوائر الدولة كافة. وقد بلغ الأمر أن العلويين كانوا يرون في العباسيين نسخة مشابهة ومطابقة للأمويين الذين ثاروا عليهم. وبديهي القول أن العسكر الأتراك الذين استعان بهم المعتصم لتثبيت مركزه يعود في جانب منه الى الإنزياح عن الحكم العباسي من جانب الفرس. فقد فقد هؤلاء أبرز لهم هو أبو مسلم الخرساني. وأما العرب فلاحظوا ثقل حضور العناصر القومية الأخرى على حسابهم. وبديهي في مثل هذا الوضع أن هؤلاء الجنود المجلوبين لم يعودوا مجرد قوة عسكرية ، اذ باتوا قوة سياسية نافذة مارست تأثيرها العام، بما فيه على الخلافة العباسية نفسها الذين تم الاستعانة بهم لخدمتها. وهي السلطة التي ستصبح بعد فترة من الزمن اسيرة نفوذهم ونفوذ سواهم من قوى مماثلة .
   والمركزية التي فرضتها الدولة العباسية لم تستغرق سوى فترة قصيرة تصل في أحسن التقديرات المتفائلة الى حوالى ثمانين عاماً. علماً أن خروج الإندلس حدث في مرحلة مبكرة جداً. وكل هذا يعني أن قوة الدفع التي حملتها من الثورة كانت قصيرة بالقياس الى أعمار الدول الكبرى المعروفة. واذا كان هذا الأمر يعبر عن شئ، فإنما يعبر عن نمو النوازع القبلية والإقليمية والمناطقية والقومية والوطنية والشخصية ، وعجز السلطات التي انتجتها الخلافة العباسية عن العثور على علاج لمثل هذه المشكلات المحتدمة . وهو ما فتح الباب أمام شتى المحاولات لبناء دول على حساب سيادة الدولة العباسية . وقد باتت الأخيرة أشبه ما تكون بمعطى إسمي مجرد من الفاعلية والدور. مجرد شكل فارغ المضمون تتراكم تحته شتى أشكال الانفصال والهيمنة بما فيه على الخلافة نفسها. ومن المعروف أن العديد من تلك الدول لم تصل الى حد القطيعة مع هذه الخلافة باعتبارها السلطة الشرعية التي تملك الموروث الشرعي الديني - السياسي. وعليه فقد حافظ بعضها على خيوط هشة لا تتعدى الدعاء للخليفة خلال خطبة الجمعة وصك النقود باسمه حيناً، وفي الأغلب باسم المتسلط على الحكم . لكن اكثرها من الناحية العملية كان لها جيشها وسياستها ونقدها واقتصادها المستقل تقريبا عن الدولة وعاصمتها بغداد. هذا اذا افترضنا أن بغداد ظلت هي هي كالتي أنشأها الخليفة أبو جعفر المنصور . علماً أن الخلافة انتقلت منها الى سامراء حوالى خمسين عاماً بعد أن باتت الأخيرة مقراً ومستقراً للعصبية التركية . التي سرعان ما أمسكت بزمام الأمور. وبات تعيين الخليفة وعزله مهمة من مهام هذه العصبية العسكرية وسواها لاحقاً.
   لا يعني ذلك أن الخليفة العباسي ارتضى بسهولة وطواعية مثل هذا الوضع ، بل على العكس من ذلك ما حدث . فقد حاول أكثر من خليفة مواجهة مثل هذه القبضة، لكنه عجز عن تحجيم نفوذ المتغلبين على حكمه. ودوماً وجد هؤلاء من بين افراد البيت العباسي من يستعينون بهم ويستعملونهم كواجهة شكلية للإمساك بمقاليد الأمور فعلياً. وكانت الحصيلة غالباً هي التخلص من شخص الخليفة المعترض لصالح من هو أكثر طواعية من سابقه. والملفت أن هذا التنازع على السلطة بين مراكز القوى الشرعية وقوة الأمر الواقع كان كثيرا ما يتحول الى مواجهات عسكرية . قد يكون مسرحها بغداد أو غيرها من المدن والمناطق. وفي مثل هذا الوضع من التفلت الأمني تتراجع هيبة الدولة وحضورها على مستوى الداخل، وعلى صعيد العلاقات الدولية مع الخارج أياً يكن . وبديهي القول أن حركة الفتوحات ونتيجة تشتت القوى وانشغالها في ادارة الأوضاع خدمة للمتنفذين في مواقعهم، وتآكل الإمكانات المادية المتوفرة للجيش، تتقلص هذه الحركة حتى الحدود الدنيا . وما يتبقى ليس أكثر من مبادرات فردية عارضة وقصيرة النَفَس ومحدودة النتائج والأثر.
    والواقع أن ما عانت منه الخلافة العباسية كأمر واقع سرعان ما تحول الى معطى معترف به ورسمي له رسومه وقوانينه ونظريته . ولا يغير من هذا الواقع المأساوي سلسلة الألقاب التي أُسبغها الخلفاء على انفسهم . ومثلهم قادة الجيوش والأمراء والمتزعمين . إن هذه الألقاب التي تتالت في مختلف عهود الخلفاء ورغم البهرجة والتفخيم والإطناب اللغوي الذي حصده أصحابها، كانت تخفي تزعزع هيبة الدولة وفقدانها ركائزها وقرارها الموحد. إن الألقاب التي أطلقها الخلفاء العباسيون على أنفسهم أو أطلقها المقربون منهم عليهم، عبرت عن هشاشة مواقعهم وأدوارهم في ادارة الدولة ، خلافا لسابقيهم من الخلفاء الكبار المؤسسين . ومن المعروف أن مرض الألقاب هذا سرعان ما أتسع ليصل الى اصحاب مراكز القوى الفعلية . وهكذا برزت مسميات تستنجد باللغة وبلاغتها للإيهام بما هو مخالف للواقع. و قد عبرت هذه الألقاب  في جانبها الجلي عن تراجع نفوذ الخليفة وتحوله الى مجرد العوبة يسهل تحريكها بناء على رغبات مراكز القوى التي باتت عملياً تستأثر بالقرار. وكان على الخليفة الإنصياع والتنفيذ والتقيد بما يُطلب منه ، والا فان مصيره حجز مخصصاته والعزل والسجن وسمل العينين والاذلال وصولاً الى عمليات القتل العلني بهذه الطريقة البشعة، أو تلك الوسيلة السرية . أما المتغلبون فكانوا هم الآخرين يدركون مدى حاجتهم الى شكل من الشرعية، فعمدوا الى تفخيم اوصافهم لتغطية واقعهم في عيون المحكومين في مناطق نفوذهم وهيمنتهم.
دولة صقر قريش الأموية:
 
   كان قيام الدولة الأموية في الاندلس أولى الانشقاقات الفعلية عن الدولة العباسية. ففي اعقاب المذابح التي لاحقت الأمويين الى قبورهم بعد انتصار الدعوة العباسية، وقيام دولتهم استطاع عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الفرار متجهاً الى بلاد المغرب، عازماً على تأسيس دولة هناك . ولما وجد صعوبة في تحقيق ذلك في المغرب، اتجه نحو الاندلس بعد تمهيد حصل خلاله على تأييد من اليمنيين المتذمرين من سيطرة القيسيين على البلاد . وقد نجح عبد الرحمن في اعادة احياء الدولة الأموية في الإندلس وبجعلها دولة مستقلة عن الخلافة العباسية في العام 138هجرية / 756 ميلادية. أي بعد ست سنوات على قيام الخلافة العباسية. ومن المعروف أن الاندلس فُتحت في العام 93 هجرية /712 ميلادية خلال عهد الوليد بن عبد الملك. و أشرف على التنفيذ واليه على شمالي افريقيا موسى بن نصير. وتولى المهمة ميدانياً على الأرض قائده طارق بن زياد ، الذي ما يزال الى الآن اسمه على جبل طارق المواجه للأراضي المغربية من اسبانيا. وهو الجبل الذي يعتبر مدخل البحر المتوسط من المحيط الأطلسي وبالعكس.  وقد وصف الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور عبد الرحمن هذا ب"صقر قريش"، لنجاحه في تأسيس دولة على الاراضي الإندلسية بعد أن خرج من بلاده شريداً طريداً مهدداً بالملاحقة والقتل من جانب العباسيين وقواتهم.
   وقد تمكن عبد الرحمن خلال حكمه من بناء أجهزة ادارية وعسكرية لادارة تلك الدولة. واستقطب اليه الأشخاص المؤهلين الأكفياء. وضمنهم كان المطاردون من أجهزة الدولة العباسية . فجعل من هؤلاء نواة حكمه متبعاً سياسة توازن قبلية لتأمين لُحمة متماسكة خلف مشروعاته. وقد تعقب عبد الرحمن خصومه، وهادنهم في لحظات السلم. وحسم في القضاء على من يتطلب الأمر القضاء عليه لدى تهديده سلطته . وهكذا حتى استقام له أمر الحكم دون منازع . ولكن القضية التي شغلته أكثر من سواها كانت هي مواجهة المؤمرات العباسية التي تستهدفه. ولم يكن بمكنة الدولة العباسية الناشئة والمتعددة الإنشغالات في حينه ايفاد قوة عسكرية لقتاله وهو على مبعدة منها. وعمد أبو جعفر الى اختيار المواجهة غير المباشرة معه . وشجع العديد من  المحاولات للتخلص من خصمه هذا. وقد دعم محاولات تآمر وثورات عليه . لكن لم يُكتب لإي منها النجاح والنفاذ. وبعد فشل محاولات أبو جعفر هذه، عبر أدوات محلية توقف عن هذه السياسة نسبياً ، مع استمرار العمل بأشكال عدة على إضعاف هذا الحكم الأموي الذي نبت في أرض بعيدة أن تطالها قبضته.
لقد مرت الدولة الأموية في الإندلس بمراحل عدة تحولت خلالها الى مشروع خلافة ضمن تصور قوامه العمل على استعادة الخلافة الأموية التس سقطت في مسقط رأسها في بلاد الشام. ومرت بما عُرف بمرحلة دول الطوائف وملوكها، قبل مرحلة السيطرة المغربية ، وانتهاءاً بمرحلة حكم بني نصر أو بني الأحمر التي تعتبر آخر مرحلة اسلامية – عربية في اسبانيا. لقد سقطت دولة العرب في الإندلس أخيرا في ايدي فرديناند الخامس ملك قشتالة وايزبيلا ملكة أراغون بعد اتحادهما في العام 897 هجرية / 1492 ميلادية . وكان آخر عهد هو عهد محمد بن علي بن سعد أبو عبد الله من بني الأحمر.
... ودول فارسية:
 
    يمكن وصف الدول الطاهرية والصفارية والسامانية الثلاث بأنها دول فارسية الى هذا الحد أو ذاك . ويعبر قيام هذه الدول الثلاث عن نمو وازدهار القومية الفارسية على الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية واللغوية. ونشوء السلطات اللامركزية على حساب الخلافة العباسية امر له معانيه ودلالاته الكبرى . وقد نهضت الدولة الأولى في بلاد فارس . وكان قيامها بموافقة من الخليفة . وقد أسسها طاهربن الحسين، وسرعان ما توسع نطاقها لتشمل بغداد وتصل حتى حدود الهند شرقاً. وكانت مدينة نيسابور عاصمتها . وقد عبر طاهر عن نزعته الإنفصالية بخلع المأمون من الخلافة، والتخلي عن اللون الأسود، ومنع الدعاء للخليفة في المساجد. لكن دولته هذه لم تستطع الصمود على عهد خلفائه فسقطت في ايدي الصفاريين .
   أما الدولة الصفارية فهي بمثابة تعبير آخر عن تنامي الحركات الانفصالية. وقد أسسها يعقوب بن الليث الصفاري (254هجرية / 868 ميلادية) . وأفاد من انشغال الخلافة العباسية في القضاء على ثورة الزنج فضم بلاد فارس ووسع نفوذه الى خرسان وسجستان والسند ومكران...ولما أعرب الخليفة عن رفضه لما أقدم عليه ضاعف من التحدي عبر الزحف باتجاه بغداد. وعندها شعرت الخلافة بضعفها عن مقاومته، وإستجابت لطلباته وكرسته حاكماً على ولايات المشرق وسلمته مسؤولية شرطتي بغداد وسامراء وأبطلت لعنه أمام الحُجَّاج. أي أنها عملياً قلدته الكثير من مقاليد الأوضاع الداخلية في قاعدة سلطتها. ولكن الخلافة في الوقت ذاته عملت على دعم قوة موازية تحت قيادة نصر بن أحمد الساماني. واستطاعت الخلافة القضاء على تلك الدولة في عهد أخي يعقوب عمرو ووقعت مناطقها تحت سيطرة احمد بن اسماعيل الساماني . وقد بسط السامانيون وهم ينتمون الى عائلة فارسية عريقة ، سلطتهم انطلاقا من عاصمتهم الري على مناطق ما وراء النهر وفارس وخراسان وطبرستان والري وسجستان. واستمرت هذه الدولة بين                     261و389هحرية / 874- 999 ميلادية . وقد اعتمدت هذه الدولة هي الأخرى سياسة انفصالية وأحيت اللغة والثقافة الفارسية . مع ذلك نظرت اليها الخلافة نظرة ايجابية واعتبرت قادتها ولاة صالحين ومنحتهم استقلالا وسيادة على مناطق سيطرتهم . لكن هذه الدولة سرعان ما تلاشت جراء خلافات داخل الإسرة السامانية، وضغوط خارجية متعددة المصادر.  ثم حدث أن سيطر الغزنويون على قسم من ارضها، وكان القسم الآخر من نصيب الأتراك .
الدويلات في مصر والشام والعراق:
 
