علوم سياسية 8 : الأحزاب السياسية في لبنان

Printer-friendly version

الأحزاب السياسية في لبنان.
 
  يدخل النظام الحزبي اللبناني عموما في إطار النمط التنافسي التعددي، لكن ما يمكن ملاحظته بشأن دراسة الظاهرة الحزبية اللبنانية هو كثرة الحزاب و التنظيمات التي تعددت و تشعبت بشكل واسع جدا، بفعل عوامل عديدة، تاريخية أو طائفية، عقائدية أو خارجية، الى درجة يستحيل معها وصف النظام الحزبي في لبنان بالتعددية من النماذج القائمة في البلدان الديمقراطية المتطورة، و لكن بنظام " التفتت الحزبي" أو " التشرذمية الحزبية ".
صحيح أن التعددية الحزبية تقدم للمواطنين حرية اختيار واسعة بين اتجاهات سياسية مختلفة، و لكنها تؤدي في الوقت ذاته الى تفتيت التمثيل الوطني، و هو تفتيت يقود، في حال غياب الوحدة الوطنية و قيام " الدولة – المة" أو على الأقل عدم تحقيق التوافق الدائم بين المجموعات أو الفئات التي يتكون منها المجتمع كما هو الحال في لبنان. هذا التفتيت يقود الى زعزعة الكيان و تدهور الدولة. ناهيك أن النظام الحزبي التنافسي في لبنان يعكس الى حد بعيد واقع الانقسامات التي يعج بها ، ليس فقط المجتمع اللبناني، و لكن أيضا مجتمعات الشرق الوسط مما يضع حدودا على مدى توافر السمة التنافسية في هذا النظام، و يضعف بالتالي دورها في عملية المشاركة السياسية الفعالة و دورها في عملية التحديث و التنمية.
إن دراسة ملف الحزاب السياسية في لبنان يحتاج الى العديد من البحاث و الدراسات خصوصا اذا تطرقنا الى تفاصيل نشأتها و تطورها و نشاطاتها الأمر الذي يصعب علينا تناوله ضمن هذا الفصل. لذلك سوف ينصب بحثنا في هذا الاطار على دراسة التنظيم الحزبي في لبنان بشكل عام دون التعرض لواقع الحزاب اللبنانية و مستقبلها أو التدخل بحيثيات الصراعات الداخلية و تطوراتها. و بناء عليه سوف نتناول بالبحث العناوين التالية:
أولا -  نشأة الظاهرة الحزبية في لبنان ( لمحة تاريخية )
ثانيا – الوضع القانوني للأحزاب اللبنانية
ثالثا – تصنيف الأحزاب اللبنانية
رابعا – دور الحزاب في حياتنا السياسية
خامسا – نحو قانون جديد للأحزاب السياسية في لبنان
 
