علوم سياسية : 6 - دور الأحزاب في الحياة و الأنظمة السياسية

Printer-friendly version

أولاً : دور الأحزاب في الحياة السياسية
بصرف النظر عن ظروف نشأة الأحزاب وتطورها في العالم، يشهد زمننا الحاضر مشاهد متفاوتة لدور الأحزاب في الحياة السياسية. فهناك تجربة الحزب الواحد أو الآحادي أو الحزب القائد، وهناك تجربة الثنائية الحزبية ثم تجربة التعددية الحزبية وسيطرة الحزب على مجمل الميدان السياسي. وهناك أخيراً مشهد رابع يتراجع فيه دور الأحزاب إلى مرتبة ثانية وفي بعض الأحيان هامشية وذلك لصالح نخب تستمد قوتها السياسية من مصادر مختلفة غير حزبية (حالة لبنان).
المشهد الأول : تجرية الحزب الواحد
تعممت تجربة الحزب الواحد على العديد من الدول النامية، وجاء ذلك بمواكبة إنتشار الأيديولوجيات اليسارية وبخاصة العقيدة الماركسية – اللينينية. وصدف أن لاءمت هذه الأحزاب في لحظة ظهورها أوضاع إقتصادية متردية وأوضاع سياسية بدائية وضعيفة البنيان. فتجربة الحزب الواحد إستندت في بعض الحالات إلى العقيدة الشيوعية، وحاول هذا النمط من الأحزاب تنظيم المجتمع على اساس آحادي، وبالإستناد إلى تلك العقيدة. كما كان خطابها السياسي يستند إلى تبريرات نظرية (كل حزب يمثل مصالح طبقة والحزب الآحادي الحاكم يدّعي تمثيل الطبقات الشعبية وبالتالي بناء المجتمع الذي لامكان فيه للصراع الطبقي والتناقض بين الطبقات، بل أن الحكم هو حكم جماهيري والحزب الحاكم يؤدي رسالة تاريخية بحيث يتولى توحيد الأمة). الأمثلة على ذلك العقيدة الماركسية في الإتحاد السوفياتي السابق ويوغوسلافيا.
ولكن إلى جانب هذه الأحزاب الآحادية العقيدة والممارسة، عرفت الدول النامية نموذج الحزب "القائد" أو المسيطر. والفارق بين النموذجين هو أن الحزب القائد لايدّعي أنه الممثل الشرعي الوحيد للجماهير الشعبية ولايدّعي أيضاً حصر التمثيل والممارسة السياسية بذاته. مثال على ذلك : حزب البعث العربي الإشتراكي الذي يعتبر وفقاً لعقيدته أنه يحمل آمال وطموحات الجماهير العربية الكاملة ويعتقد ان التعددية الحزبية في الأمة العربية هي نتاج الإنقسامات في زمن الإستعمار وهي وهن في جسد الأمة. ولكن حزب البعث في ممارسته السياسية وعلى صعيد الواقع يعترف بوجود أحزاب وقوى سياسية تعبر ولو جزئياً عن طموحات وآمال الأمة وبالتالي فلا داعي لإلغائها بل من الحكمة عقد التحالف معها في جبهة وطنية واحدة تسمح برص الصفوف والنضال المشترك. إنطلاقاً من هذا المشهد رسم الحزب لنفسه دوراً قيادياً وليس آحادياً وتجلى ذلك في تكوين الجبهة الوطنية التقدمية في سوريا التي كان نصف المقاعد فيها مخصص لحزب البعث والنصف الآخر موزّع على سائر الأحزاب والقوى السياسية التي تحالف معها.
المشهد الثاني : تجربة الثنائية الحزبية
تعيش بعض الدول في كنف ثنائية حزبية تحصر النشاط السياسي بتشكيلين حزبيين دون سواهما. ولكن تجدر الإشارة إلى أن الأنظمة الثنائية المعروفة عالمياً لاتنص على حصر العمل السياسي بحزبين دون سواهما، لكن الواقع الإجتماعي السياسي التاريخي هو الذي حصر تدريجياً اللعبة السياسية بينهما. كما وأن الكلام عن الثنائية الحزبية لايعني نموذجاً واحداً من الثنائية، والدليل على ذلك المشهد الأميركي والبريطاني.
إن دراسة حال الثنائية الحزبية يقيم تداخلاً  لابد منه بين علم الإجتماع السياسي وبين القانون الدستوري. بتعبير آخر هناك عاملان رئيسيان يسهمان عادةً في ترسيخ الثنائية الحزبية : عامل القانون الدستوري، والعامل الإجتماعي التاريخي.
فمن جهة إندرجت كل المسائل التي واجهها المجتمع الإنكليزي منذ القرن السابع عشر في إطار ثنائي أي أنها فرزت دائماً رأيين وقسّمت المجتمع السياسي إلى فريقين، ومع الوقت تجذرت الثنائية وأخذت تستقطب الناس على أساس ثنائي. ومن جهة أخرى جاء النظام السياسي الإنكليزي ليكرّس فعالية الثنائية الحزبية، أي أنه أسّس الحياة السياسية الدستورية على قاعدة تداول السلطة بين فريقين : فريق أكثري حاكم وفريق معارض يشكل أقلية برلمانية. وقد دفع نظام الإنتخاب إلى نوع من التواطؤ الموضوعي بين الحزبين. فإذا بالخيار المفيد هو محصور بينهما دون سواهما وذلك من دون أن يكون هناك قيود في النظام الإنتخابي.
وأصبح الخيار الثالث بدون جدوى وبالتالي أصبح مجرّد تعبير عن إحتجاج أو رأي ظرفي لاأمل له في الوصول إلى السلطة. أما النموذج الأميركي فهو أيضاً تغذّى من التركيبة الفيدرالية للمجتمع الأميركي ومن الطابع المحلي للأحزاب في مختلف الولايات. وجاء النظام الإنتخابي يشجع على تداول السلطة بين الحزبين، إذ أن المبادرات الإنتخابية العديدة هي بحاجة إلى تنظيم إنتخابي أي ماكينة إنتخابية وليس أفضل من الماكينة الحزبية تنظيماً للعمليات الإنتخابية.
 