اذا كانت الدول السابقة عبرت عن نزعة انفصالية فارسية وتمحورت مناطق نشوئها في بلاد فارس وحولها ، الا أن هذه النزعة لم تقتصر على العنصر الفارسي. اذ طالت قوى وجماعات في العديد من المناطق ومختلفة لجهة الانتماء العرقي الأصلي. مما يعني أن السعي نحو الانفصال بات أمراً ممكنا وسهلاً. ومن دون أن ينحصر في التعبير عن النزوع الى الجانب القومي. والواضح من خلال مجريات الأمور أن تفكك الدولة اصبح ساري المفعول والنفاذ بمجرد توفر قوة ما، ولو متواضعة، تسعى نحو بلوغ مثل هذا الهدف. وكانت هذه القوى حاضرة تستفيد واستفادت من ضعف الخلافة وهزالها. وكان عجزها عن مواجهة مثل هذا الوضع التقسيمي الذي لم يتم ايجاد أي نوع من العلاج له بالغ الوضوح . وينطبق مثل هذا الوضع على الدولة الطولونية وسواها.
وقد أسس الدولة الطولونية أحمد بن طولون . وأحمد بالأصل توجه الى مصر موفداً من الخليفة المعتز ليحكمها ممثلاً عنه وباسمه . لكنه أفاد من تدهور الأوضاع ليحكمها باسمه الخاص ودون حاجة الى غطاء الشرعية بحصوله على التكليف من جانب الخليفة.  وقد بلغ من عجز السلطة العباسية أن الخليفة المهتدي الذي كان يتسلم زمام الأمور حينها، بدل أن يعاقبه، ضم اليه الثغور الشامية. وبات أحمد هو الحاكم المباشر من قبل الخليفة على مصر والشام معاً. وعبَّر ابن طولون عن طموحه لاقامة دولة خاصة به بتأسيس مدينة القطائع في الفسطاط القديمة، وبنى فيها مسجده القائم الى الآن. وأطلق الكثير من الأعمال العمرانية وبناء السدود والجسور وما شابه من أعمال عامة. كما نظم جيشاً لمساندته في تحقيق ما يصبو اليه من استقلال وسيادة . وتطلع الى شمول الشام مع مصر تحت حكمه وحقق ذلك. ولما نشب الخلاف بينه وبين الخليفة بات بإمكانه أن يرفع التحدي الى مستوى أعلى بمحاولة نقل الخلافة من بغداد الى مصر . وكما فشلت محاولته هذه، فشلت محاولة الخليفة في القضاء عليه، وعلى ابنه وخليفته خمارويه . وعلى قاعدة هذا التوازن أمكن الوصول الى تسوية مع الإبن قوامها سيطرة الطولونيين على مصر والشام والثغور لمدة ثلاثين عاماً، مقابل مبالغ مالية رمزية تدفع سنوياً عنها لخزانة الخلافة. واضطربت أوضاع هذه الدولة بعد وفاة خمارويه. ولم تلبث أن اندلعت الصراعات بين امرائها مما مكن الخليفة المكتفي من الدخول بقواته الى مصر واعادتها الى حظيرة حكمه المباشر . وبذلك زالت تلك الدولة التي عاشت بين العام 254- 292 هجرية / 868- 905 ميلادية .   
على أنه لم تستمر عودة مصر الى أحضان الدولة العباسية المركزية طويلاً. وعندما عاد الضعف الى الخلافة ظهر على المسرح محمد بن طغج الأخشيدي. وكان مرد ظهوره هو مواجهته  تقدم القوات الفاطمية اليها، مما ادى الى قيام علاقات تحالف متينة بينه وبين الخلافة . وقد رأت فيه حامياً لجناح الدولة من ناحية المغرب العربي. في المقابل تابع محمد هذا سياسة أحمد بن طولون في مسعاه الى تحقيق طموحه بالاستقلال الكامل عن الخلافة العباسية . الا أن تعقيدات الوضع لم تسمح له بذلك. واصطدم في مسعاه مع جيوش الخليفة من جهة، وسيف الدولة الحمداني والحمدانيين من جهة ثانية . وبعد وفاة الأخشيدي سيطر على الأوضاع كافور بوصفه وصياً على ولدي الأول الصغيرين، وحافظ على تماسك الدولة لزمن ليس بالقصير. لكنه مالبث أن توفي في العام 357 هجرية / 968 ميلادية فيما كانت القوات الفاطمية تدق أبواب مصر من الغرب وتنجح في القضاء على الحكم الأخشيدي ودولته .   
وتبقى الدولة الحمدانية. وهي الوحيدة التي تنتسب الى العنصر العربي بين الدويلات السابقة . اذ تعود في أصولها الى قبيلة تغلب العربية القديمة. وقد لعبت تلك القبيلة ادواراً هامة في مراحل معينة من التاريخ العربي . وقد استقر بها المقام في مدينة الموصل شمال العراق. وظهرت شهرة هذه القبيلة عبر العائلة الحمدانية اواخر القرن الثالث الهجري / اوائل القرن العاشر الميلادي عندما كرس الخليفة المكتفي أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان أخ الحسين بن حمدان على حكم الموصل وقلد أخاه ابراهيم ديار ربيعة . وسرعان ما امتد حكم الأسرة الى الجزيرة بكاملها وكذلك شمال سوريا . وقد لجأ الخليفة المتقي الى ابن أبي الهيجاء الحسن بعد أن تعرض العراق لهجمات البريدي وأخوته على العراق. وقد عين الخليفة عبد الله أميراً للأمراء ولقبه ناصر الدولة ولقب أخاه علياً سيف الدولة . والمشكلة التي عانت منها دولة الحمدانيين أنها تعرضت لهجمات البويهيين الذين نجحوا في الحاقها وفرض الضريبة عليها محتفظين لأمرائها بنفوذهم.
   ويعتبر سيف الدولة هو باني الدولة الحمدانية الحقيقي. وقد اعتمد سياسة مستقلة وسط تلاطم قوى ومصالح الخلافة والبويهيين والأتراك. فولى وجهه نحو الشام وسيطر على حلب منتزعاً اياها من الأخشيديين. وحاول مد نفوذه الى دمشق ولم ينجح. وسط هذه الأوضاع وتشابكها اختط سيف الدولة سياسة خاصة به قائمة على قاعدة التفرغ لمواجهة النفوذ البيزنطي . وكانت الأمبراطورية البيزنطية قد عادت الى تحريك غاراتها على بلاد الشام بعد أن سيطرت على أجزاء من ارمينيا وسواها. ثم هاجمت كيليكيا وبلاد الشام وأعالي الرافدين مستفيدة من انشغال الدويلات والخلافة بالمنازعات وصراع النفوذ . وهنا نهض سيف الدولة لمنازلتهم وقام بمهمة الدفاع عن مناطق الدولة الاسلامية قرابة مدة تصل الى عشرين عاماً . ونجح احياناً في نقل القتال الى داخل اراضي الامبراطورية البيزنطية من خلال شن غارات مفاجئة على الحصون والمدن . ورغم محدودية قواته، الا أن الحرب بينه وبين البيزنطيين كانت سجالاً هجوماً ودفاعاً. وهذه تعبر عما يشبه توازن القوى بين الفريقين اللذين لم يكونا متوازني القوة، بالنظر الى ما يملكه البيزنطيون وما يتوفر للحمدانيين من مصادر وطاقات. ومع دخول الفاطميين على خط المنطقة اعلن سيف الدولة انحيازه لهم محتفظاً بسيادته على الإمارة التي أنشأها. وقد توفي في حلب عام 356هجرية / 976 ميلادية فخلفه ابنه سعد ثم حفيده سعيد. وكلاهما احتفظا بحلب متحالفين مع البيزنطيين دفعاً للخطر الفاطمي الذي تمكن أخيرا من القضاء على حكمهم في حلب في العام 406هجرية /1015 ميلادية .
   أما الدولة البويهية فقد بدأت من اصفهان وفارس في أوائل القرن الرابع الهجري تقريباً. وعجزت الخلافة كما حدث مراراً عن الدفاع عنهما، فاعترفت بحكم البويهيين لهما . ثم وسع البويهيون سلطتهم انطلاقا من قاعدتهم في شيراز نحو مناطق الجبال وكرمان وخوزستان، وبذلك بات طريقهم الى العراق مفتوحاً . لكن تلك المناطق فقدت الإطار المركزي الواحد نتيجة خلافات داخلية. فظهرت دويلات صغيرة في: فارس والأهواز وكرمان والري واصفهان وهمدان . ورغم غرق الخلافة العباسية في مواجهة ثورات الزنج والقرامطة حاولت مقاومة التوسع البويهي لكنها فشلت . مما أتاح للبويهيين الزحف على العراق مستغلين الخلافات بين الولاة وأمير الأمراء خصوصاً بعد أن استعان الخليفة المستكفي بهم. فتقدم احمد بن بويه ودخل بغداد عام 334هجرية / 945 ميلادية وأخرج منها الأتراك . وقد خلع الخليفة على أحمد وعينه أمير الأمراء ولقبه معز الدولة وعلى أخيه علياً عماد الدولة وأخاه حسناً لقب ركن الدولة.  وبذلك بات البويهيون اصحاب السلطة الفعلية في العراق، بينما بات الخليفة مجرد موظف لا عمل له ولا حق له بالتصرف بأي شأن من الشؤون العامة. مع ذلك فقد نجح البويهيون بداية في فرض الاستقرار بعد حال من الفوضى عانت منها العاصمة بغداد والأقاليم، قريبة وبعيدة . وشهدت تلك المرحلة ازدهاراً شمل شتى مناحي الحياة بما فيها الثقافة الفارسية. الا أن هذه الفترة لم تطل زمناً، اذ سرعان ما طفت على السطح الخلافات والصراعات السياسية والدينية والاجتماعية والعنصرية. ومما فاقم الوضع انقسام الجيوش على بعضها البعض وتلاشي وحدة القيادة. وهذا كله قاد الى تراجع سلطة الأمراء وتردي الجبايات والأموال وأوضاع الأمن.. وهي عناصر شجعت على قيام الفتن والثورات والحروب الأهلية . وكل هذه كانت مقدمات سقوط الدولة البويهية في العراق وفارس تحت ضربات السلاجقة الأتراك الذين احتلوا بغداد عام 447 هجرية / 1055 ميلادية.
   وينتسب السلاجقة الى العنصر التركي وجدهم هو سلجوق بن دقاق وهو أول من اعتنق الاسلام على المذهب السني. وقد أقام وقبيلته في المساحات الصحراوية الواسعة بين الصين وبحر الخزر. ثم لم يلبثوا أن نزحوا من صحرائهم الى ماوراء النهر وخراسان. وفي الأخيرة أسس طغرلبك دولته بعد أن انتصر على مسعود الغزنوي. وكان ذلك عام 431 هجرية 1040 ميلادية. وانطلاقا من هذا الانجاز توسعوا نحو بلاد فارس. واعترفت بهم الخلافة العباسية على أمل أن تتمكن من خلالهم من القضاء على الدولة البويهية وحجز توسع الدولة الفاطمية في بلاد الشام والعراق بما فيه بغداد. وفعلاً كانوا مؤهلين لذلك، فتقدموا الى العراق والعاصمة بغداد وسيطروا عليها. وبات طغرلبك سلطاناً على جميع المناطق باعتراف الخليفة . وقد استطاع السلاجقة توحيد المشرق الاسلامي تحت سلطانهم ومدوا حدود نفوذهم الى منطقة البوسفور. وفيها اصطدموا مع البيزنطيين وأنزلوا بهم الهزيمة التي كانت واحدة من أسباب الحروب الصليبية. وكان الامبراطور البيزنطي رومانوس قد هاجم بجيوشه الثغور الاسلامية فواجهه ألب ارسلان في اعلى الفرات حيث اندلعت موقعة ملاذكرد . وقد أسفرت المواجهة عن هزيمة منكرة لحقت بالجيش البيزنطي ووقوع الامبراطور نفسه أسيراً. لكن ألب أرسلان أفرج عنه مقابل مليون ونصف المليون دينار، وأن يعينه حينما يطلب منه ذلك، وأن يفرج عن الأسرى المسلمين في بلاد الروم . وختاماً أن تسري بينهما هدنة لمدة خمس سنوات . وقد أثارت نتائج تلك المعركة التخوف الأوروبي من انهيار جبهة الحماية البيزنطية الشرقية وانكشافها امام التقدم الإسلامي . وتعالت الصيحات داعية الى تقديم المساعدة للدولة البيزنطية لتحقيق صمودها رغم الخلاف المستحكم المعروف بين الكنيستين الشرقية والغربية . وقد تولى مهمة التحريض هذه كل من البابا غريغوريوس السابع وأوريان الثاني حتى قيام الحروب الصليبية.
    وقد تباينت علاقة سلاطين السلاجقة مع الخلفاء من الاحترام والتعظيم احياناً الى الامتهان والإذلال احياناً اخرى . وبلغ الاستخفاف مستوى ان بعضهم فكر في نقل مركز الخلافة من بغداد الى أصفهان . وقد تراجعت قوة السلاجقة بعد مرحلة قادة السلاجقة العظام. وشهدت قصورهم بعدها منازعات حادة ودموية، مما ادى الى انعكاسات حادة على الأسرة والدولة والخلافة على حد سواء . وانطلاقا من تلك الخلافات تجزأت دولتهم الى عدة دول مثل: دولة سلاجقة العراق ، وسلاجقة كرمان ، والشام ، والروم . وذرت الخلافات قرنها بين تلك الدول. وأخذت كل منها تطلب من الخلافة التدخل لإصلاح الحال بينهم وتسوية الأوضاع المضطربة. وطبيعي أن تستفيد الخلافة من تلك الفرصة، فتتدخل حين ترى أن ذلك من مصلحتها. وتمتنع عن ذلك وتقف موقف المتفرج على اندلاع الصراعات، باعتباره السبيل المتاح لإضعافهم معاً. وهكذا تشتت قوة هذه الدولة الى دويلات هزيلة. وبات بمكنة الخليفة رغم ما صارت عليه سلطته أن يطمح الى ضرب القوى السلجوقية بعضها ببعض للخلاص منها جميعا أو اضعافها على الأقل. وانطلاقا من ذلك أخذ النفوذ السلجوقي بالتداعي والانهيار. وزالت دولة السلاجقة العظام في فارس وخراسان في عام 552 هجرية /1157 ميلادية بوفاة السلطان سنجر بعد أن هزمه الغز الأتراك ووقع أسيرا في قبضتهم . وفي ذلك الوقت كانت كل تلك المناطق التي تفككت فيها الدولة السلجوقية تعمها الفوضى والاضطرابات مما يمنح الخليفة الفرصة لاستعادة شئ من نفوذه القديم . وخسر آخر سلطان سلجوقي وهو طغرل الثالث نفوذه في العام 590 هجرية /1194 ميلادية على يد الدولة الخوارزمية . وبذلك افتتحت مرحلة جديدة من عمر الخلافة العباسية هي مرحلة الدول الأتابكية . في هذا الوقت كانت تهب على المنطقة العربية والاسلامية رياح عاتية آتية من الشمال والشرق على حد سواء. مما شكل مصدر خطر لم تعرف له مثيلاً طوال تاريخها سواء في العهد الأموي ، أو خلال ما سبق من عمر الدولة العباسية . لكن يجب أن نتناول الدولة الفاطمية قبل الشروع في علاج التقاطعات الخطرة. علماً أن الأوضاع تداخلت وباتت القوى مشتبكة في صراعات قادت الى تحولات بالغة الأهمية.
 
الدولة الفاطمية :
 