أولا – نشأة الظاهرة الحزبية في لبنان.
ان تباشير الحياة الحزبية في لبنان بدأت في الثلاثينات حيث أنشىء الحزب الدستوري و الكتلة الوطنية اللذان كانا يمثلان ما يسمى بوجهاء من ابلاد و قيادات سياسية محلية اختلط انتماؤها وفقا لمواقعها في الحكم و المغانم الناتجة عن الاندماج بالسلطة و الانحياز الى قواها الحاكمة. الى جانب هذين الحزبين وجد بعض الحزاب التي أرادت نفسها أكثر عصرية من حيث تنظيمها و وسائل دعايتها، كالكتائب و النجادة اللذين كانا بمثابة حركتين لا حزبين في المعنى الحزبي الوروبي و حتى العربي الحديث.
هذه الحزاب كانت تعكس الواقع اللبناني الاجتماعي و السياسي، و ما ينطوي عليه من تناقضات و صراعات، سلطوية و عشائرية و اقطاعية و طائفية و فئوية.
أما الحزبان الشيوعي و السوري القومي الاجتماعي، فقد توخيا منذ البدء طرح المسائل في اطار عام يشمل السياسة و الاقتصاد و المجتمع. و هما حزبان سياسيان بالمعنى الحديث للكلمة.
وفي الفترة الممتدة بين 1943 – 1958 لم يظهر على الساحة الحزبية سوى حزبان: التقدمي الاشتراكي الذي تاسس عام 1949 و الوطنيون الأحرار ( 1958) الذي أسسه كمال شمعون. و قد كان لأزمة 1958 الدامية دورا في دفع الحركة الحزبية الى واجهة الحداث لتتغير من خلالها استراتيجيات الأطراف الحزبية.
و بين عامي 1958 – 1967 همدت الحركة الحزبية في لبنان بشكل واضح. و لكن حرب حزيران 1967 و الهزيمة العربية، دفعت ببعض الأحزاب القومية و الماركسية الى اواجهة، كحزب البعث الذي كان قد تسلم مقاليد السلطة في كل من سوريا و العراق. وقد تاثر لبنان بهذه الموجة حيث نشأت فروع لهذا الحزب ف عدد من المناطق اللبنانية. و
ثم جاءت الحرب اللبنانية خصوصا بين 1975 و 1982 عشية الاجتياح الاسرائيلي، لتدفع بالحياة الحزبية في لبنان الى أوجها، حيث أخذت منحى جديدا سياسيا و عسكريا و اتخذت لها طابعا " ميليشيويا " خصوصا بعد ظهور كتلتين أساسيتين: الجبهة اللبنانية ( كتائب- أحرار) التي عبرت عن مخاوف لدى العديد من القوى المسيحية تجاه المقاومة الفلسطينية و مسار لبنان. و قد برزت " القوات اللبنانية" كخط مميز داخل الجبهة سرعان ما هيمن على القرار و المسار العسكري على الأرض.
و الحركة الوطنية ( عبرت عن الاتجاه العروبي – اليساري و حتى بعض التطلعات الاسلامية ). و الى جانب سيطرة الحركة الوطنية، يومذاك، على حيز الصراع السياسي العسكري، برزت تجمعات سياسية و حركات ضمت عددا من الزعماء المسلمين بالاضافة الى تكتلات نيابية أفرزتها الحرب، كالتجمع الاسلامي و الحزب الديمقراطي الاشتراكي و غيرها. و الحداث التي عاشها لبنان في تلك الفترة ولدت نزعات يمكن أن تسمى راديكالية أو ذات بنية طائفية، كالمرابطون و التنظيم الناصري و حركة أمل و حزب الله و حراس الرز و غيرهم، يضاف الى ذلك ما أضفته حركات كالجماعة الاسلامية، و ما تلا الثورة الايرانية ، من نزعات عقائدية كانت لها ردود فعل مختلفة بحسب الجهة الصادرة عنها. ثم جاء الاجتياح الاسرائيلي للبنان، و خروج المقاتلين الفلسطنيين مع منظمة التحرير من بيروت ليقلبا الأوضاع السياسية فيه. شكل هذان الحدثان نقطة تحول رئيسية في الحياة الحزبية، حيث كان لا بد من اعادة النظر في التركيبة الحزبية و مبررات الوجود لعدد كبير من هذه التنظيمات و الأحزاب مما أدى الى خفوت حركة العديد من هذه القوى و أفولها و من ثم انكفائها ، و بروز قوى جديدة من مخاض تلاشي الحقبة الماضية و نشوء مرحلة نوعية مستجدة.
ان طابع المرحلة الجديدة أتى لصالح التيارات الاسلامية التي استقطبت حالة جماهيرية صاعدة تستهدف مقاومة و اخراج المحتل الاسرائيلي و تحقيق مجتمع الايمان و العدالة و التوافق الانساني على أسس المواطنية اللبنانية و الهوية العربية الاسلامية. و لم تصل هذه التيارات الى هذا الاستنتاج و القناعة إلا عبر حركة تجاذب فكرية دينية، سادت خلالها أفكار مثل قيام الدولة الاسلامية و غيرها.
ومع أن الغلبة جاءت لمصلحة هذه الحالة، فان ذلك لا يعني أنها تمكنت من تحقيق غلبتها على أرض الواقع السياسي و قد أصبحت كما يبدو تميل الى التعاطي مع هذه الوقائع من ضمن مجمل التعقيدات و المعوقات المحلية و الاقليمية و الدولية السائدة. و ألزمت نفسها بدراسة الوقائع كما هي و التعاطي معها على نحو يؤمن لها وجودها الشعبي و الرسمي داخل المؤسسات و خارجها.
و الغريب أن هذه الأحزاب القديمة لم تقدم على مراجعة ذاتية و نقدية للتجربة التي خاضتها منذ زمن طويل مع العلم أن معظم الأحزاب في لبنان تعاني من أزمة قيادة و أن منظماتها الحزبية تخوض صراعات مع الذات من أجل توضيح الرؤى و التعبير عن المكنونات المتعلقة بالوجود و الاستقرار السياسي و الاجتماعي و المصير.
أما الحزاب و التكتلات الجديدة نسبيا، فهي و على نحو متفاوت أمام امتحان صعب مادته مواقف الناس تجاهها و مدى تأييدهم لها، فهل ستتمكن هذه القوى أن تصبح تيارا جماهيريا له نظمه و قواعده المتماشية مع روحية القرن الواحد و العشرين و مفهوم الدولة الحديثة؟ الاجابة على هذا السؤال تبقى رهن الممارسة و التعبير عن الواقع و الاستقطاب الديمقراطي الحر.
 