   ثار جدل طويل عريض حول صحة نسبة الدولة الفاطمية الى آل البيت عموماً والى اسماعيل بن جعفر الصادق خصوصاً . لكن هذا الجدل الذي لم يحسم على نحو قاطع، لا يمنع من تناول هذه الدولة التي لعبت دوراً هاماً في تاريخ المنطقة. وساهمت كما سواها ، جراء عجزها، في احداث مزيد من التدهور في الوزن السياسي للمنطقة ومناعتها ازاء زحف القوى الخارجية . علماً أن انجازاتها الحضارية الزاهية تسجل لها كما سواها من الدول التي قدمت هي الأخرى مساهمات ثمينة. يكفي القول أنها أنشأت مدينة القاهرة والجامع الأزهر كمنبر علمي – ثقافي ما زال يلعب دوره الى الآن.
   وقد استمرت الدولة الفاطمية قرابة 270 عاما بين 297-567هجرية / 909- 1171 ميلادية . وقد أنشأ هذه الدولة أبي عبد الله الشيعي لكنها سقطت في القاهرة على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي . انطلقت الدعوة الى قيام هذه الدولة، التي تعتبر أنجح دولة شيعية يتم تاسيسها، من بلدة السلمية قرب حماه. وكان مسرح العمل التأسيسي لها افريقيا حيث اطراف الدولة البعيدة عن أعين وقبضة السلطات. واستطاع أبي عبد الله أن يؤسس دولة فاطمية على حساب الدولة المدرارية وعاصمتها سجلماسة . وتنتسب الدولة الأخيرة الى الخوارج الصفرية وعاشت اكثر من 150 عاماً بالاستقلال عن الدولة العباسية التي لم تستطع ارسال جيوش لاستعادتها . وخلال حكمهم، نجح الخوارج الصفريون في تطوير الزراعة وتنشيط حركة التجارة . ورغم ذلك فقد سقطت تلك الدولة على يد أبي عبد الله الداعي الفاطمي . وما أصاب الدولة المدرارية كان مصير الدولة الرستمية التي قامت في منطقة تاهرت من المغرب الأوسط . وهذه دولة خارجية اباضية أيضاً . أما دولة الأغالبة فتعتبر نموذجا جديدا في الدول . فقد وافقت الدولة العباسية ممثلة بالخليفة هارون الرشيد على التنازل عن سلطانها لها، مقابل الولاء والطاعة ومبلغ من المال. وقد اتخذ الأغالبة من مدينة القيروان عاصمة لهم وأنشأوا قوة بحرية غزوا فيها صقلية ومالطة وسواحل الجنوب الإيطالي . لكن تراجع قوتهم مكن أبي عبد الله من القضاء عليهم أيضاً.
   وكانت الدعوة الفاطمية قد نجحت في استقطاب قبيلة كتامة القوية. وبها أمكن اعلان الدعوة وتحقيق التوسع والشروع في اقامة الدولة . وهو ما اقنع عبيد الله المهدي بمغادرة السلمية متوجها الى افريقيا حيث بويع في الخلافة بعد تحريره إثر وقوعه في الأسر عقب مطاردة العباسيين له. ونجح المهدي في بناء اجهزة دولته العلوية وتخلص تباعاً من منافسيه. وبنى عاصمة جديدة هي المهدية بالقرب من تونس وأقام مؤسسات حكمه فيها . ومن مقره الجديد عمل على تعزيز نفوذ الفاطميين سياسة وفكراً ، وأخذ بمواجهة البيزنطيين. وقمع الثورات التي تنشب في مختلف الأنحاء التي سيطر عليها . لكن طموحه الفعلي كان امتلاك مصر شرقاً وبالتالي التوسع غرباً. لكن هجماته على مصر منيت اولاً بالفشل. كذلك كانت نتائج تقدمه على جبهة الغرب محدودة النتائج. وتواصلت محاولات الاستيلاء على مصر حتى نجحت خلال خلافة المعز لدين الله الفاطمي في العام 358 هجرية /968 ميلادية . وكان المعز قد تمكن من اعادة فرض نفوذ الدولة الفاطمية في المغرب الأقصى، وتملكه مع المغرب الأوسط ، وبلغ بنفوذه ساحل المحيط الأطلسي. وبعد أن أطمأن الى هذا الإنجاز حاول مد نفوذه على المغرب كاملاً بغزو الاندلس. لكن محاولته مد النفوذ الفاطمي اليها جوبهت بمقاومة عنيفة ، مما اجبره على التراجع عن المحاولة. أما الاستيلاء على مصر فقد سبقته ثلاث محاولات فاشلة. وكان من الأهمية بمكان السيطرة عليها، نظرا لموقعها الجيوسياسي الذي يمكن منه السيطرة على بلاد الشام، والوصول منها الى عاصمة الخلافة العباسية بغداد في العراق واحلال الخلافة الفاطمية مكانها. أما السيطرة على الحجاز حيث المدينتين المقدستين مكة والمدينة فمن شأنه أن يحسم في شرعية الدولة الفاطمية وخلفائها. هذا الى جانب الدلالات الدينية العميقة لمثل تلك العملية. أيضا هناك الثروات الاقتصادية في مصر ووادي النيل. والمغري في هذا المشروع بالطبع، هو ضعف وهزال الخلافة العباسية وسواها من القوى المهيمنة عن حماية هذه البلاد وما فيها من الحواضر المستهدفة.  
   وقد اختار المعز قائداً لجيشه جوهر الصقلي الذي استطاع دخول مصر بعدد مقاومة ضعيفة. وكان ذلك الدخول في العام 358هجرية 969 ميلادية . وأهمية سيطرة الدولة الفاطمية على مصر أن هذه الدعوة ودولتها باتت في قلب المنطقة العربية الاسلامية. وبات بامكانها أن تعمل لتوسيع انتشار المذهب الاسماعيلي، بما يعتبر بمثابة انقلاب حقيقي في ضوء المحاولات السابقة التي لم يكتب لها النجاح من جانب أي حزب شيعي. واستمر جوهر الصقلي في حكم مصر لأربع سنوات محاولاً تثبيت حكم الفاطميين ونشر دعوتهم بين المصريين الذين يدينون بمذاهب سنية متعددة ، اضافة الى الأقباط المصريين الذين يتبعون الديانة المسيحية على المذهب الأرثوذكسي .  وقد عمل جوهر الصقلي على مد نفوذ الفاطميين الى بلاد الشام. ونجح في السيطرة على دمشق. واندلعت أمام سلطته في دمشق ثورات قرمطية نجحت في استخلاصها منه لبعض الوقت. لكن أهم انجازات المعز الذي وصل الى مصر في العام 362 هجرية /973 ميلادية وقائده كان تأسيسه مدينة القاهرة والجامع الأزهر ومنع لبس السواد واستبدله باللون الأخضر شعار العلويين.
   ودون المزيد من التفاصيل حول سياسات الدولة الفاطمية انطلاقا من موقعها المصري لا بد من التوقف عند الحاكم بأمر الله الذي تولى الحكم بعد ابيه العزيز. ومن خلال تتبع سيرته يتبين الطابع الإشكالي لهذه الشخصية التي وصفها الكثير من المؤرخين بأوصاف متناقضة . كما ينسحب الأمر على لغز نهايته، فقد اختفى بطريقة غامضة بعد خروجه الى جبل المقطم. ولم يعثر له على أثر، وبعد خمسة ايام وجدت ثيابه وعليها آثار طعنات. وخلال سنوات حكمه التي وصلت الى قرابة الربع قرن عمد الى التخلص من جميع مناوئيه ومنتقدية أيا كانت مواقعهم واتجاهاتهم . وقبض على زمام السلطة بيد من حديد أحيانا وبكثير من التسامح أحياناً اخرى. وكان يعمد الى اعلان قرارات عامة اليوم، وفي الغد يعلن التخلي عنها . وقد بلغ من بطشه أنه تخلص من كل من عارض منهجه في الحكم وادارة شؤون البلاد. وقد زخر عهده بالكثير من التشريعات الدينية. وقام باعلانها انطلاقاً من مجالس الحكمة التي أنشأها. وكان هدفها في الغالب نشر المذهب الاسماعيلي. وتراوحت مواقفه الدينية بين التسامح الكامل والشدة البالغة. وطبعت التقلبات علاقته بأهل الذمة خصوصاً. ففي البداية قلدهم المناصب العليا في الدولة ، لكنه بعدها عمد الى مصادرة املاكهم مبتدئا بأمه. وكانت تنتمي الى المذهب الملكاني. ودبر اغتيال خاله بطريرك الاسكندرية . وأمر بهدم كنائس النصارى فيها. ووسع من نطاق هذا الهدم الى حد أنه طال كنيسة القيامة في بيت المقدس. ويٌقال أن الحملة التي نظمها ضد الملكانيين كانت في وجهها الآخر تهدف الى استقطاب الأكثرية القبطية في البلاد . كما الزم المسيحيين واليهود بلباس خاص يميزهم عن المسلمين، ومنعهم من دخول الحمامات العامة وغير ذلك من اجراءات ... لكنه ما لبث أن تخلى عن هذا التشدد وعادت اوضاعهم كما كانت عليه سابقاً. ويشير عدد من المؤرخين أن هناك عدداً من الغُلاة الذين أحاطوا به واثروا على قراراته . حتى أنهم نادوا بألوهيته دون أن يرفض ذلك . وقد انشأ الحاكم من داخل المذهب الاسماعيلي مذهبا عُرف بمذهب التوحيد واتباعه هم الموحدون ويطلق العامة عليهم تسمية الدروز نسبة الى أحد الدُعاة . واوفد الدُعاة الى العديد من المناطق، ومنها بلاد الشام حيث نجحوا في تحقيق نشر مذهبهم في المناطق الجبلية  الداخلية  جنوب دمشق في وادي التيم والسويداء ومنهما نحو الجبال الساحلية . وقد أنشأ الحاكم "دار الحكمة" التي كان يشتغل بها عدد كبير من الفقهاء والمنجمين والفلكيين والنحاة واللغويين واستقطبت عدداً كبيرا من القراء. والحق بها مكتبة اطلق عليها "دار العلم" حوت ما أمكن جمعه من مصادر العلوم المعروفة في حينه من مصر وخارجها . ومع أن هذه الدولة قد شهدت عدداً من الخلفاء الكبار الا أنها سقطت تحت تأثير عوامل متداخلة من بينها حال الجفاف التي ضربت مصر لمدة ثماني سنوات. وقد انتشرت خلالها الأوبئة والأمراض والمجاعات. وقد عجزت هذه الدولة عن مواجهة النفوذ الصليبي في بلاد الشام ومصر رغم تحقيقها بعض الانتصارات عليهم. علماً أنها نجحت في لحظات معينة في مد نفوذها الى بغداد نفسها والخطبة لخلفائها من على منابر مساجدها. ويضاف هنا ثورات القرامطة التي أرهقتها  وصداماتها مع الخلافة العباسية والدولة السلجوقية وغيرها. لكن الأهم هو النزاع الداخلي الذي نشب بين قادتها وانعكس على تماسك العقيدة والدعوة الفاطمية والذي سرعان ما تحول الى صراعات ومؤمرات دموية بينهم.
        
الحضارة العباسية:
 
   المقصود بالحضارة العباسية هي الحضارة التي شهدتها مختلف المناطق خلال حكم الدولة العباسية، بما فيها حكم الدويلات التي نشأت هنا وهناك من اقطار العالم الاسلامي. تحدثنا لدى تناول عهد الخلفاء الراشدين عن جمع القرآن خلال خلافة عثمان . كما مررنا على التطور الذي شهده العصر الأموي بما عرفه من بداية الجدل بين المسلمين من داخل النص الاسلامي ، وبينهم وبين اصحاب الديانات والعقائد الأخرى . وتطرقنا سريعاً الى منوعات ومصادر بعض الأراء التي شهدها الاجتماع الاسلامي في خضم التطورات التي عاشها. وهو جدل كان قد بدأ عملياً منذ مقتل الخليفة عثمان وبلغ ذروته خلال حربي الجمل وصفين. أيضا شمل التطور تقدم فنون الشعر و الخطابة والتراسل بعد أن توسعت الدواوين والمواصلات بين الأقاليم. وبرزت في حينه اسماء كبيرة لشعراء ما تزال قصائدهم حاضرة الى الآن في مجالات الشعر السياسي والغزلي، عذرياً كان أم غير عذري.
    وعلى العموم يمكن وصف الثقافة خلال العصر الأموي بأنها كانت في جانب منها متمحورة حول النص القرآني باعتباره مرجع المسلمين في دينهم ودنياهم وباعث كيانهم ومفتاح انتصاراتهم. لكن الحاجات كانت تتصاعد الى ما يتجاوز ما هو وارد في النص السماوي. وسرعان ما بدأ الاهتمام بالحديث النبوي باعتباره المكمل لأحكام القرآن والتفسير والتاريخ واللغة وغيرها. وتسربت الى العرب في حينه بعض علوم "الدنيا" أو العلوم المنقولة أو المنحولة من مصادر يونانية - بيزنطية وفارسية وهندية وغيرها من خلال الوسيط السرياني ومن دونه.  ومع قيام الدولة العباسية يمكن ملاحظة تعمق المنحى السابق اياه في موضوع القرآن وتفسيره والأحاديث والسيرة والتاريخ والأدب وغيرها من فنون أدبية. وقد لعبت المساجد بما شهدته من حلقات دراسية، اقبالاً وجدلا ونقاشاً راقياً شارك فيه العرب والموالي على حد سواء. وعليه يمكن القول أن الاهتمام توسع في تفسير القرآن بآياته وسوره بما تتضمنه من احكام وقوانين. ومن المعروف أن توسع الاسلام وشموله بلاد الشام والعراق ومصر وما بعدها فرض التعاطي مع ظروف الحياة التي تعيشها تلك الشعوب، مما يختلف عن منبع التجربة الاسلامية في بلاد الحجاز الصحراوية.
   والقرآن لم يتطرق الى التفاصيل الدقيقة، مما دفع بالعلماء والمفسرين الى الغوص في النص بحثاً عن المعاني الظاهرة والباطنة ودلالات الأحكام صعوداً الى القياس والاجتهاد. وقد استعان العلماء والفقهاء والقضاة المسلمون بما توصلوا اليه من آراء  في ما لا نص عليه في القرآن بالحديث والسنة النبوية. وراجت في حينه رواية الأحاديث عن الباقين من كبار رجال الصحابة أو من عاصرهم من أجيال لاحقة لهم. وقد برزت أكثر من مدرسة في علوم الحديث في المدينة ومكة ودمشق والكوفة وبغداد ولدى أهل البيت وغيرهم .
    وفي مثل هذا المناخ برزت الحاجة الماسة الى التعمق في علوم اللغة العربية باعتبارها الوسيلة لفهم النص القرآني والحديث النبوي على حد سواء. ومما عزز هذا المنحى أن الكثير من الموالي وخصوصاً في الأمصار ، كانوا بحاجة ماسة الى من يتولى شرح ما يُشكل على وعيهم من اعجاز وأحكام. وقد تسري الى ألسنة العرب المولودين في المدن حيث الإحتكاك بالموالي . ومن المعروف أن الخلفاء الراشدين كانوا يرسلون عدداً من كبار الصحابة الى الأمصار لشرح ما استغلق من النص القرآني للعامة من عرب وغير عرب. لكن القرآن رغم وضوح آياته وعمق مضمونه، ظل بحاجة الى تفسير يتعدى النص من خلال الأحاديث والسنة النبوية . وفعلاً بدأ البحث في الأحاديث النبوية وما فعله وما لم يفعله الرسول، وما أمر به وما نهى عنه. ودوماً كان هناك صحابة مع الرسول في حله وترحاله. وقد شاهد هؤلاء ما قام به من افعال وما افاض به من أقوال. لكن المشكلة التي برزت في علم الحديث أن الصحابة هؤلاء، أو الكثيرين منهم التحقوا بأطراف الصراع خلال الحرب الأهلية الأولى ، وانقسام  المسلمين الى معسكرين يحمل كل منهما السلاح على الفريق الآخر. وقد انتشرت في حينه الكثير من الأحاديث التي تدعم موقف هذا الفريق وتدين خصمه والعكس . ومعها توسع ادخال الحديث الى ميادين الجدل السياسي والاستعمال من جانب الجماعات والأحزاب والفرق المتباينة. ومما ضاعف من خطورة الأمر هو أن الحديث لم يدون رغم بروز بعض الدعوات الى تسجيله. وكان أول من فكر بذلك الخليفة عمر بن الخطاب . لكنه خشي أن يُبعد الحديث المسلمين عن القرآن فتراجع عن محاولته. وخلال خلافة عمر بن العزيز كتب لعامله على المدينة يدعوه الى جمع الأحاديث وتدوينها وارسالها له . لكن المراجع لا تشير الى أكثر من ذلك حول هذا الموضوع. وعليه لا يمكن التأكد من تنفيذ الطلب أو عدمه . مع قيام الدولة العباسية واستقرار الأوضاع وزيادة الحاجة نظراً لتعقيدات الأوضاع وتشابكها سنشهد اقبالاً على جمع الأحاديث وتدوينها . وهكذا في النصف الأول من القرن الثاني للهجرة أخذت تتبلور مجموعات من العلماء تعكف على جمع الأحاديث في كل من: مكة والمدينة ومصر والشام واليمن والكوفة والبصرة، وبلغت المحاولات حتى خراسان. الا أن هذا الجمع لم يترافق مع وضع ضوابط صارمة لسلاسل الرواة، ومن هم الذين يمكن أن يُنقل عنهم ويتمتعون بمصداقية، ومن لا يجوز اعتمادهم. وهو ما تحقق بعدها من خلال علم "الجرح والتعديل" وعمليات تصنيف للصحابة في طبقات والتي برزت في مطالع القرن الثالث الهجري . وبعد موطأ مالك ستظهر كتب الصحاح المعروفة التي خطت خطوة أساسية في نقد الأحاديث الشائعة في حينه. وقد أسقط هؤلاء العلماء من مؤلفاتهم ما هو منحول وضعيف من أحاديث نبوية . وأبقوا على ما وصفوه بأنه صحيح السند صادق الرواة. ومن المعروف أن الحديث هو احد مصادر التشريع الاسلامي . لكن هذا المصدر اختلف الفقهاء في تحديد موقعه التشريعي . فالقرآن هو الوحي والحديث والسنة هي ما قاله وفعله الرسول . وقد بالغ البعض في النظر اليه فاعتبره متقدماً على القرآن، بينما رأى البعض الآخر أنه مكمل ومتمم له . الا ان تشعب الحياة وتعقد المجتمعات دفع بعدد كبير من الفقهاء الى الاستعانة بالرأي أيضاً، اذا لم يجدوا في الكلام المنزل والحديث المؤكد، نصاً يعتمدون عليه في اصدار الفتاوى والأحكام . وشيئا فشيئا ستنشأ مدرستان احداهما للفقهاء اصحاب الحديث مقابل الفقهاء اصحاب الرأي . أي أن الفقهاء اتفقوا على مرجعية النص القرآني واختلفوا في تقدير الاعتماد على سواه من مصادر بما فيه الحديث. فتوسع فريق في الاستناد الى السنة بما هي القول والفعل، بينما ضيق من حدود الرأي، مقابل طرف معاكس في توسيع قاعدة الرأي وتضييق مجال الحديث والسنة النبوية. وهكذا مع هذا التعمق في معالجة كل ما يندرج في اطار الحديث والسيرة النبوية بات علم الحديث أصلاً من أصول الثقافة والحضارة الاسلامية ومرجعاً من مراجع التفسير ، اضافة الى قيمته التاريخية الوازنة نظراً للتدقيق في رواته. اذ من خلال الأحاديث يمكن تفسير الكثير من الوقائع التاريخية التي وردت في روايات المؤرخين.
    لكن هذه النقلة كانت ما تزال تصطدم بقصور وتعقيد اللغة العربية . وكان جمع القرآن وما عبر عنه من سيادة لغة قرشية جامعة لكل العرب والناطقين بها، قد خطا باللغة خطوات ملموسة بلغت مستوى عالٍ من الإحترام والتقدير، و حتى حدود القداسة باعتبارها لغة القرآن. واذا كان العرب الذين لم يحتكوا بالشعوب في الدول المفتوحة قد حافظوا على نقاء لغتهم وفصاحتها ، الا ان هؤلاء كانوا أقلية بالقياس الى الجموع الكبرى في مناطق التمركز والاختلاط السكاني الذي عرفته المدن المتوسعة باستمرار في مختلف الأمصار. وبديهي أن يبرز اللحن في قراءة القرآن ورواية الأحاديث والشعر العربي وخلال عمليات التخاطب، من جانب ابناء هذه الشعوب التي أخذت تتعرب ثقافة وبعضها ديناً، نظرا لأن الأكثرية كانت لمّا تزل محافظة على دياناتها الأصلية السابقة على الاسلام.
    ويسجل أن المحاولة الأولى لتقعيد اللغة العربية تمت باشارة من الخليفة الراشدي الأخير علي بن ابي طالب  الى أبي الأسود الدؤلي من اجل ضبط قواعد العربية مستعينا بالنحو السرياني . وانطلاقا من ذلك نشأت الحركات في ختام كلام العرب كالفتح والضم والكسر و... لكن لدينا مشكلة ثانية تمثلت في رسم الحروف العربية. فالمعروف أن حروف اللغة العربية لم تكن منقطة . وكان المستعربون من الموالي يجدون صعوبة في تمييز الباء والتاء والثاء والحاء والخاء والجيم والسين والشين والصاد والضاد وما يماثلها . وهنا قام نصر بن عاصم بتوجيه من الحجاج بن يوسف الثقفي بوضع نقاط مفردة ومزدوجة فوق أو تحت الحروف . ومن الممكن القول أن الأمر تعدى رسم الحروف الى العلاقات بينها في الكتابة. اذ أن الحروف العربية كانت تكتب منفصلة عن بعضها بعضا. أي أن كل حرف لا يتصل بآخر يتبعه. وهو ما فتح على البحث في دمجها في اطار الكلمة الواحدة. لذلك ستنشا تباعاً ومع هذا التطور في ضبط اللغة وتقعيدها، الخطوط المعروفة كالكوفي والفارسي والرقعي والنسخي وغيرها. هذه الخطوات المتواضعة هي ما سيفتح الطريق نحو نشوء علمي الصرف والنحو وقيام مدارسه الكبرى لاسيما في البصرة والكوفة. وقد عمد كل فريق الى دعم رؤيته عبر قصد القبائل البدوية العربية في مرابعها وسماع أقوالها ولغتها وبُنى كلامها، لإستعماله في نصرة مواقفه . وعملية التوسع هذه هي التي فتحت في مرحلة لاحقة الباب على قيام علم عروض الأوزان الشعرية على يد الخليل بن احمد الفراهيدي.
    وأيضاً خطا علم التاريخ خطوات ملموسة الى الأمام. واذا كانت بداية ظهور هذا العلم ليست سوى بعض النصوص المنقولة عن تواريخ الفرس والبيزنطيين في ليالي الخليفة الأموي معاوية ، فان العرب بدأوا الاهتمام بالتاريخ كمجرد روايات شفاهية في مجالسهم. وسرعان ما طوروا ما يجمعونه من روايات شفاهية الى بعض المحفوظات المكتوبة التي تم نقلها عن رواة شاركوا أو شهدوا الأحداث وعاينوها. وقد حرص الرواة على ضبط الروايات التي يسمعونها وينقلونها وتنويع المصادر. وكان الاخباريون والرواة يسافرون من بلد الى آخر سعياً وراء الرواة ورواياتهم عن المراحل التي شهدوها وعاصروها.          وعليه كان عمل الإخباري  أشبه ما يكون بعمل الصحافي أو المراسل اليوم . ولمزيد من التدقيق تم التعامل مع علم التاريخ مثله مثل علم الحديث. أي أنه  اعتمد طريق سلاسل الاسناد " عن فلان بن فلان، قال قال أنه سمع من فلان بن فلان الذي سمع عن فلان " وصولا الى الشاهد المعاين. اذن بدأ علم التاريخ متوجهاً نحو تخليد سيرة الرسول وصحابته واخبار مغازيه والمشاركين فيها من مهاجرين وأنصار. والفتوحات وكيف تمت صلحاً أو عنوة وما شابه من بطولات القادة الرواد المؤسسين. ومع أن هذه المدونات لم تنتشر لأسباب متداخلة، من بينها أن الكتابة والتدوين كان ما يزالا محدودي الامكانات، الا ان المؤرخين الذين برعوا في العصر العباسي اخذوا عن سابقيهم . لذلك يمكن العودة الى المدونات التي استند اليها كبار المؤرخين الذين ذاع صيتهم في القرن الثالث وما بعده لتبيان طابع التطور الذي طرأ منذ منتصف القرن الثاني الهجري على أيدي الرواة والإخباريين الرواد. إن الزهري وعروة بن الزبير وابن الحكم الكلبي ونصر بن مزاحم وسيف بن عمر وابن هشام وابن سعد وابن سلام والواقدي، ومن بعدهم الطبري والمسعودي واليعقوبي والبلاذري وغيرهم الكثيرون...كل هؤلاء يؤكدون على عمق الحركة الفكرية التي اطلقها الاسلام ومساراتها التصاعدية وتنوع المدارس التاريخية التي عبر عنها المؤرخون الكبار بعد المراحل التمهيدية الأولى. لكن ذروة هذا التطور تتمثل في إنجازات العلامة ابن خلدون عندما وجه سهام نقده النفاذة الى الرواية التاريخية العربية كما جاءت في أعمال المؤرخين الكبار. واطلق ما أسماه قواعد علم العمران أو ما نصفه اليوم بأنه علم الاجتماع الذي كان رائده الأول دون منازع على الصعيد العالمي. وخلال هذا العلم الجديد ابتكر نظريته في عوامل واسباب تكون وقيام الدول والمجتمعات البشرية. متوقفاً عند العصبية التي يتم الاستناد اليها كقاعدة ثم عوامل ضعفها في مجتمعات الأجيال اللاحقة. وبالتالي تفكك الدول وانهيارها بعد مراحل الطفولة والشباب والكهولة. 
   ومما لا شك فيه أن علم التاريخ لم يتوسع هذا التوسع الا بفعل الحاجات الماسة اليه وهي حاجات مادية وروحية . تندرج في اطار المتغيرات التي حدثت . فمن خلال التاريخ كان يتم معرفة أسباب نزول الآيات وتفسير القرآن وسيرة الرسول وصحابته كي يكتمل فعل قانون الاسلام في مسيرة الجماعة . كما أن الامبراطورية العربية الاسلامية التي تكونت من خلال الفتوحات تحتاج الى معرفة مسيرة بنائها وتفسيرها والعلاقات التي ربطت بينها وبين شعوب البلاد وطبيعة الاتفاقات ووثائق الصلح المعقودة معهم . وهذا يتطلب الوقوف على قواعد التعامل وأحكام الجزية والخراج وغيرها من امور. وهناك قضية القضايا التي اطلقت سيلاً من الدماء. ونقصد بها قضية الإمامة والخلافة، وهي مصدر النزاع بين الأمويين والعلويين والخوارج والعباسيين وغيرهم من فرق وجماعات. لقد تم التعويل على التاريخ في معرفة احوال الاجتماع الاسلامي وما اعتراه من نزاعات سياسية ودينية وخصومات قبلية وسياسية ومحاورات ومجادلات واتجاهات فكرية. أيضا هناك التجربة القضائية وتفصيلات قوانين الجزية والخراج والزكاة والصدقات ومقدار كل منها. كل هذه الحاجات من سياسية وتشريعية ومالية كانت في صلب الدوافع والعوامل الداعية الى التدوين التاريخي.
   وعليه، فقد تنوعت موضوعات اعمال المؤرخين من الكتابة في أصل وبدء الخليقة منذ آدم ونوح وابنائهما، والأنبياء والرسل السابقين على رسالة التوحيد المحمدية ، ومآلات الشعوب القديمة وأصول العرب العاربة والمستعربة والقبائل والشعوب البائدة والممالك والملوك والأمراء والامارات القديمة. وبالطبع جرى التركيز أكثر من سواه على  السيرة  النبوية والوحي والرسالة التوحيدية والمغازي التي أطلقها الرسول وتجربته الدعوية في مكة ودوره في المدينة وصولاً الى زوجاته وكتبة الوحي وكتبه ورسائله وخدامه، وغيرها من قضايا اعتبرت تراثاً اسلامياً لا بد من اماطة اللثام عنه . وبديهي أن تتواصل عملية الرصد هذه الى الخلفاء الراشدين وفتوحاتهم وسيرة كل منهم وصفاتهم وطرائقهم في الحكم واحكامهم القضائية وورعهم وما شابه. وكذلك شملت أعمال السِّير طبقات الصحابة من الذين شهدوا معارك بدر وأحد وبيعتي العقبة وفتح مكة وسواها من مشاهد. ولا شك أن مسيرة الأمويين والعباسيين نالت نصيباً من الاهتمام بالنظر الى ما شهدته دولتيهم من احداث جسام تركت بصماتها على الاجتماع الاسلامي. وكان من الطبيعي أن تحظى موضوعات الأنساب والقبائل والفرق والعقائد والبلدان والممالك والمسالك والأمصار وتواريخ المدن المختلفة وخططها باهتمام مضاعف نظرا للبنية الاجتماعية العربية في حينه، ودور كل من التشكيلات السابقة في مسار الأحداث. أما كتب الادارة والنظم المالية والآداب السلطانية والطبقات وتراجم الأشخاص و احوال دولتي الروم والفرس وشعوب الهند وغيرها، فكانت مما لا يستغنى عنه داخل ادارة الدولة وبين المتأدبين في البلاطات وقصور الخلفاء والأمراء وغيرهم . واعتبرت هذه المخزونات الثقافية، داخلية وخارجية، السبيل الوحيد المتاح للإطلاع على التجربة الاسلامية والإنسانية وتعقيداتها في ذلك المفصل من الزمن .. إن هذا التوسع يشير في جانب آخر منه الى مرونة الأدوات والوسائل التي بات بمكنة المعلمين والمتعلمين والكتاب استعمالها. ففيما كانت المحفوظات القديمة تكتب على سعف النخيل وعظام وجلود الحيوانات وبعض الرقاع وتنقل على الجمال بين المدن، جاء وصول الورق والتعرف عليه وامكانية صناعته في  عاصمة الخلافة بغداد اولاً ، ثم منها الى مختلف المدن بمثابة ثورة تشابه ثورة الطباعة في اوروبا خلال القرن السادس عشر.  وفي مثل هذا المناخ من التفتح الفكري اتسعت فروع العلوم لتضم أيضاً الى جانب التفسير وأسباب النزول علوم الفقه وأصوله وتشكل الفرق وتكون المذاهب السنية والشيعية، واجتهادات المتكلمين والمدراس الفكرية التي عرفتها معظم المدن الاسلامية تقريباً. .. إن هذا كله يعبر عن تلك الحيوية وذلك التدفق الذي عرفه العالم الاسلامي والذي بلغ حدوده القصوى خلال الخلافة العباسية بالقياس الى ما سبق تحقيقه خلال مرحلتي الخلفاء الراشدين والدولة الأموية. ومثل هذا التدفق ، ساهم فيه عرب وغير عرب ، مسلمون وغير مسلمين من جميع القوميات والاتجاهات. في كل المدن والأمصار العربية . في بلاد الشام والعراق على حد سواء .  في المساجد والأديرة وقصور الأمراء . وبديهي أن تعرف تلك المرحلة كبار الشعراء من وزن المتنبي والمعري وأبو نواس والبحتري وأبو فراس الحمداني و..
العلوم العلمية:
 