ثانيا: الوضع القانوني للأحزاب اللبنانية.
لم يتضمن الدستور اللبناني، قبل و بعد التعديل الدستوري الأخير، أي نص بشأن الحزاب السياسية، بل اكتفى في الفصل المتعلق بحقوق الفراد و حرياتهم العامة بالنص في المادة 13 منه على أن " حرية ابداء الرأي قولا و كتابة، و حرية الطباعة، و حرية الاجتماع، وحرية تأليف الجمعيات كلها مكفولة ضمن دائرة القانون ".
و كان من المنتظر أن بعمد المشرع اللبناني بعد صدور الدستور عام 1926 الى سن قانون ينظم الأحزاب السياسية، الا أنه أهمل ذلك و تركه خاضعا لنصوص قديمة صادرة أيام الحكم العثماني ، و هي نصوص قانون الجمعيات الصادرة في سنة 1909 و هو مضموم الى مجموعة التشريعات اللبنانية تحت باب " الجمعيات " محتويا على تسع عشرة مادة.
لم يميز القانون المذكور بين الجمعيات السياسية التي هي الحزاب و الجمعيات الاجتماعية و الثقافية و الخيرية. و بالتالي يكون الوضع القانوني للأحزاب السياسية في لبنان خاضعا لأحكام القانون العام بجميع جوانبه، و هو القانون العثماني المذكور، الى جانب تشريع جانبي يتناول أمورا افرادية تتعلق بالنشاط الحزبي، و هو القانون المنشور بالمرسوم رقم 10830 الصادر في 9 تشرين الأول 1962 و المتعلق " بالحظر على أي كان أن يعمل على الابقاء على جمعية حلت لارتكابها جرائم تتعلق بأمن الدولة ( المادة الأولى)".
و هكذا فان تأليف الحزب وفقا لقانون 1909 يقتضي تقديم استدعاء يرفق بنفس المستندات المطلوبة لتأليف الجمعية و بعد الحصول على موافقة وزراء الداخلية، يفترض اعطاء المؤسسين بمقتضى المادة 6 من هذا القانون " العلم و الخبر " الذي يعتبر بمثابة الرخصة.
أما السباب التي تحول دون وضع تشريع جديد لتنظيم الحزاب السياسية في لبنان فيعود لعدم الاتفاق بين الذين تعاقبوا على الحكم ازاء مفهوم الحرية السياسية. و بسبب الخلاف حول الحدود التي تقف عندها، و ظهور وجهات نظر متعددة في هذا المجال، كان الابقاء على القانون العثماني و عدم ولادة القانون الذي ينظم الحياة الحزبية. فبسبب التناقض بين مصالح زعماء الطوائف كان من الصعب الاتفاق على القضايا الأساسية. فالمصالح كثيرة و متشعبة، و لذلك أتت الحلول متناسبة مع ما يتلاءم مع هذه المصالح و ليس مع مصلحة الوطن و تقدمه و ازدهاره.
 