   سيطر العرب على شعوب ذات تراث علمي زاخر، اعتمد العديد منها على الاستدلال العلمي البرهاني، مقابل مراكز كانت تستغرق في عملية التأمل الوجودي والروحي. ومن نافل القول أن علوم العرب العلمية والفكرية كانت جد محدودة بالقياس الى ما كان عليه سواهم من شعوب ودول مجاورة. واذا كان من الصعب تحديد كل المراكز التي كانت قائمة بدورها العلمي مع حدث الفتح العربي، الا أنه يمكن الاشارة الى بعضها الأشهر مثل جامعة الاسكندرية التي يؤكد البعض أنها سبقت اليونان في مجالات الفلسفة وعلوم الفلك. وينسب الى تلامذتها كثير من الذين صاروا فلاسفة وعلماء اليونان الذائعي الصيت. وقد قصدوها حتى قبل أن يسيطر الاسكندر المقدوني على مصر ويبني الاسكندرية . ويكفي الاشارة الى ان مرصد ومكتبة هذه الجامعة بما تضمه من مختبرات وخرائط ومخطوطات جذبت اليها طلاباً من مختلف المناطق والمشارب . وكان في عداد علمائها ارخميدس في الطبيعيات وجالينوس في الطب وبطليموس في الفلك وأفلوطين في الفلسفة وغيرهم طبعاً.
   أما مدرسة حرَّان ومعهد جنديسابور فكانا من المركز الهامة في شمال بلاد الشام وبلاد فارس . وقد عملا على المزج بين الثقافتين الشرقية والغربية. وتركز الاهتمام فيهما على علوم الفلك والطب والعقاقير . وكان في معهد جنديسابور مستشفى لعلاج المرضى . وقد جمع هذا المعهد بين علم اليونان وخبرة الهنود. كما كان في المنطقة العديد من المعاهد والمراكز العلمية الدينية. وقد اتبع بعضها المذهب النسطوري، بينما بعضها الآخر اعتنق المذهب اليعقوبي . وقد تعمق الفريقان في الفلسفة اليونانية بحثاً فيها عن تأييد وجهات نظر كل منهم . وقد عمد علمائهما الى ترجمة الفلسفة اليونانية الى السريانية، وهي لغة بلاد الشام الرسمية قبل الفتح العربي . وهي خطوة ستتبعها خطوات لاحقاً بترجمة  المصادر اليونانية عن السريانية الى العربية في العلوم الواردة أعلاه وسواها .     
   ولم تقف مصادر العلوم التي عنى بها العرب على النقل من المخزون اليوناني ، اذ اضافوا اليه المصدرين الفارسي والهندي . وكانت الكتب الأولى في مجالات الفلسفة والطب والرياضيات والاجتماع والطبيعة ذات مصدر يوناني. أما كتب النظم الادارية والاداب والحِكم والأمثال فمن مصادر فارسية . وغلب على الكتب المنقولة عن الثقافة الهندية الى جانب  الزهد والتصوف كتب علوم الأمراض وخصائص العقاقير والحساب ومبادئ التصوف. مع ذلك يصعب القول أن الترجمات كانت محددة المصادر مرجعياً وعلمياً على نحو قاطع . فقد كان العرب ينطلقون من الحصول على المعرفة من أي مصدر كان . فمثلاً حصلوا على كتب الزهد والحِكم والقصص والأساطير والأقوال المأثورة من المصدرين الفارسي والهندي . وينطبق الأمر على شؤون التنجيم. وأما علوم الفلك فكانت من المصادر الثلاثة الواردة. وكما مرَّ معنا فقد كانت السريانية هي صلة الوصل واداة التواصل مع تلك الثقافات . لكن شيئا فشيئا خاض العرب في تلك اللغات واقتبسوا عنها مباشرة دون الوسيط السرياني . وكانت حركة النقل بداية تعتمد على مجهودات شخصية وفردية في العصر الأموي كالتي قام بها الأمير خالد بن يزيد على صعد كتب علوم الكيمياء والنجوم . وتبعه قيام الطبيب الفارسي ماسرجويه بترجمة كتاب جامع في الطب وضعه قس اسمه اهرون. وقد نقله ماسرجويه الى العربية عن ترجمته السريانية.  وحافظت الترجمة على وتيرتها في مطلع بواكير العصر العباسي ، لكن ما ان استقر الحكم العباسي ونهضت بغداد بدورها حتى باتت حركة الترجمة والتعريب تياراً واسعاً يصعب ضبط اندفاعه في حدود أو عند حواجز. وفي عهد الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور تم نقل كتاب " السند هند" عن الهندية تلبية لرغبة وتعلق الخليفة بعلم النجوم . وخلال تلك الفترة نقل العرب عدداً من كتب الحساب ومعها نظام الأرقام الهندية الذي ما سارياً الى الآن . أما الأعمال الأكثر شهرة في عهد هذا الخليفة فكانت الترجمات عموماً . وخصوصاً تلك التي تولاها عبد الله بن المقفع عن الفارسية القديمة (الفهلوية) والهندية وأشهرها دون منازع كتاب "كليلة ودمنة".
   وفي هذا الوقت كانت المؤلفات الطبية اليونانية تجد طريقها الى العربية ويتم تداولها ونقاشها في اوساط المستشفيات والأطباء والمشتغلين بعلوم الأمراض والعقاقير والأدوية. وسجل عهد هارون الرشيد اشواطاً الى الأمام في تنشيط العلوم وتقدير العلماء، ومثله فعل الأمراء والولاة والقادة في مناطقهم البعيدة عن العاصمة. ففي عهده تم نقل كتاب اقليدس في الهندسة وكتاب بطليموس المعروف بالمجسطي في الفلك . مهدت هذه الخطوات للتحول الذي شهده عهد المأمون الذي كان معروفاً بشدة الاهتمام في الفلسفة . وقد نظم المأمون حركة الترجمة ووسع من الانفاق عليها وبنى "بيت الحكمة " . وبيت الحكمة لم يكن مجمعاً للترجمة بل مجمعاً علميا كاملاً. فقد كان يضم مكتبة زاخرة بالكتب ومرصداً ومعهداً يقصده الطلاب الذين يترددون عليه للإفادة من تجهيزاته وعلوم اساتذته المترجمين.ً واستقدم المأمون أبرع المترجمين وكان على رأسهم حينذاك شيخهم حنين بن اسحاق الذي تولى اختيار الكتب. واشرف على عمل المترجمين متوخياً الدقة والأمانة العلمية. ووصلت رغبة المأمون الى تزويد بيت الحكمة بالكتب أيا كان مصدرها ولغتها وكلفتها. وتحقيقاً لهذه الغاية أوفد المبعوثين الى مختلف المدن للحصول على المخطوطات مهما كان سعرها، بما في ذلك الى القسطنطينية نفسها.
   على أن حركة الترجمة لم تقتصر على بغداد وبيت حكمتها، بل شملت الكثير من المدن كمرو وجنديسابور وحرَّان والقاهرة وطرابلس ودمشق وسواها من مدن وخصوصا في الإندلس . ومن المعروف أن "دار الحكمة" و"دار العلم" و"جامع الأزهر" التي انشأها الحاكم بأمر الله في القاهرة قد طبعت الخلافة الفاطمية بطابعها العلمي رغم أنها اُنشئت خدمة للمذهب الاسماعيلي والتوحيدي. ولا شك أن بيت الحكمة كانت المثال الذي سارت عليه دارها . وقد استمرت هذه الدار والجامع، الذي لم يكن مسجداً للصلاة والعبادة فقط ، بل كان اشبه ما يكون بجامعات اليوم ، حتى اطاح بها صلاح الدين الأيوبي، وانشأ بدلاً منهما المدرسة الصلاحية . وأسس السلاجقة بدورهم المدرسة النظامية وجعلوا لها فروعاً في العديد من المدن. وكان لها نظام تعليمي متكامل . كما أسس الخليفة المستنصر المدرسة المستنصرية. وكانت معظم هذه المدارس تقدم لطلابها الورق والحبر والطعام والشراب والمنامة والعناية الصحية وتوفر لهم المكتبات والمصادر. وكان بعض طلابها يُنفق عليهم خلال رحيلهم الى مدن أخرى للتزود بالعلم من مصادره.  وعليه يمكن القول أن نقلة حصلت في تمويل التعليم. ففيما كان الخلفاء والأمراء هم من يتولون الإنفاق من مالهم "الخاص" على دعم المفكرين والشعراء والعلماء باتت الدولة هي المسؤولة عن الدعم الذي شمل تغطية نفقات الطلاب ومؤسسات التعليم. هذا اضافة الى اموال الأوقاف التي توجهت أيضاً نحو الأغراض العلمية ولدعم طلاب العلم، والفقراء منهم على نحو مخصوص. علماً ان تلك المدارس لم تتقاض رسوماً على طلابها كما يحدث اليوم. باعتبار أن اولاد الأمراء والوجهاء كانوا يحصلون على مؤدبين يتولون تدريسهم في قصورهم ومنازلهم.
    ومع هذا التطور العلمي بات التعليم حرفة لها أصولها ومؤهلاتها. وأصبح للمعلمين رواتب يعيشون من عوائدها. ورتباً تبدأ من المعلم للمرحلة الابتدائية وكان يعلم القرآن بوصفه أساس الدراسة . ومعه بعض المواد البسيطة كالقراءة والكتابة والقواعد مع قليل من الشعر والحساب البسيط مع شئ من الحديث والتاريخ . والمدرس هو من يحاضر في العلوم العالية وكانت تتم الدراسة في المساجد ودور العلم. ويقدم المدرس خلالها محاضرته، وبعد الانتهاء منها يسمح للطلاب بطرح الاسئلة . وحالما ينتهي يتولى معيد مساعد له، عرض ما تضمنته المحاضرة، ويجلي ما يكون قد غمض من معانيها . وعمدت بعض المدارس الى التخصص في العلوم الدينية مع توجه مذهبي واضح لا لبس فيه، كالأزهر والمدارس النظامية والمستنصرية. الا انه كانت هناك معاهد مدنية متخصصة في علوم الطب والطبيعة والرياضيات والفلسفة. وكانت العديد من المواد العلمية المتخصصة تدرس في المختبرات والمكتبات والمستشفيات والمراصد. وكان الشيخ والاستاذ رأس الهرم التعليمي العالي. وكان كلاهما مرجع في مجال اختصاصه ، ويحاضران في مواد الدراسات العليا المعمقة. وهما من يملكان الحق في منح الإجازة للطالب بممارسة التعليم لدى انتهائه اذا كان من المجلين في دروسه. وعليه فالإجازة من حق الاستاذ والشيخ وليست من صلاحيات المعهد.
   وقد بلغ من تطور المدارس أن أصبحت هناك مناهج ومراحل تصل الى الإختصاصات العالية كما هي عليه مدارس اليوم وجامعاته.  وكانت بعض معاهد المدن والمدارس مختصة بفرع من فروع العلم كالفلسفة والطب والعقاقير أو الرياضيات والفلك والمنطق . وقد اشتهر العشرات من المشتغلين في تدريس ونقل العلوم والمعارف من مصادرها . ولم يؤد رحيل المأمون الى تراجع حركة الترجمة بل العكس هو ما حدث، رغم أن الخلفاء الذين جاءوا بعده لم يكونوا على مثل كرمه في الإنفاق على العلم . ومن المعروف أن تفكك الدولة العباسية الى دويلات دفع بقادة وأمراء هذه الدويلات الى ايلاء المعارف على اختلافها العناية والرعاية اللازمتين . أي أن نوعاً من أنواع اللامركزية العلمية قد تحققت بخروجها من العاصمة الى الأقاليم. وكانت المكتبات متاحة في معظم المدن وكذلك المستشفيات أمام طلاب الطب والمراصد أمام الفلكيين وطلابهم . هذا ناهيك بالمختبرات والمشاغل اللازمة لصناعة الآلات والحيل وغيرها.
وفي ميدان الفلسفة لم تكن يومها هناك فواصل بينها وبين العلوم العلمية . فالعديد من الذين اشتغلوا في الطب والفلك والكيمياء والرياضيات وغيرها كانوا من الفلاسفة . والواقع أن العلم يغذي الفلسفة ويتغذى منها . ويتسع هذا النطاق الى العلوم الشرعية أو الدينية ، فكلاهما يدعوان الى الكمال انطلاقا من النظرة الكلية الى الكون بمكوناته العلوية والأرضية . والخلاف بينهما هو أن الفلسفة تعتمد النظر الاجتهادي التأملي والاستدلال والبراهين. بينما نرى أن الدين ينطلق من نص مقدس وحكمة علوية سماوية بلغت الناس من خلال الأنبياء والرسل الذين حددوا في شرائعهم الحلال والحرام والخير والشر والفضيلة والرذيلة والأوامر والنواهي الى ما هنالك.
   على أي حال لم يكن لدى العرب فلسفة قبل الاسلام، وفي صدره حتى نهاية عصر الدولة الأموية. وان كان لدى بعضهم نظرات في الوجود والخلق والانسان والحياة والموت والشرائع والعبادات وغيرها. و كان هناك من العرب من اطلع على بعض يسير من فلسفات اليونان والهند والفرس . ومن المعلوم أن ثقافة اليونان كانت حاضرة بقوة في المنطقة التي سيطر عليها العرب في بلاد الشام ومصر. وكانت اللغة اليونانية معتمدة في الدواوين والادارة العامة . ولا يصعب أن يكون قد تسرب الى العرب بعضا من فلسفة اليونان من خلال الكهنة ورجال الدين المسيحيين الذين سبقوا واطلعوا عليها وأفادوا منها في مجادلاتهم لدى حدوث الانقسام داخل الكنيسة نفسها. ومن المعروف أن اليونان سبقوا سواهم من الشعوب في عمق النظر الى الطبيعة وموجوداتها من العناصر والمواد وأصلها وحقيقة العالم المطلقة وعالم الفكرة والآلهة والسماء والانسان والحقوق والحرية وغيرها من مسائل. وتنوعت لديهم المذاهب وتعرض كل منها الى نقد من الفلاسفة الآخرين. وهو ما أوجد مناخاً خصباً من التفاعل قل مثيله لدى الشعوب. وقد عبرت عنه مطارحات ومحاضرات مدارس المدن اليونانية وفلاسفتها الماديين والمثاليين. والفلسفة في الإسلام بدأت انطلاقاً من الانشقاقات الفكرية والصراع السياسي والفرق. وثار نقاش حاد حول كل من مرتكب الكبيرة والصغيرة والحرية والجبر لدى الانسان. وسرعان ما توسع الجدل الى الجنة والنار والحساب والثواب والعقاب وماهية الصفات الآلهية والنبوة وضرورتها وصفاتها والحلال والحرام وغيرها من مسائل الجدل المعروفة...
    وفي مثل هذا المناخ اتجه المتكلمون المسلمون الى الفلسفة اليونانية لدعم آرائهم واجتهاداتهم الفكرية، كما فعل سابقوهم من رجال الدين المسيحيين. وكان المعتزلة هم الرواد في هذا المجال . وقد نشأ هؤلاء حول واصل بن عطاء احد تلامذة الحسن البصري الذي خرج على معلمه انطلاقاً من خلافهما حول مسألة مرتكب الكبيرة والحكم عليه. ففيما يعتبره واصل أنه لا مؤمن ولا كافر، بل في منزلة بين المنزلتين. وعليه فلا بد أن يدخل النار ليذوق العذاب . كان استاذه الحسن البصري يصفه بأنه مؤمن ولكنه منافق . وقد وجد المعتزلة المتقدمون في الفلسفة اليونانية مدداً زاخراً استعانوا به لتظهير آرائهم وتمتينها. كما استرشدوا بعلم المنطق في عرض ادلتهم وتقديم براهينهم . ومع أن هذه الفرقة نشأت في نهاية الدولة الأموية الا أن شهرتها ذاعت في العصر العباسي وتحديدا خلال خلافة المأمون وقبلها. والملفت أن الذين انشقوا عنها وكانوا قبلاً في صفوفها استخدموا منهجها في مواجتها . والمقصود بذلك ما فعله اصحاب مذهب الأشاعرة. وهو مذهب يُنسب الى مطلقه و مؤسسه أبو الحسن الأشعري. ويعتبره كثيرون الى الآن أنه مذهب أهل السنة، علماً أن هؤلاء لديهم فقهاء ومذاهب أخرى كالتي أسسها وصاغها كل من الأئمة : المالكي والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو يوسف . أيضا خلال العصر العباسي الأول عمق الامام جعفر الصادق ما وصل اليه من الفكر الشيعي وعمل على تطوير ما توصل اليه من علم آل البيت . وصرف جهده واجتهاده على تقنينه في شروحات تمت صياغتها بعد رحيله. ومعه ظهرت على نحو جلي فكرة الإمامة وشروطها وضرورتها والعصمة وغيرها من مسائل خلافية الى اليوم.
   على أي حال باتت الفلسفة في صميم الثقافة العربية الاسلامية . وكانت الترجمات من المصادر اليونانية ذائعة من خلال المحوِّل السرياني . والتعرف على هذه الفلسفة هو المدخل . ثم يمر المُقبل على هذا العلم في مراحل اختمار قبل أن ينطلق الى تأصيل رؤيته وبناء فلسفته الخاصة . ولعل أول من اهتم بالعلوم النظرية والعقلية والتجريبية هو يعقوب بن اسحاق الكندي الذي خاض في علوم اليونان كافة، ومن ضمنها الفلسفة بطبيعة الحال . وقد لجأ الكندي الى تأصيل المصطلحات الفلسفية العربية عبر تعريب اليونانية من جهة، والاشتقاق و بناء التعريفات العربية من جهة ثانية . ومما يلاحظ أن الكندي حاول أن يوفق بين الشريعة والعقل وبالتالي بين الدين والفلسفة . وهو ما تابعه فيه العديد من علماء وفلاسفة الاسلام شرقاً وغرباً. علماً أن بعضهم تمايز عن البعض الآخر لجهة مكامن التشديد. ودون مزيد من الغوص في هذا الجانب، يكفي القول إن العرب انتجوا تراثاً فلسفياً غنياً . هذا التراث وان كان يمت بصلة الى اليونان وفلسفتهم، لكنه يتجاوزها. والمؤكد أنه يتمتع بالأصالة كونه ينطلق من المشكلات التي كانت تواجههم في حياتهم المباشرة وتختبر نظرتهم الى الكون والخالق والمخلوق ومسائل الايمان والكفر والخير والشر والمعتقدات وسواها. ومن الأسماء التي تبرز في هذا الاطار الفارابي والشيخ الرئيس إبن سينا وابن طفيل وابن رشد والغزالي وآخرين.      
اذن لم يستمر العرب طويلا في الاعتماد على الترجمة. اذ سرعان ما بداوا بكتابة التعليقات والشروحات على المؤلفات السابقة. ثم توجهوا نحو التأليف في الحقول التي سبقهم اليها سواهم. وتبدو عبقريتهم في العلوم التي لم يسبقها اليهم الآخرون . وفي مثل هذا المناخ العلمي المتنوع صدرت العديد من الموسوعات في مجالات الأدب واللغة والتاريخ والرحلات والجغرافيا وسواها. وسجل العرب فتوحات واكتشافات فكرية في مجالات علوم معروفة أو تلك التي لم يسبق اليها أمحد قبلهم . وهو ما ينطبق على: الفلسفة والفلك والطب الجراحة العامة والزراعة والبيطرة والكيمياء والطبيعيات والرياضيات والحساب والجبر. كما حافظوا على الكثير من الأصول اليونانية في الفلسفة وغيرها من العلوم التي فُقدت بلغتها الأصلية. وقد أخذ الغرب في القرن الثالث عشر عن العرب الأصول اليونانية، والابتكارات التي اضافها علماء العرب وسجلوا فيها كشفاً أو تقدما في مختلف العلوم والمجالات. ومن المعروف أن الحروب الصليبية وضعت اوروبا وجها لوجه أمام المعارف العربية ومدى تقدمها عن مثيلاتها في أوروبا . لكن الاندلس شغلت أهم المراكز التي أتاحت لاوروبا التعرف على تراث العصور الوسطى بكل ما يتضمنه. كما لعبت الدور ذاته وان أقل جزيرتي مالطا وصقلية . وقد قصد الطلاب مكتباتهما واطلعوا على ما تحويه من ذخائر وترجموا الكثير من موجوداتها . وهناك العديد من المؤلفات العربية في الطب وسواه حافظت على موقعها ككتب لتدريس المواد في الجامعات الأوروبية عدة قرون متتالية قبل أن يتم تجاوزها وانشاء مؤلفات اكثر تطوراً. وفي مجال الجغرافيا وادوات الملاحة استعان اوائل المستكشفين الأوروبيين بالخرائط والاسطرلاب العربي في رحلاتهم البحرية نحو أميركا ورأس الرجاء الصالح. وهناك ما لا حصر له من مجالات أفادت منها أوروبا من علوم العرب ومنجزاتهم . مما يعني أن العرب حملوا لواء العلم بتنوعه عدة قرون، وفي مختلف البقاع التي استقروا فيها. ونجحوا في تسجيل كشوف ومركبات وابتكارات الكثير منها كانت في اساس النهضة التي عرفتها أوروبا منذ القرن الرابع عشر الميلادي. وحتى الآن مازالت الكثير من المصطلحات والأسماء العربية حاضرة في العديد من اللغات الأجنبية دليلاً على تلك الفتوحات الفكرية التي حققها العلماء العرب في مختلف العلوم والفنون . على انه يجب أن يكون واضحا أن المساهمة في هذه العلوم كانت مساهمات شعوب كثيرة، وإن كانت جميعاً دونتها باللغة العربية التي باتت لغة العلوم والتأليف في عالم كشوفات ومنجزات العصور الوسطى الزاهية.
بغداد مدينة الله المدورة :
 
    من المتعذر عرض الإنجازات العمرانية التي شهدها العصر العباسي في مرحلتي المركزية واللامركزية على حد سواء. ومما يجعل من مثل هذه الامكانية مستحلية اتساع رقعة هذه الدولة، والتحولات التي حدثت في عصر الدويلات. وبروز ما يمكن أن يسمى كيانية في مختلف الأجزاء المكونة لهذه الدولة الواسعة، لها جذورها السياسية والاجتماعية والثقافية وأحياناً الدينية وحتى المذهبية. وقد ابدعت الدويلات منشآت وآثاراً تعتبر الى اليوم باعتراف الأونيسكو جزءا من التراث الانساني العالمي ، عدا تلك التي صنفت ضمن عجائب الدنيا السبع كتاج محل في الهند الذي يجمع بين الطُرز الهندية والمغولية والاسلامية. وما نتحدث عنه من انجازات يشمل بناء المدن والأسواق والمساجد والكنائس ودور العلم والقصور والمنشآت العامة والجسور وقنوات المياه والحدائق، وكل ما يخطر ولا يخطر على بال. بالطبع لا يمكن القول أن هناك طرازاً عباسياً واحداً استمر معتمداً طوال مراحل هذا العهد. فالفعلي ان كل واحد من هذه الانشاءات افاد مما سبقه محلياً من فنون هندسية . وعمل على الانطلاق مما هو سائد من أنماط عرفتها تلك القرون وقام بتطويرها والإبداع بالإضافة على ما سبق. هذه النماذج في الوقت ذاته، انطلقت من موروث محلي الى هذا الحد أو ذاك. وعملت في الوقت نفسه، على خلق وابتكار طابعها الخاص بها الملائم للمرحلة. وهو ما يجعل من فنون العصر العباسي عنواناً عريضاً تندرج تحته عناوين كثيرة. وكل منها تنطبع في معظمها بطابع أقليمي خاص بواحدة من المناطق نتيجة ظروفها وقوتها السياسية والاقتصادية والثقافية. فمثلا العمارة وفنون الرسم الفارسية حافظت على موروثات سابقة على الاسلام بما فيه تصوير الناس والحيوانات، وأضافت اليها ما أوحاه الدين الجديد من ابداع. وهو ما أنطلقت وانجدلت فيه اساليب متعددة. واعتبرت أن ذلك كله يعبر عن شخصيتها الحضارية والثقافية المميزة في ذلك المفصل من الزمن. وينطبق ذلك على ما أنجزه امراء الإندلس من الأمويين وملوك الطوائف من مساجد وقصور وانشاءات ما تزال تحفاً مصنفة عالمياً. ولا مثيل لها وتجذب اليها ملايين السياح والمشاهدين. بالطبع هناك شخصية معمارية عرفتها بلاد المغرب العربي تنتمي الى التراث العربي كما تنتسب الى التراث المحلي المتأثر بالأساليب الرومانية والمفعم بالموروث البربري. وينطبق الأمر كذلك على كل من: مصر واليمن وبلاد الشام والهند وبلاد فارس وهكذا. لكن تلك التراثات رغم غناها، لا يمكن أن تختصر الانجازات التي تحققت في مختلف المدن والميادين. ولا يمكن النظر اليها بمعزل عن المفهوم الاسلامي للفنون . لن ندخل في تفاصيل واسعة على هذا الصعيد. وهي تفاصيل تعني طلاب وكتب الآثار بل سنتناول أهم انجاز هندسي قام به العباسيون وهو بناء مدينة بغداد عاصمة الخلافة العباسية.
بداية لا بد وأن نشير الى أنه لم يكن لدى العباسيين عاصمة يمارسون منها سلطاتهم. ولم تكن هناك مدينة جاهزة للعب هذا الدور، كما حدث مع الأمويين الذين حكموا انطلاقا من عاصمتهم دمشق. وعندما بويع أبو العباس السفاح الخليفة الأول في الكوفة، تنقل خلال أربعة سنين من حكمه بين ثلاثة أو أربعة مواضع . فقد اقام فترات متفاوتة في كل من الكوفة وهاشمية الكوفة وهاشمية الأنبار وواسط . والمواضع المذكورة أظهرت تعذر اعتماد أي منها عاصمة للدولة لأسباب متعددة. المهم أن الحلول لم تتوفر له لعلاج مشكلة اختيار عاصمة للخلافة. فاختيار دمشق والمدينة ومكة والكوفة والبصرة وواسط لم يكن ملائماً لأسباب لها علاقة بالتحولات التي طرأت على الاجتماع الاسلامي ومراكز الثقل والاتجاهات السياسية وخارطة الدولة الجديدة والتجارة وغيرها. اذن توفي أبو العباس ولم يجد حلا لهذه المشكلة . ومع انتقال الخلافة الى أبي جعفر أطلت المعضلة برأسها ثانية. خلال السنوات الأولى من حكمه تفرغ المنصور للمشكلات تبعاً لأولوية واضحة لديه، تقوم على مبدأ بناء سلطته وحماية وحدانية قراره بالإمساك بزمام الأمور. وعندما نجح بالتخلص من عمه وأبي مسلم، وصفا له الجو لممارسة سلطانه أخذ يفكر في عاصمة لدولة بدأت فعلاً لكنها ستستمر حتى فناء الكون والحياة ، أي حتى يوم القيامة كما كان الاعتقاد لدى العباسيين في حينه .
   اذن لم يكن وارداً لدى أبي جعفر اعتماد الحلول المؤقتة أو المرتجلة كالتي جربها سابقه ولم تنجح. وانطلاقا من المعطيات قرر البحث عن مكان ملائم لاقامة عاصمة عليه . وبدأ البحث انطلاقا من الكوفة صعوداً. وبعد الوصول الى الموصل في شمال العراق، عاد الخليفة وفريقه ادراجهم نحو وسط العراق . وفي الوسط عسكر مع أصحابه الذين تابعوا التفتيش عن مكان مناسب لعاصمة الدولة العباسية. خلال تلك الأيام عرضت عليه عدة مواضع. وقد رفضها جميعاً لأنها لا تحتمل الجند والناس والجماعات . الجند هم جيش الخليفة. فالعاصمة دوماً هي مركز لعسكر الخليفة دفاعاً عن الدولة من أن يتهددها خطر من داخلها . ولانطلاق الجيوش منها نحو المناطق الثائرة لإخماد حرائقها . يبحث ابو جعفر إذاً عن مكان للجند والناس والجماعات وشخصه بالتأكيد . مكان تصل اليه الموارد من شتى الجهات فترخص به الأسعار وتجد الجماعات وأصحاب الحرف والصناعات والناس عموماً مصادر وافرة للعيش. مكان مفتوح على مصادر الزراعة والمواشي، وما تحمله البحار والأنهار والطرق البرية من أربع جهات الأرض من بضائع وحاجيات.  يعني مكان واسع لعاصمة قابلة للتطور مادام عمرها سيتواصل الى يوم الحشر في المفهوم الاسلامي . وبالطبع لا احد يعلم موعد النفخ في الصور وزوال الحياة قبل بعث الناس ثانية لملاقاة ربهم والخضوع للحساب ثواباً وعقاباً . وعلى العاصمة الموعودة تلبية مثل الطموح هذا.
    كان العرب قد تعرفوا على المكان الملائم هذا في العالم 13 هجرية / 634 ميلادية خلال تقدم المثنى بن حارثة في عمق العراق. فقد أبلغه سكان الحيرة عن قرية تقوم بها سوق شهيرة عظيمة يقصدها تجار من فارس والأهواز وسائر البلاد . وكان المكان المذكور يعرف باسم بغداد. وقدم الفرس أدلاء اليها، فهاجمها المسلمون فهرب الناس وتركوا أموالهم، فأخذ المسلمون من الذهب والفضة وسائر الأمتعة ما قدروا على حمله ثم رجعوا الى الأنبار. لكن الروايات حول المكان أوسع مما ورد حول تلك الغارة. فياقوت الحموي يذكر رواية أخرى تجعل من المكان مقصداً لتجار الصين يحملون اليه سلع بلادهم . وكان كما يذكر أن ملك الصين في حينه اسمه بغ . وكان هؤلاء التجار اذا انصرفوا الى بلادهم قالوا بغ داد أي أن هذا الربح الذي ربحناه هو عطية من عطايا الملك . بالطبع زال السوق القديم أياً كان التجار الذين يقصدونه. لكن المكان لم يكن ولم يتحول الى ارض خالية. ففي المكان كان هناك دير على رأسه بطريق. وفي المكان قرية قديمة أو أكثر تدين بالمسيحية ، ومطحنة وبستان وغيرها. يستدعي الخليفة البطريق ويسأله عن المكان ومناخه وأحواله في الحر والبرد ، في الصيف والشتاء. وفي الطرقات المائية والبرية التي تخرج منه وتصل اليه. ثم يأمر معاونيه أن يبيتوا في المكان لاختباره عيانياً. وبعد المبيت عاد كل منهم ومعه مطالعته. وأمام الخليفة تجمعت مطالعات تقول أن هذا المكان يتمتع بجغرافية مميزة فتصل اليه سفن الصين والهند والبصرة والأبلة والأهواز وفارس وعُمان واليمامة والبحرين . ويرتبط كذلك بنهري دجلة والفرات. والنهران يحملان اليه موجودات ومنتجات الشام  والموصل وديار ربيعة واذربيجان وارمينيا ومن ديار مضر والرقة وكذلك يتصل المكان بالتجارة الوافدة من مصر والمغرب و... اذن مكان ملائم مفتوح على الطرق البحرية والنهرية والبرية على حد سواء . وفي المكان مساحات ملائمة لمزيد من التوسع. وطبيعي أنه في مثل هذا الموقع فإن دولة أمير المؤمنين هي بين انهار لا يصل اليها عدوها الا على جسر او قنطرة . فاذا قُطع الجسر وأخرب القناطر لم يصل اليه عدو . والخليفة وعاصمته بين دجلة والفرات لا يجيئه احد من المشرق والمغرب ، الا احتاج الى العبور. والعاصمة تتوسط البصرة وواسط والكوفة والموصل والسواد العراقي كله. بعد هذه المطالعات يتم اختيار المكان باعتباره يجمع كل المواصفات المطلوبة . وهي مواصفات متداخلة فهي بشرية وجغرافية ومناخية وعسكرية دفاعية واقتصادية وتجارية وزراعية.
على أن اختيار المكان لا يعني الجزم بتحول الفكرة الى مشروع قابل للتحقيق . نحن نتحدث عن عاصمة قدر لها أصحابها أن تكون أبدية . وعاصمة على هذا المستوى تحتاج الى معرفة طالعها وما تقوله عنها النجوم. فاذا أظهرت النجوم أن طالعها سيكون مزدهراً تم دفع المشروع خطوة اضافية نحو التحقق. واذا ظهر العكس جرى صرف النظر عن المحاولة قبل أن تبدأ. وكان أبو جعفر من المهتمين بعلم الفلك ونشره، والمؤمنين بما يقوله عموماً وعما يحمله الطالع عن مدينته خصوصاً. والمعروف عنه أنه من اوائل الخلفاء الذين قربوا المنجمين اليهم. وقد عمل بأحكام ما تقوله له الأفلاك . وفور اتخاذ قراره بالمكان استدعى اليه المنجمين لأخذ طالع مدينته. وكان أبو سهيل بن نوبخت على رأس فريق المنجمين هذا. وقام أبو سهيل بأخذ الطالع ، فظهرت الشمس وهي في القوس. فأخبر الخليفة بما تدل عليه تلك الإشارة من طول بقائها وكثرة عمارتها وحاجة الناس الى ما فيها .. وغير ذلك من مميزات.
    هناك خطوة ثانية وتتمثل هذه المرة بما تقوله الكتب عنها. والكتب هي من ذخائر الأديرة ورجال الدين المسيحيين، باعتبارهم من أهل الكتب والعلم. ولما كان في المكان قرى وأديرة مسيحية فإن الخليفة يسأل كهنتها عما تقوله كتبهم عن المدينة الموعودة. ويأتيه الجواب مبشراً. اذ كما تذكر بعض روايات المؤرخين فقد أكد له هؤلاء أنه هو من يبني المدينة. وأنها تستمر أبد الدهر، وتعرف الإزدهار والتطور الذي لا يعرفه سواها من مدن مشارق الأرض ومغاربها. اذن تكامل عنصرا الغيب في تحديد مصير المدينة بما هما النجوم والأفلاك وكتب الرهبان. وكتب الرهبان مسألة على غاية الأهمية في الموروث العربي القديم. فمنذ مرحلة ما قبل الدعوة النبوية الى حياة الرسول وعهد الخلفاء الراشدين والأمويين وحتى في العصر العباسي... كان هناك اعتقاد جازم أن علماء الدين المسيحيين الرهبان يملكون كتباً في محفوظاتهم تتحدث عما سيحصل في المقبل من الأيام. ويبدو أن هذا الاعتقاد أقدم من المسيحية ، اذ يعود الى أسفار اليهود القديمة وما قبلها. أما علم الفلك ومعرفة الطالع فهو من منجزات بابل الشهيرة . وكان كهنة البلاط والمراكز الدينية البابلية تعطي أهمية استثنائية لهذا العلم الذي بلغ من التطور أنه حدد قياسات السماء و ساعات ودقائق اليوم وعدد الأشهر والسنة الشمسية على نحو دقيق مع فارق ضئيل عن التوقيت الذي نعتمده اليوم.  
    وبعد هذا الفأل الحَسَن اصدر الخليفة اوامره بتخطيط المدينة. وبعد أن تم اعداد المخطط اراد أن يرى المدينة بما تصير عليه امامه عياناً. وفعلا قام المهندسون باعداد رسم بياني بالرماد . وقام بالدخول من البوابات والفصلان والطاقات والرحبات . كما نظر الى الخنادق التي تحيط بها وكذلك شاهد بأم عينيه السور الذي سيحمي المدينة. وكي يكون المشهد أكثر وضوحاً أمر أن يوضع على الرماد القطن ثم جرى صب النفط عليه ، واخذ ينظر اليها والنار تشتعل فيها فعرف مدى دقة الرسم. بعد هذه المعاينة جرى الشروع في العمل بعد أن وضع الخليفة الحجر الأساس. لكن هذا التقدم نحو الشروع في التنفيذ يفتح النقاش أكثر مما يقفله. فالمعروف أن المخطط الذي اختاره المنصور هو مخطط لمدينة دائرية. وهنا ينتصب السؤال لماذا اختار هذا الشكل من دون سواه من الأشكال كالمستطيل أو المربع أو غيرهما.
    ومن المعروف أن الشكل الدائري هو من الأشكال التي عرفتها تخطيطات الكثير من المدن والقرى القديمة في مصر وبلاد الشام وفارس خلال العصور الغابرة. ثم جرى التخلي عنها. ودون الدخول في التكهنات يمكن القول أن الدائرة هنا هي فكرة فلسفية ترتبط بما هو أسمى . أي باللامتناهي بما هو الخالق أو السماء . اذن ما  يبدو مجرد شكل هندسي يعبر عن فكرة فلسفية تعبر عن التراتبيات بين السماء والأرض. وعلى الأخيرة هناك مبدأ التراتبيات الاجتماعية بين الخليفة وعائلته المقدسة والآخرين  . من هنا يمكن القول أن التخطيطات التي تبدو عشوائية لدى البعض، هي غير عشوائية أبداً ، اذ أنها تتبع في تكوينها الواعي وغير الواعي نظاماً محدداً ومنظومة فكرية متكاملة . فالمخطط الهندسي يكشف عن نوايا ومضمرات صاحب المشروع . فالشكل الدائري هنا يعبر عن كونية مفتوحة على حدود الماورائيات اللامتناهية. ومن المعروف أن الدائرة هي الشكل الهندسي المقدس. وما زالت الى الآن القباب من خصائص المساجد والكنائس. ويمكن ذكر عشرات القباب المشهورة في أبنية كل منها شرقاً وغرباً. وتعني القبة شكل السماء المقلوب، كما تعبر عن القداسة والمطلق والسلطة. باعتبار أن الأشكال الهندسية الأخرى لا تعبر عن مفهوم السلطة وجلالها ذي المصدر السماوي. ولا ننسى أن المجتمعات في العصور الوسطى كانت تعتبر سلطة الخليفة أو الملك ذات مصدر آلهي وليس دنيوي مصدره العامة من الناس عبر عملية البيعة أو الاقتراع . كما أن الكثير من المجتمعات كانت تصف الممسك بزمام السلطة بأنه كائن نصف آلهي ونصف بشري. ولعل هذا الشكل يعبر أيضاً عن ثنائيات عربية وفارسية، توحيدية وثنوية، اسلامية ومزدكية ، بشرية وآلهية وغيرها. ان ما يدفع الى اعتبار هذا التعبير من وظائف المخطط أن بغداد أنشئت عاصمة امبراطورية لدولة تمتد من الصين والأواسط الآسيوية الى المغرب والإندلس. أي أنها تشمل معظم أجزاء العالم القديم والوسيط. والواقع ان العباسيين ومعظم المؤرخين والجغرافيين العرب وضعوا بغداد في قلب هذا الكون ووصفوها بأنها سُرة الأرض.
    ثم أن عدداً من هؤلاء رأوا في التدوير دلالات لا يحتملها التربيع . أما هذه الملاحظة فتنصرف الى موقع الملك في قلب الدائرة . وكذلك الى شكل سرمدي لا بداية له ولا نهاية ولا تقيده الأضلاع. أي أن الخليفة في مركز الدائرة حيث رعاياه على مسافة واحدة منه . اذن هناك رغبة في الوقوف على مسافة واحدة من عناصر ومكونات الناس المشكلين للدولة مهما كانت انتماءاتهم . وتختلف في ذلك بغداد عن دمشق، التي كانت لدى الأمويين عاصمة عربية صرفة. حتى أن معاوية فكر في وقت من الأوقات بالتخلص من الموالي ومنعهم من دخولها بعد أن كثروا فيها. وهو ما كان يخشاه قبله عمر بن الخطاب الذي كان له موقف مشابه لجهة منعهم من دخول المدينة. وهو ما رفضه عدد من كبار الصحابة ذوي النفوذ والثراء ولديهم حاجة للأيدي العاملة الرخيصة من أي مصدر كان.
    واذا دققنا في الجانب الجغرافي نجد أن للعراق ثلاث واجهات هي: الشامية ، أي نحو بلاد الشام ، والعربية، أي نحو الحجاز ، والبحرية ، أي نحو بحر فارس . أيضال لديه بلاد الموصل وهذه تفتح الطريق الى ارمينيا وبعدها نحو امبراطورية الروم اعتماداً على الطريق البري او البحر الأسود . انطلاقا من بندر طرابزندة الكبير . وتقع طريقان اساسيان في الشمال وتمران بالهضبة الفارسية العالية وبالري "باب البحار" وأحد "ابواب الأرض". وتذهب الطريق الاولى منهما نحو بحر الخزر الذي يتلقى تجارة قبائله وتجارة روسيا . أما الثانية فتتجه من الناحية المقابلة الى خراسان وخوارزم حيث تنفتح على صقالبة وترك آسيا الوسطى . ثم يضاف الى هذه وتلك الواجهة الشمالية الشرقية التي تعتبر باباً مفتوحاً على قوافل خراسان وخوارزم وما وراء النهر وسهوب آسيا الوسطى وصين الحرير . وتبقى أخيراً الجهة الجنوبية الشرقية من ناحية خوزستان وهي ممر عبور يؤدي الى فارس وكرمان ووادي السند . كل هذا ولم نتطرق الى الطرق العرضية التي تتجه من الغرب الى الشرق أو العكس . وهذه تجعل من بغداد والصين والهند مجرد نقاط على خطوط واحدة . ومن المعروف أن الامبراطورية التي ورثها العباسيون عن الأمويين تنقسم الى اجزاء كبرى كثيرة و أبرز اقاليمها ومدنها هي :