ثالثا: تصنيف الأحزاب اللبنانية.
من الصعب ايجاد معيار واحد يمكن اعتماده في تصنيف الحزاب اللبنانية. و تختلف التصنيفات باختلاف المعايير التي اعتمدها الباحثون في دراساتهم للأحزاب السياسية في لبنان. فمن الباحثين من اعتمد على منشأ الأخزاب في تصنيفه للأحزاب اللبنانية فيقول مثلا هنالك نوعين من الحزاب في لبنان: أحزاب ذات منشأ برلماني و أحزاب ذات منشأ خارجي ( خارج اطار البرلمان ). و هو النموذج الذي اعتمده ديفرجيه في تصنيفه للأحزاب السياسية في أوروبا. و لكن اذا كان بالامكان ادراج الغالبية العظمى من الحزاب اللبنانية ضمن الحزاب ذات المنشأ الخارجي على اعتبار أنها نشأت خارج الأطر البرلمانية أي من الحركات القومية و الوطنية و الطائفية و الاقطاعية، الا أن معيار المنشأ البرلماني لا ينطبق كليا على الوضع الحزبي في لبنان. فالحزاب البرلمانية عندنا ليست كالحزاب البرلمانية في البلدان الأوروبية التي تقوم على أساس العلاقة المتينة و المتصلة بين الكتل البرلمانية و اللجان الانتخابية بل هي كناية عن تجمعات نيابية صرفة.
و لكن الاعتماد على مصادر الأحزاب لا يشكل السلوب الوحيد في تصنيفها. بل هناك من المفكرين من اعتمد تصنيفا مبنيا على شرعيتها، فيميز بين الحزاب المرخصة و الحزاب الممنوعة. لكن هذا التصنيف غير ثابت اذ ان الحزاب الممنوعة اليوم قد تصبح مرخصة غدا و العكس صحيح. و منهم من اعتمد على العقيدة التي تعتنقها الحزاب فقال بنوعين: أحزاب يمينية و أحزاب يسارية. ان التصنيف القائم على التمييز الايديولوجي المنطلق من الصراع بين الفكر الليبرالي و الفكر الماركسي يصح في بلد اكتملت لديه الوحدو القومية. أما في لبنان حيث الصراع القومي على أشده، فلا يمكننا أن نقسم أحزابه بين يمين و يسار أو بين أحزاب ماركسية ( اشتراكية ) و أحزاب ليبرالية. من هنا كان لولاءاتها الفكرية الى فئات ثلاث:

  1. الحزاب ذات المنطلق الاقليمي و هي بالغالب دين بالولاء الطائفي
  2. الأحزاب ذات المنطلق القومي و تدين بالولاء للقومية العربية أو القومية السورية
  3. الحزاب ذات المنطلق الأممي و تدين بالولاء للماركسية أو للشيوعية

و هناك من يصنف الأحزاب اللبنانية انطلاقا من تحديد دور الحزاب كأدوات للتحديث و التنمية السياسية الى أحزاب اصلاحية و محافظة و ثورية و قومية.
على الرغم من كل هذه التصنيفات التي تعتمد على معايير مختلفة، تبقى السمة البارزة لمعظم أحزابنا السياسية ما عدا القليل منها، هي السمة الطائفية، فهي تنادي بالعلمانية لكنها في الواقع أحزابا طائفية، و من زاوية تركيبتها التي تتألف عموما من أبناء طائفة واحدة و من زاوية عملها تسعى لتأطير هذه الطائفة و تمثيلها بشكل أفضل في المجتمع و النظام.
هذا الوضع للأحزاب اللبنانية هو انعكاس لواقع المجتمع اللبناني المتكون من أديان و مذاهب و طوائف متعددة، و لواقع النظام اللبناني القائم على مبدأ الحرية السياسية التي تصل الةى حد قيام " الفيدرالية الطائفية الداخلية " أي أن الطوائف في لبنان هي جماعات مستقلة بأنظمة أحوالها الشخصية و باقتسام المقاعد التمثيلية و الوظائف العامة، و مرتبطة في القمة بالدستور اللبناني. و قد نتج عن ذلك ظهور نظام حزبي تعددي و تشرذمي و طائفي. بمعنى آخر، تتطابق التعددية الحزبية اللبنانية مع تعددية الطوائف.
بناء على كل ما تقدم يظهر لنا بوضوح أن عملية تصنيف الحزاب اللبنانية عملية بالغة الصعوبة بحيث لا نجد معيارا واحدا يمكن الاعتماد عليه. و تعود صعوبة التصنيف براي الدكتور محمد امجذوب الى الأسباب التالية:

  1. لأنه ليس ثمة معيار ثابت و واضح للتصنيف يمكن الاعتماد عليه أو الاسترشاد به.
  2. لأن تراكم القصائد و اختلاف البرامج و تشابك المبادىء في أحزابنا يبلغ حدا يجعل هذه الحزاب قادرة على استيعاب كل الاتجاهات و الانتماء الى كل التيارات و الميول.
  3. لأن الطلاق البين بين مبادىء بعض الحزاب و تصرفاتها يفسد أو يعرقل مهمة التصنيف. فهناك مثلا أحزاب تنادي بالعلمانية ثم تتصرف طائفيا، أو ترفع شعار الاشتراكية ثم تدافع عن الاقتصاد الحر و ترفض فكرة تأميم المرافق العامة.

رابعا: دور الأحزاب في حياتنا السياسية
عند دراستنا لدور الأحزاب في الحياة السياسية اللبنانية، نجد أن هذه الأحزاب فشلت كقوى تغيير ايجابي في المجتمع، بل أن البعض لم يتردد في القول بأن " الصفة التي تلازم نظامنا الحزبي اليوم هي في الغالب صفة تأخير التطور ".
صحيح أن أحزابنا العقائدية تعرضت في فترة من افترات لشتى أنواع الملاحقة و المنع و الترهيب، الا أنها تمكنت و لو بالقدر اليسير من اثارة شيئ من الوعي و الادراك في نفوس الجماهير. و من انغمس منها في أتون الحرب الأهلية العبثية اصابته بنيرانها فتقلص دوره و أصيب بنوبات التفسخ و الانحلال.
و قد يعتقد البعض أن تكاثر عدد الأحزاب اللبنانية و ازدهارها و ظهورها المسلح خلال الحرب الأهلية اللبنانية يدفع للحديث عن حكم الأحزاب في لبنان. و يفقد هذا الحديث مبرره عندما نعرف أن الحالة التي عاشها لبنان في تلك الفترة هي حالة استثنائية، تتمثل بأشد أزمة عرفها البلد في تاريخه. ناهيك عن أنه في حالة التعددية الحزبية اللبنانية أو " حالة الأحزاب الدكاكين " تنعدم ممارسة السلطة من قبل الحزاب فعليا، باعتبار أن توزع السلطة على عدد كبير جدا من المجموعات يعني بشكل أو بآخر بأن أحدا من هذه المجموعات لا يمارس السلطة بشكل حقيقي و فعلي. و يؤكد ذلك نفي كل حزب أو تنظيم لبناني مسؤوليته عن تسيير الحياة السيسية ( و منها اندلاع الأزمة و تفاقم الوضع) من جهة، و عدم رضائه عن ممارسة السلطة من جهة ثانية، و التحول في مواقف الحزاب التي كانت تطمح لتغيير السلطة الى أحزاب تطلب المشاركة فيها ( الحزاب الوطنية).
و يتضح تضاؤل دور الأحزاب على صعيد السلطة و المشاركة السياسية عندما نعرف أن الغالبية الكبرى من أعضاء المجلس النيابي اللبناني هم من النواب المستقلين. هذا يعني أن تمثيل أحزابنا في البرلمان يبقى محدودا و لا يتعدى نسبة معينة، مع العلم أن الكثيرين ممن فازوا بصفتهم كممثلين لتيارات حزبية أو سياسية لم يرشحوا أنفسهم و لم يعقدوا التحالفات الانتخابية بصفتهم الحزبية. بل فازوا بفضل عوامل و أسباب لا تتصل بقوة الحزب الذي ينتسبون اليه، و من المحتمل أن يكون للعامل الشخصي أو الطائفي أو المالي الدور البرز في هذا المجال.
يضاف الى ذلك أن الكتل البرلمانية التي تتواجد داخل المجلس النيابي لا تتشكل على أسس واضحة و برامج علمية و موضوعية، بل ما يجمع بينها في أغلب الحيان الانتماء المناطقي أو الطائفي أو الارتباط بشخصية سياسية طائفية لها وزنها في داخل النظام أو على صعيد المنطقة التي يترشح النائب عنها.
و هذه الكتل تظهر و تختفي بفعل المصالح و الهواء. و يتغير عددها و عدد أعضائها بتغير المصالح و الرغبات أو تنفيذ لوعود بمنصب وزاري أو بتعيين قريب أو نسيب في احدى المراكز الحساسة في الادارة.
بالاضافة الى ما تقدم نشير الى بعض المآخذ و العيوب التي تشوب العمل الحزبي في لبنان و التي يمكن ايجازها بالنقاط التالية:

  1. ان السمة الملازمة لعدد كبير من أحزابنا السياسية هي الطائفية. و نتبين ذلك من خلال تحليلنا للبنية الاجتماعية للكوادر الحزبية و لأعداد المنتسبين الى هذا الحزب أو ذاك، فنجد أن معظمهم ينتمون الى طائفة واحدة أو مذهب واحد. و يستثنى من ذلك حزبين عقائديين أو ثلاث من بينهم الحزب السوري القومي الاجتماعي، الحزب الشيوعي، و حزب البعث.
  2. معظم الأحزاب اللبنانية لا تملك قاعدة شعبية تمتد الى جميع أرجاء الوطن. انها ليست ذات صلة وثيقة بكل الجماهير و لا تمثل مختلف الشعب اللبناني.
  3. معظم أحزابنا ترتبط بشخصية الرئيس المؤسس، و تستمد قوتها أو مكانتها منه أكثر ما تستقيها من مبادئها و أعمالها. و غالبا ما يكون رئيس الحزب هو الحزب كله، اذ يطغى بأفكاره و مواقفه على مختلف الآراء. و كما يقول أحد الباحثين، فان معظم الأحزاب في لبنان تعيش عقدة ملازمة لنشوئها، ألا و هي عقدة الرئيس المؤسس. ما من حزب تقليدي أو تقدمي طائفي أو غير طائفي، يساري أو يميني الا و واجه مشكلة انتقال السلطة بعد غياب الرئيس المؤسس. انماط ثلاثة ميزت عملية الانتقال الصعبة: أولها الانتقال بالوراثة ضمن أفراد العائلة الواحدة، أو الانتقال الى التشرذم الحزبي، أم الانتقال الى الاثنين معا.
  4. معظم الحزاب اللبنانية تطلق على نفسها أسماء لا تأتلف مع المبادىء التي تنادي بها، و نادرا ما تلتزم بمبادئها او ميثاقها ، و كثيرا ما تضطر الى اجهاد نفسها من أجل ايجاد المبررات لتصرفاتها المتناقضة. و لهذا نجد في أغلب الأحيان هوة سحيقة بين المبادىء البراقة التي تعلنها و بين التصرفات السياسية التي تصدر عنها.
  5. من المؤسف أن أحزابنا السياسية لم تصل الى المستوى الذي يؤهلها لأن تضع برامج عملية و مدروسة تصلح للتنفيذ عند تسلم الحزب مقاليد الحكم. ان أحزابنا تكتفي باذاعة المبادىء العامة أو برقع الشعارات دون أن تحمل نفسها عناء شرح هذه المبادىء و الفكار لكي تكون في مستوى ادراك كل الناس. ان أحزابنا التي ترفع شعار المساواة أو تنادي بالاشتراكية أو العدالة الاجتماعية لا تحدد لنا المنهج العملي لتطبيق هذه الاشتراكية أو العدالة، أو ما هو مفهومها لهذه العدالة.
  6. أكثرية أحزابنا تركز مجمل اهتماماتها على القضايا الخارجية ، أو تلعب لعبة المساومات و الحصص على الصعيد الداخلي، أو أنها تكتفي بالبيانات و التصريحات الاعلامية، و سرعان ما تلتف على مواقفها اذا ما سنحت لها فرصة الحصول على قطعة من قالب الحلوى الذي توزعه السلطة، و تتناسى أن العمل السياسي نضال مستمر، و معركة دائمة، و التصاق دائم بالواقع و الجماهير.
  7. ان الأحزاب اللبنانية لم تتمكن من ايجاد المناضل الحزبي الصالح، الحزبي المثالي في أقواله و أفعاله، الحزبي الذي يعتنق عقيدته و يحترم عقيدة الآخرين، الحزبي الذي يدافع عن مبادئه بحجة المنطق و العقل، لا بقوة السلاح و كيل الشتائم و المهاترات، الحزبي الذي يؤمن بأن تنوع الاراء و الأفكار السياسية عماد الديمقراطية و حصنها الحصين، الحزبي الذي يؤمن بأن الديمقراطية تعني التنافس الحر و الحوار و المداولة في السلطة و التزام حقوق الانسان.