  1. الجزيرة العربية وترتبط هذه بطرق مع كل من مصر والعراق وبلاد الشام .
  2. العراق وأبرز مدنه في حينه الكوفة والبصرة وواسط والأولى هي عاصمته.
  3. اقليم الجزيرة ومركزه الموصل . ويضم ديار مضر وعاصمته الرقة وديار بكر وعاصمته آمد
  4. الشام وعاصمته دمشق ويضم الأردن وفلسطين وغيرها.
  5. مصر وتضم الفسطاط وأبرز مدنها الاسكندرية وضمنه الصعيد والواحات.
  6. اقليم المغرب وأبرز مدنه هب : برقة والقيروان وسجلماسة وفاس . والاندلس وعاصمتها غرناطة. وقد خرجت بعد سنوات قصيرة من حكم العباسيين.
  7. اقليم الشرق وابرز مدنه فرغانه وسمرقند وبخارى وخراسان وغيرها
  8. اقليم الديلم وابرز مدنه هي قَدَس وجرجان وشهرسستان.
  9. اقليم الرحاب وابرز مدنه برذعه وارمينية واذربيجان .

    10 - اقليم الجبال ويضم الري وهمذان واصفهان .
11- اقليم خوزستان – الأهواز وابرز مدنه جنديسابور وتستر والأهواز .

  1. اقليم فارس وفيه أرجان واردشير وداربجرد وشيراز وسابور .
  2. اقليم كرمان وفيه بردسير ونرماسير والسيرجان .
  3. اقليم السند وفيه مكران وطوران والسند والمنصورة.

   إذن كان على العاصمة الموعودة أن تمثل القلب في كل هذا الامتداد الجغرافي شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً. بمعنى أن تتوسط كل هذه الأقاليم وترتبط بها بما يمهد لدورها وحكمها ومحورها المركزي. ومن هذا الموقع بالتحديد يتم اصدار الأوامر والتعليمات الى مختلف الأقاليم وحكامها. وتتلقى الخلافة منها الرسائل تشرح مجريات أوضاعها وتسأل صاحب الأمر والنهي والوزراء عن السياسات الملائمة. إن عدم نجاح المركزية كما تبين بالتجربة العملية، لا يعني بأي حال من الأحوال، غياب هذا المعطى الأساسي لدى الخليفة لدى اختياره المكان وتخطيط عاصمته .
   المهم أن بناء العاصمة استغرق حوالى اربعة اعوام بدءاً من العام 145هجرية وحتى العام 149 هجرية/ 762- 766 ميلادية . أما التخطيط الدائري هذا فيبدأ من الأسوار. وكان للمدينة في المخطط سوران يحيطان بها للدفاع عنها في مواجهة الطامحين والطامعين. وفي القلب من المخطط المسجد الجامع وقصر الخليفة . والمسجد الجامع هو حيث يصلي الخليفة يوم الجمعة. أما الأحياء فلها مساجدها اليومية الخاصة. ومن ملاحظة مساحة كل من القصر والجامع، يتبين أن القصر هو اضعاف مساحة الجامع. مما يعني ثقل وزن السلطة المدنية على حساب المرجعية الروحية. بعد قلب الدائرة حيث القصر والجامع هناك منازل أبناء الخليفة الكبار والصغار. ويليهم منازل الوزراء و كبار قادة الجيوش. وهؤلاء جميعاً يتوجب أن يكونوا على مقربة منه. وتأتي بعد هؤلاء الدواوين والدوائر الأساسية التي يحتاج اليها الخليفة يومياً، وهي تحتاجه لإطلاعه على المستجدات والطوارئ ولتلقي تعليماته وأوامره. بعد ذلك ندخل في منازل العامة حيث أربعين سكة منفصلة بشوارع طولية وعرضية. وننتهي على مقربة من الأسوار حيث الأسواق التي تعرض البضائع والمنتجات التي يحتاج لها هذا الحشد من الناس المقيم وسط دائرة عاصمة الدولة. وقد جرى تقسيم المخطط الأصلي الى أرباع وعلى كل منها مسؤوله، ليتولى عملية الإشراف على بنائه. وفور تحديد هؤلاء المسؤولين نادى الخليفة من أجل جلب المهندسين والصناع والفَعَلة والعمال من الشام والموصل والجبل والكوفة وواسط والبصرة . وتفيد بعض روايات المؤرخين أن الرقم الذي شارك في عملية الإعمار كان خمسين الف رجل . الا أن روايات أخرى تحدد العدد بمائة الف من مختلف المهن والصنائع. وتولى الإشراف التنفيذي عليهم قادة الجيوش وكبار موظفي الدولة . وهكذا بدأت تظهر معالم عاصمة ملكية مستديرة يتم الدخول والخروج منها عبر اربع أبواب هي : باب خراسان ، باب الكوفة ، باب البصرة وباب الشام . وتفيد المعلومات أن أبا جعفر المنصورة تابع كل شاردة وواردة في عملية البناء مهما صغرت أو كبرت . وكان يتولى حساب الكلفة بنفسه يومياً. ومن تبين أن هناك خطأ في حسابات الكلفة التي يقدمها حبسه بها. كما فعل مع خالد بن أبي الصلت الذي بقي عليه خمسة عشر درهماً فحبسه بها أياماً حتى ادّاها. وتفيد بعض معلومات المصادر أن القوة العاملة التي بنت بغداد ضمت العرب والموالي من ابناء البلاد على حد سواء .
    ومن المعروف أن القصر الذي بناه أبو جعفر المنصور اُطلق عليه لقب قصر الذهب أو باب الذهب أو قصر أبي جعفر. والمشهور عن هذا القصر أنه كان مذهباً. وكان لأبي جعفر قبل بناء بغداد قصر يحمل اسم الخُلد. والخُلد منه الخلود. وبهذا المعنى فإن التسمية تعبر عن تصور العباسيين لسلطانهم الأبدي والأزلي . وكان في القصر ايواناً واسعاً يبلغ طوله ثلاثين ذراعاً في عشرين ذراعاً. وفي صدره مجلس مساحته الى حد عقد القبة عشرون ذراعاً ، فصار من الأرض الى رأس القبة الخضراء ثمانين ذراعاً . وعلى رأس القبة تمثال فرس عليها فارس . وكانت القبة الخضراء تُرى من اطراف بغداد. أما الفارس الذي يعتلي القبة ففي يده رمح . وعُرفت هذه القبة بقبة الشعراء لأن هؤلاء كانوا يجتمعون فيها لإنشاد قصائدهم في حضرة الخليفة. وكان القصر والجامع يفتحان على ساحة عامة دائرية وسط  المدينة. وكان في القصر دهليز يصل خارج المدينة الى بعد مساحة فرسخين . وكان الدخول الى الساحة أو الرحبة هذه، كما تسمى في المصدر مسموحاً به للمشاة فقط . مما يعني أن هناك حراساً وأبواباً تفتح أمام المشاة وتقفل في وجه حيوانات النقل  والركوب ومن عليها. أما الأسور فكان عليها 360 حصناً ويتضمن كل حصن هندسة متعرجة ومربكة لإمتصاص أي هجوم عليها والقضاء عليه قبل تمكنه من السيطرة على الأبواب . وهذه قد خضعت لحراسة مشددة عليها جنود يتولون مراقبة الداخلين والخارجين . ويتولون اقفالها مساءً وفتحها كل صباح. وقد اخترقت المدينة - الدائرة  أربع شوارع كبيرة تصل بين البوابات والرحبة من الجنوب الى الشمال ومن الشرق الى الغرب .
يمكن تقديم شروحات مسهبة حول سكان بغداد الأوائل ووظائفهم وأصولهم وغيرها. وحول الطرقات أو السكك الداخلية في المدينة وموقع اصحابها في اسلاك الدولة الأمنية والعسكرية والادارية. ومَن منهم مِن العرب ومن فيهم من الموالي. وطابع الوظائف والمهن والحرف التي كانوا يزاولونها وغير ذلك من تفاصيل وردت في المصادر. وكذلك يمكن العودة الى الجدل بشأن موقع الأسواق هل كانت حقا قرب الأسوار أم لا. وهل كانت هناك بوابات تمنع من الوصول الى الساحة العامة أو الرحبة حيث القصر والجامع أم لا؟. وغيرذلك من المسائل والأسئلة . لكن هذه تفصيلات تتطلب دراسات معمقة مستقلة. ما يعنينا ان بغداد أو أعطية الله أو دار أو مدينة السلام  بدات بالتوسع لحظة انجاز بنائها.  فقد قام المهدي ببناء معسكر لجنوده الى الشرق من المدينة واطلق عليه "عسكر المهدي "، وسرعان ما تحول المعسكر أو الثكنة بتعبير اليوم الى مكان عامر بالناس والأبنية . ولم تلبث أن انتقلت الخلافة الى الجانب الشرقي بعد أن كثر الناس وازدهرت الأسواق وغصت بمن فيها من تجار وبضائع. وما حدث في الجانب الشرقي حدث مثله في  الجانب الغربي المسمى بالكرخ فقد توسع هو الآخر وغدا مقام ذوي الجاه والثراء.  وتابع توسع المدينة طريقه ففي عهدي الرشيد والمأمون ، أي أوائل القرن الثالث الهجري ،التاسع الميلادي باتت بغداد بمثابة تجمع بشري كثيف يمتد الى حوالى تسعة أو عشرة كيلومترات. وانطلاقا من هذا التمدد باتت أهم مدينة في الشرق وأكبر مدينة في عالم القرون الوسطى . مما جعلها سُرة العالم . منها وفيها كل غنى المرحلة المادي والروحي من مختلف الأنحاء . حيث تتفاعل الشعوب بين رحابها، وتتبادل في اسواقها منتجاتها المادية. مجالسها وقصورها تضجان بفنون القول وموضوعات الجدل . أما وراقوها فيجتهدون في نسخ مخطوطات المؤلفين من أبنائها وما يحمله مثقفو وعلماء الأقطار البعيدة ممن يقصدونها ومعهم كنوز المعرفة وحصيلة التجارب . يصعب تعداد المثقفين الذين عاشوا أو قصدوا بغداد والمؤلفات التي انبثقت من ابداعاتهم . لكن ما لا بد من قوله أن هذه المدينة باتت محجة العلماء والشعراء والأدباء والفلاسفة والمؤرخين والأطباء. وكل يجد له مكاناً بين ربوعها وبين أهلها . كما يجد له تلامذة وطلابا ورواة ينقلون عنه العلم وما تجود به قريحته من متميز القول والعلم والتجربة. بحارة يفدون اليها بالسفن من المرافئ البعيدة . وآخرون يصلون مع قوافلهم المثقلة بالبضائع كنهاية المطاف. أسواق عامرة بمنتجات عالم القرون الوسطى من أقصى الشرق الى ابعد الغرب. مساجد عامرة بالطلاب والمشايخ والمؤمنين. مكتبات ومؤلفات تعبر عن صخب هذه القوى وتنوعها. أجناس من كل الملل والنحل والقوميات والأعراق . أطباء من مختلف الاختصاصات. و كان عدد المجازين منهم الفاً. مشافي ومخازن للأدوية والعقاقير من الأعشاب والمنتجات الكيماوية. حمامات ومنتزهات ومطاعم لا عد لها ولا حصر... باختصار حياة تفور كنبع الحياة الهادر.          
 
نصوص
بغداد: مدينة الله والناس
 
    "ام الدنيا وسيدة البلاد وقال الأنباري أصل بغداد للأعاجم ، والعرب تختلف في لفظها اذ لم يكن اصلها من كلامهم ولا اشتقاقها من لغاتهم ... وقال المنصور: سميتها مدينة السلام ، وفي بغداد سبع لغات : بغداد وبغدان ، وحكى الكسائي ايضا مغداذ ومغداد ومغدان وحكى الخازرنجي : بغداد بدالين مهملتين ، وهي في اللغات كلها تذكر وتؤنث وتسمى مدينة السلام أيضاً ، فأما الزوراء : فمدينة المنصور خاصة ، وسميت مدينة السلام لأن دجلة يقال لها وادي السلام ... وقال عبد العزيز بن داود : مدينة السلام لأن الله هو السلام فارادوا مدينة الله ، والمدن كلها له.. وكان اول من مصَّرها وجعلها مدينة المنصور بالله ابو جعفر عبد الله بن محمد بن علي إبن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ثاني الخلفاء ، وانتقل اليها من الهاشمية ، وهي مدينة كان قد اختطها أخوه أبو العباس السفّاح قرب الكوفة وشرع في عمارتها سنة 145 ونزلها سنة 149 ، وكان سبب عمارتها أن أهل الكوفة كانوا يفسدون جنده ، فبلغه ذلك من فعلهم ، فانتقل عنهم يرتاد موضعاً ، وقال ابن عياش : بعث المنصور روّاَداً وهو في الهاشمية يرتادون له موضعاً يبني فيه مدينة ويكون الموضع واسطاً رافقاً بالعامة والجند ، فنعُت له موضع قريب من بارمّا ، وذكر له غذاؤه وطيب هوائه ، فخرج اليه بنفسه حتى نظر اليه وبات فيه ، فرأى موضعاً طيباً فقال لجماعة ، منهم سليمان بن مجالد وأبو أيوب المرزباني وعبد الملك بن حميد الكاتب : ما رأيكم بهذا الموضع ؟. قالوا طيب موافق ، فقال صدقتم ولكن لا مرفق فيه للرعية ، وقد مررت في طريقي بموضع تجلب اليه الميرة والأمتعة في البر والبحر وأنا راجع اليه وبائت فيه، فان اجتمع لي ما اريد من طيب الليل فهو موافق لما أريده لي وللناس..
    وعن علي بن بن يقطين قال: كنت في عسكر أبي جعفر حين سار الى الصراة يلتمس موضعاً لبناء مدينة ، فنزل الدير الذي على الصراة في العتيقة فما زال على دابته ذاهباً جائياً منفرداً عن الناس يفكر، قال: وكان في الدير راهب عالم فقال لي : لِمَ يذهب الملك ويجيء ؟.قلت :إنه يريد أن يبني مدينة ، قال: فما اسمه؟. قلت : عبد الله بن محمد ، قال :أبو من ؟. قلت: أبو جعفر ، قال : هل يلقب بشئ ؟. قلت : المنصور، قال : ليس هذا الذي يبنيها ، قلت : ولم؟ قال :لأنا قد وجدنا في كتاب عندنا نتوارثه قرناً عن قرن أن الذي يبني هذا المكان رجل يقال له مقلاص ، قال : فركبت من وقتي حتى دخلت على المنصور ودنوت منه ، وقال لي : ما وراءك؟. قلت :خيرٌ القيه الى أمير المؤمنين وأريحه من هذا العناء ، فقال : قل ، قلت : أمير المؤمنين يعلم أن هؤلاء معهم علم ، وقد أخبرني راهب هذا الدير بكذا وكذا ، فلما ذكرت له مقلاص ضحك (وكان يلقب بذلك في صغره) واستبشر ونزل عن دابته فسجد ...
   قالوا: فأنفق المنصور على عمارة بغداد ثمانية عشر ألف الف دينار . وقال الخطيب في رواية :أنه أنفق على مدينته وجامعها وقصر الذهب فيها والأبواب والأسواق الى أن فرغ من بنائها أربعة آلاف ألف وثمانماية وثلاثة وثمانين ألف درهم . وذلك أن الاستاذ من الصناع كان يعمل في كل يوم بقيراط الى خمس حبات، والروزجاري بحبتين الى ثلاث حبات ، وكان الكبش بدرهم والخل بأربعة دوانيق والتمر ستون رطلاً بدرهم .
    قال الفضل بن دكين: كان ينادى على لحم البقر في جبانة كندة تسعون رطلاً بدرهم ، ولحم الغنم ستون رطلاً بدرهم والعسل عشرة أرطال بدرهم ، قال : وكان بين كل باب من أبواب المدينة والباب الآخر ميل ، وفي كل سافٍ من أسواف البناء مائة ألف لبنة واثنان وستون الف لبنة من اللبن الجعفري .. وكان المنصور كما ذكرنا بنى مدينته مدورة وجعل داره وجامعها في وسطها ، وبنى القبة الخضراء فوق إيوان ، وكان علوها ثمانين ذراعاً وعلى رأس القبة صنم على صورة فارس في يده رمح ...
   قال أبو سهل بن نوبخت: أمرني المنصور لما أراد بناء بغداد بأخذ الطالع ، ففعلت فإذا الطالع في الشمس وهي في القوس ، فخبرته بما تدل النجوم عليه من طول بقائها وكثرة عمارتها وفقر الناس الى ما فيها .. وفي مدح بغداد قال بعض الفضلاء : بغداد جنة الأرض ومدينة السلام وقبة الاسلام ومجمع الرافدين وغرة البلاد وعين العراق ودار الخلافة ومجمع المحاسن والطيبات ومعدن الظرائف واللطائف ، وبها أرباب الغايات في كل فن ، وآحاد الدهر في كل نوع . وكان أبو اسحاق الزجَّاج يقول: بغداد حاضرة الدنيا وما عداها بادية ... وكان ابن العميد اذا طرأ عليه أحد من منتحلي العلوم والآداب وأراد امتحان عقله سأله عن بغداد ، فان فطن بخواصها وتنبه على محاسنها وأثنى عليها جعل ذلك مقدمة فضله وعنوان عقله ، ثم سأله عن الجاحظ ، فان وجد أثراً لمطالعة كتبه والاقتباس من نوره والاغتراف من بحره وبعض القيام بمسائله قضى له بأنه غرة شادخة في أهل العلم والآداب ، وإن وجده ذاما لبغداد غُفلاً عما يجب أن يكون موسوماً به من الانتساب الى المعارف التي يختص بها الجاحظ، لم ينفعه بعد ذلك شئ من المحاسن ..
وعن يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي محمد بن ادريس الشافعي، رضي الله عنه : أبا يونس دخلت بغداد ؟. فقلت :لا، قال: أبا يونس ما رأيت الدنيا ولا الناس "..
 
المصدر: ياقوت الحموي،(شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي ت 626 هجرية 1228 ميلادية ) معجم البلدان ، دار صادر ،بيروت، ط 2 ، 1995 ، المجلد الأول، الصفحات : 456- 463 .
 
إبن سينا والرازي والأطباء
 
"في القرن التاسع تجسدت الثقافة العربية ، الى حد ما ، في شخص أبي علي الحسين ابن سينا ،"أمير الطب" . في السابعة عشرة من عمره ،كان ابن سينا قد درس الطب بلا معلم ، وكان ذا شهرة كافية لاستدعائه الى سرير أمير بخارى ، فعالجه وشفاه . في الحادية والعشرين وضع أول كتاب كبير .هذا وقد وضع نحو مئة كتاب ، وفيرة المادة غالباً ، تتناول الفلسفة والطب والفقه وعلم الهندسة وعلم الفلك والقانون وعلم اللغة ، ألخ.. كما وضع قصائد ممتازة ، وصلنا منها 15 قصيدة ...عرَّب أقليدس وجمع مشاهدات فلكية وأعمالاً أصلية حول الحركة، القوة ، الخلاء ، الحرارة ، النور والأوزان النوعية . فكان كتابه حول المعادن المصدر الرئيس للجيولوجيا الأوروبية حتى القرن الثالث عشر .. هناك كتابان عملاقان يتضمنان كل تعاليمه : "كتاب الشفاء" وهو موسوعة في الرياضيات وعلم الطبيعة (الفيزياء) أو ما وراء الطبيعة ، وعلم الالهيات والاقتصاد السياسي والموسيقى تقع في 18 جزءاً . وكتاب الرئيس "القانون" ، يحتوى ما لا يقل عن مليون كلمة . ويتناول علم الوظائف (الفيزيو لوجيا) والصحة والعلاج والأدوية ، وفي هذا القسم الأخير من الكتاب يشير الى ما لا يقل عن 670 دواء ، وطريقة استعمالها العلاجي . ..
إن الطابع الموسوعي والمعتقد الجامد ، فضلا عن شهرة ابن سينا الواسعة ، جعلت من هذا الكتاب المرجع الأكبر لكل ما يتعلق بفن العلاج . فمنذ ظهوره باللاتينية في القرن الثاني عشر ، أزاح حتى كتاب غاليان عن عرشه . وقد نقل الى معظم اللغات ، منها 15 طبعة باللاتينية ، وطبعة بالعبرية ، في الثلاثين سنة الأخيرة من القرن الخامس عشر . وظل في أساس الدراسات الأوروبية طيلة ستماية سنة ونيف . لقد كان توراة طبية حقيقية ، لا تزال بعض أجزائه موضوع نشر بالإنكليزية . وتُنسب الى ابن سينا علامات النجابة والعلم الخارقة حقاً في بعض الحالات غير المتوقعة ، كالأمراض النفسية ..
كانت شهرة الأطباء موطدة جداً وكذلك ثروتهم ، عندما يستطيعون الوصول بمهارتهم الى قلب البلاط . ولكن الحال لم يكن دائما على هذا المنوال ، فلئن كان ابن جبريل طبيب هارون الرشيد والمأمون والبرامكة ، قد توصل مثلاً في غضون 36 سنة الى جني ثروة طائلة بلغت مئة مليون درهم ، نحو 36 مليون فرنك ذهب ، فان بعض الأطباء المُبعدين عن شهرتهم العلمية ، كإبن جاني ،كانوا يعيشون في فقر مدقع ، ولم يكن يتردد عليهم المرضى حتى في عام كان الطاعون يعيث فساداً في البلاد وفي العباد .
   إن الرازي ، الطبيب الكبير ، الذي يتمتع بمرجعية كبيرة والذي أنفق أمواله على المصلحة العامة قضى ضحية أخصام حسودين، الا أن أسرة بختيشوع المسيحية التي تعود بأصلها الى جنديسابور ، تمكنت من الحفاظ على سمعتها طيلة عدة اجيال .. وحنين وهو طبيب اخر كبير ، رفض أن يُحضر سماً لأحد أخصام الخليفة المأمون فغضب عليه الخليفة ورماه في السجن ، ثم كرر طلبه هذا بعد سنة مهدداً إياه بالقتل الفوري فأجابه حنين بكل كبرياء : لست ماهراً الا في كل ما ينفع ويفيد .. وتروي الخرافة أن الخليفة ما كان يريد سوى اختباره وصار منذ ذلك الحين يثق به ثقة عمياء. وبوجه عام كانت المهنة الطبية موضع تقدير رفيع وكان القائمون بها يؤدون رسالة يجب ان تمارس بلا سعي وراء المال . وكان يتعاظم ولع الشبان بهذه المهنة الرائعة ويزداد شغفهم  بها باستمرار. سنة 931 كان هناك 860 طبيباً مأذوناً لهم بمزاولة المهنة في بغداد . وكان ابن عيسى ، الطبيب الوزير ، قد أقام جمعية أطباء كانت تتولى معالجة المرضى في الأرياف القريبة وفي السجون...
وبرز الجراح الكبير أبو القاسم الزهراوي (936- 1013) طبيب عبد الرحمن الثالث فظل نجم هذا الفن على امتداد قرون . كان الجراحون العرب متفوقين جداً على جراحي العصر الوسيط ، وكان لهم مساعدون على قدر كبير من المهارة اليدوية على صعيد صناعة أدواتهم وآلاتهم . فقد كان أبو القاسم وقبل أمبرواز باريه بستة قرون يمارس فن الرباط الاصطناعي وعملية فتح العين لإزالة الإنسداد، وكان يعرف تماما مرض بوت ..ووصفه العالم اميل فورغ بأنه اختصر كل علوم عصره الجراحية. وسيبقى كتابه "التصريف" المزود بمائتي صورة أول كتاب في علم الجراحة .. وقد الهم ابن الهيثم باكون وكبلر من خلال كتابه في البصريات .. وفي القرن 12 أنجبت اشبيلية ابن رشد الاندلسي الفيلسوف الذي كان يتعاطى الطب وعلم الفلك.  ونستطيع القول أنه أول من كون فكرة أساسية عن علم المناعة. وفي أشبيلية أنجبت أسرة ابن زهر ستة أجيال من الأطباء المشاهير. وبرز ابن زهر الثالث (1091- 1162) الذي اكتشف الجرب القملي وهو أول من وصف سرطان المعدة والتهاب التأمور أو الشغاف . ونقل كتابه "التيسير" الى العبرانية واللاتينية .وظهر موسى ابن ميمون المولود في قرطبة في سنة 1153 ويعد احد أعظم الأدمغة بين اطباء وفلاسفة كل المرحلة الاسلامية في الإندلس . وكان سليل عائلة من علماء التلمود . وقد نقلت اعماله الى اللاتينية وجرى تدريسها في جامعتي بادو ومونبلييه .. ونذكر من بين العلماء العرب في العصر الوسيط الصيدلاني ابن البيطار من ملاقة (1190- 1248) الذي زار المشرق واليونان بحثا عن نباتات طبية . ويذكر في "كتاب الجاني" اربعمئة نبتة وغذاء ودواء وصفها وصنفها وفقاً لخواصها وخصالها العلاجية وظل حتى القرن السادس عشر يعتبر اعظم عالم نباتي وصيدلاني . وفي منتصف القرن الرابع عشر عندما اجتاح الطاعون اوروبا واعتبره المسيحيون من علائم الغضب الآلهي قال الطبيب المسلم الغرناطي الوزير ابن الخطيب بنظرية العدوى . وجرى اعتماد كتابه كأساس لعلم الوقاية .. وقد تغلغل الطب العربي الى أوروبا من مدرسة سالرنة في ايطاليا الجنوبية ومدينة مونبليه الفرنسية الواقعة على الدروب المؤدية من اسبانيا الى ايطاليا ووادي الرون "...      
 
المصدر : جاك ريسلر ، الحضارة العربية ، تعريب خليل أحمد خليل ، منشورات عويدات ، بيروت – باريس، 1993 ، ص 204- 208 .
 
 
 
 
مراجع ومصادر الفصل:
 

  1. بيضون ابراهيم تاريخ بلاد الشام : اشكالية الموقع والدور في العصور الاسلامية، دار المنتخب العربي ،بيروت ، الطبعة الأولى ، 1997 . ص 222- 238 .
  2. الجومرد عبد الجبار ، داهية العرب أبو جعفر المنصور ، دار الطليعة ، 1960 . ص 50- 51
  3. الحموي ياقوت ، معجم البلدان ، دار صادر، بيروت (د.ت)، ج1 ، ص 456- 457 و459 و460
  4. الخازن وليم ، الحضارة العباسية ، منشورات الجامعة اللبنانية ، بيروت 1984 ، 40-41
  5. الخطيب البغدادي، (الحافظ أبي بكر احمد بن علي ت 463 هجرية) ، تاريخ بغداد ، دار الكتب العلمية ، بيروت ،(د.ت)، الجزء الأول ،  ص 4 و44 و 58 و64 - 77.
  6. الدوري عبد العزيز، العصر العباسي الأول ، دراسة في التاريخ السياسي والاداري، دار الطليعة ، بيروت ، 1988. ص57 و58 و59 و 77 .
  7. طقوش محمد سهيل ، التاريخ الاسلامي الوجيز ، دار النفائس ، بيروت ،ط 1 ، 2002 ، ص 139- 145
  8. ميكيل اندريه ، جغرافية دار الاسلام ، ترجمة ابراهيم خوري ، وزارة الثقافة ، سوريا ، 1992 -1995 الجزء الرابع ، القسم 2و3 (تتمة ) - 3- ص 384 -385 -399 .
  9. هواري زهير، تاسيس بغداد ومفهوم السلطة لدى العباسيين الأوائل : الاستراتيجية ، المقدس ، الدلالة . بحث دبلوم دراسات معمقة في التاريخ من كلية الآداب- الجامعة اللبنانية – الفرع الأول ، غير منشور 1998 .  

 
 
Henri Piernne. Mohammed and Charlemagne .meridian books. Canada .sixth ed. 1961 p236.
 

Share/Save