يضاف الى ذلك غياب الممارسة الديمقراطية في داخل الاطار الحزبي و تفرد بعض أركان الحزب بمجمل القرارات و المواقف دون أي احترام لمؤسسات أو هيئات حزبية.و يبدو أن نزعة التقليد الأعمى بدأت تصيب قياداتنا الحزبية. و لا نغالي اذا قلنا أن هذه القيادات تتحمل بعض المسؤولية فيما يتنعلق بجمود أحزابها و تقهقرها لصالح أحزاب طائفية و مذهبية تمكنت من ان تكتسح كل الساخات و تستقطب جيل الشباب المتعطش للانخراط في العمل الحزبي.
هذه بصورة عامة بعض المآخذ و العيوب التي اتسمت بها أحزابنا السياسية و طبقت العمل الحزبي في لبنان دون أن تبادر هذه الحزاب الى القيام بعملية نقد ذاتي للمرحلة السابقة من أجل تصحيح مسارها. و قد لخص بعض المؤلفين و الكتاب دور الحزاب اللبنانية كما يلي:

  • " ان مهمة الأحزاب اللبنانية على اختلاف مشاربها اقتصرت على ايصال قادتها الى المجلس النيابي و تبوأ المناصب الحكومية".
  • الأحزاب اللبنانية " لا تمارس دورا هاما في العملية السياسية نتيجة المحدودات التي يفرضها الوضع الطائفي بالنسبة لاختيار النواب لمعايير طائفية".
  • الأحزاب اللبنانية " لا تقم بالمهام المطلوبة من الحزاب ( تحقيق التكامل و المشاركة و تمثيل المصالح ) ففشلت في وظيفة التنشئة و التحديث و التجنيد في توسيع المشاركة و تمثيل مصالح الناس. " و صفوة القول أن المتتبع للحياة الحزبية في لبنان يخرج بأن الأحزاب و المنظمات السياسية هناك قد فشلت فشلا ذريعا في أداء الوظيفة الولى و نعني بها التنافس من أجل السيطرة على السلطة السياسية... فضلا عن أنها لم تنجح في توسيع المشاركة السياسية خارج دائرة الارتباطات الطائفية و العشائرية ".

و مما لا شك فيه، أنه قد يساعد على هذه الحالة التي تعيشها أحزابنا السياسية عدم وجود قانون عصري لتنظيم العمل الحزبي في لبنان و الابقاء على قانون بال يعود الى عهد السلطنة العثمانية. فهل بالامكان استحداث قانون جديد للأحزاب يصحح الخلل الحاصل و ينظم حياتنا الحزبية وفقا للتطلعات المستقبلية؟.
خامسا: نحو قانون جديد للأحزاب السياسية في لبنان.
ان من اهم الانتقادات التي توجه الى قانون الحزاب في لبنان، أنه لم يعد يأتلف مع روح العصر و تطلعات المستقبل. فهذا القانوت الذي وضع علم 1909 و ما زال مستمرا حتى الآن لم يعد يتناسب مع أوضاع البلاد و لا ينسجم مع ظروف الشعب و أوضاعه السياسية و الاجتماعية. لذا أصبح من الضروري وضع قانون جديد للأحزاب السياسية يحد من الحالة الطائفية التي يعاني منها مجتمعنا و يعزز الحالة الوطنية و الاتجاه نحو العلمنة. ان الطائفية و الاقطاع السياسي و المالي، هي علة العلل في حياتنا السياسية. فقانون الانتخاب هو قانون طائفي تراعى فيه مصالح الطوائف على حساب مصلحة الوطن. و النائب المنتخب ليس نائبا عن كل لبنان بل ممثلا لطائفته و مصالحها. ناهيك عن انتماء المواطن الى طائفته و ليس الى الوطن، و مع تعدد الانتماءات و تعدد المصالح الطائفية و تضاربها تنتفي حتما المصلحة الوطنية العليا.
لقد وصف أحد الحقوقيين الدولة اللبنانية أنها: " اتحاد فدرالي بين سبع عشرة دولة طائفية، لكل طائفة وزراؤها و نوابها و موظفوها و محاكمها و تشريعاتها في الأحوال الشخصية و استقلالها الذاتي ". و رأى أن لا خروج من هذه الحالة الشاذة الا بوجود الأحزاب العلمانية الصحيحة.
لكل هذه الأحزاب أصبح المر ملحا لاستحداث قانون عصري للأحزاب السياسية يتجاوز الزمات التي نعيشها و يؤسس لقيام أحزاب لا طائفية تستقطب جيل الشباب من أي جهة كانوا و لأي طائفة انتموا تجمعهم المبادىء الصالحة لخدمة المجتمع و في سبيل الخير العام . ولكن ما هي القواعد التي يجب أن يرتكطز عليها هذا القانون الجديد ؟

  1. أن يتوخى تأسيس الحزب اصلاح الحياة السياسية في لبنان و تعزيز المؤسسات السياسية بما يؤمن تطوير الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية في البلاد ، و ضمان أمن المجتمع و الدولة.
  2. التمييز بين الحزاب السياسية و الجمعيات ذات الطابع الاجتماعي و الانسيابي.
  3. الاحتفاظ بمبدأ التصريح أو العلم و الخبر/ و أن تمنح وزارة الداخلية هذا الترخيص بمجرد تقديم الطلب الذي يستوفي الشروط المطلوبة للعلم و الخبر.
  4. اخضاع مداخيل الأحزاب للمراقبة الدورية مع حق رفع غطاء السرية المصرفية عن حسابات الأحزاب و التي من المفترض أن تودع أموالها في المصارف. و يتم ذلك بقرار من مجلس الوزراء عند الحاجة.
  5.  السماح للأحزاب أن تستعمل كافة وسائل النشر و الاعلام و الاتصال المباشر و الندوات و المحاضرات و اصدار الصحف السياسية التي تعبر عن آرائها بغية توجيه المواطنين و اقناعهم بمبادئها و أفكارها.
  6. فرض الرقابة على النشرات و المجلات الصادرة عن الجمعيات الدينية و الطائفية و حرمانها من التعاطي بالشؤون السياسية و حصر اهتمامها بالشؤون الثقافية و الاجتماعية. و معاقبة الجهات التي تثير الثغرات الطائفية و المذهبية و العرفية التي من شأنها تهديد وحدة الدولة و المجتمع.
  7. لا يحق للحزب اقتناء السلاح أو اقامة تنظيم مسلح تحت طائلة المسؤولية.
  8. تشجيع قيام التكتلات الحزبية بين الأحزاب التي تلتقي حول عدد من الثوابت الوطنية.
  9. الغاء جميع التشريعات التي تتناقض مع حرية الانضمام الى الأحزاب و خاصة تلك التي تمنع ذلك على العسكريين و الموظفين و المتعاقدين و غيرهم..
  10. منع تاسيس حزب سياسي باسم يرمز الى طائفة أو عنصر أو مذهب، و أن لا تنحصر العضوية فيه بأفراد ينتمون الى دين واحد. و من أجل ذلك يجب أن لا يتجاوز عدد الأعضاء المنتسبين الى الحزب من دين واحد نسبة معينة من مجموع أعضاء الحزب ( 60%). و حتى لا يكون سهلا تأمين النسبة المطلوبة في نطاق تنظيم صغير قليل العدد، فيكتسب هذا التنظيم الصغير شرعية حزب وطني، يجب أن لا يقل عدد أعضاء الحزب عن خمسة آلاف عضو منتسب و ذلك لقيام أحزاب سياسية كبيرة تؤمن استقرار الحكم.
  1. حصر حق التمثيل السياسي في الحكم أو السلطة، بالأحزاب السياسية المرخصة، و هذا يعني حق الترشيح للانتخابات النيابية و البلدية يترافق مع وضع قانون انتخاب على أساس حزبي يكون فيه التمثيل نسبي و ضمن الدائرة الواحدة.

كل هذه القواعد و الملاحظات التي يجب ادراجها في قانون الأحزاب الجديد لا تؤدي بالغرض المطلوب ما لم يرافقها الوعي السياسي عند المواطنين و ذلك عن طريق التوجيه عبر وسائل الاعلام و المدارس و الجامعات و النوادي و المحاضرات و الندوات و غيرها من اللقاءات التي تساهم بنشر الوعي و العلم و الثقافة السياسية.
to be continued

Share/Save