المشهد الثالث : تجربة التعددية الحزبية
ينطبق هذا المشهد على العديد من الدول التي تعيش في كنف النظام الديمقراطي وقد تمأسست فيها الحياة السياسية مثل : (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا...). فالتعددية الحزبية تفرض عقد تحالفات بين الأحزاب في مواجهة الإستحقاق الإنتخابي وفي تشكيل أكثرية للحكم. وفي كلتا الحالتين يدفع ذلك بالأحزاب إلى بلورة برامج سياسية وإلى التفاوض مع غيرها على أساسين :
1 – جوامع مشتركة على صعيد البرنامج الإنتخابي.
2 – وحصة كل حزب في التحالف (حصته على مستوى المرشحين وعلى مستوى التمثيل الحكومي).
وهذه المسألة الأخيرة تدفع حكماً بجميع الأحزاب إلى تنظيم صفوفها على أوسع مستوى ممكن وإلى تأهيل كوادر لتكون صالحة للترشيح من أجل أن تفاوض الأحزاب الأخرى على حصتها إنطلاقاً من واقع تمثيل شعبي.
المشهد الرابع : تراجع دور الأحزاب لصالح النخب التقليدية
يصح هذا المشهد على أغلبية الدول النامية التي إعتمدت التعددية السياسية فيما هي لم تدخل بعد بشكل جدّي في حقبة مأسسة الحياة السياسية، وهي مجتمعات مازال يطغى على العلاقات فيها عوامل تقليدية لاعلاقة لها بالسياسة وهي تؤثر على طبيعة الروابط السياسية وتحكم السلوك السياسي الفردي والجماعي (عوامل مذهبية، طائفية، عائلية - عشائرية، أتنيّة ..إلخ).
كما وأن تشكيل النخب السياسية يتأثر بشكل سافر بعامل القدرة الإقتصادية والمال، فإذا بالنخب السياسية الممثلة لمختلف فئات الشعب هي من أبناء العائلات والبيوت السياسية والأعيان في العائلات والعشائر والمذاهب، بالإضافة إلى بعض رجال المال والنفوذ وبعض أصحاب المهن الحرّة النافذين.
ثانياً : دور الأحزاب في الأنظمة السياسية
إن التطور الذي عرفته الأحزاب السياسية منذ بداية القرن العشرين وتحولها إلى ظاهرات إجتماعية مؤسساتية أدت إلى تحولات بنيوية عميقة في طبيعة الأنظمة السياسية، خاصةً في البلدان المتقدمة. فالأنظمة السياسية الحديثة المرتكزة على الأحزاب المنظمة تختلف كلياً عن أنظمة الحكم الفردي التي عُرفت في القرن التاسع عشر. لذلك لابد من إعادة النظر بالتحليلات الكلاسيكية للأنظمة السياسية. فالتمييز التقليدي بين النظام البرلماني والنظام الرئاسي مثلاً أوشك أن يصبح بدون معنى. فالنظام البريطاني بعيد عن النظام الفرنسي وعن النظام الأميركي بالرغم من تشابه المؤسسات القائمة. وكذلك مفاهيم الوزارة ومسألة الثقة والمسؤولية السياسية لم يعد لها نفس المعنى. فدراسة الأنظمة السياسية من خلال الدستور لاتؤدي إلى فهم تلك الأنظمة لأن الدساتير تتجاهل دور الأحزاب. كما أن الأنظمة السياسية من خلال الأحزاب فقط تصبح غير مكتملة وإن كانت صحيحة إذا لم ندمجها بدراسة الدساتير. تنصب الدراسات للأنظمة السياسية المعاصرة حول مفهوم الديمقراطية التي تعني بالتعريف الكلاسيكي إختيار الحاكم من قبل المحكومين عن طريق الإنتخابات الحرة. وقد ظهرت بفضل الفلاسفة وعلماء القانون نظرية التمثيل التي بموجبها يُعطي الناخب للمنتخب وكالة ليتكلم ويتصرف بإسمه.
غير أن نمو الأحزاب وتطورها أدّى إلى تحوير كبير لعملية الإنتخاب. فلم يعد الحوار بين الناخب والمنتخب ولا بين الأمّة والبرلمان، إذ تدخل فريق ثالث بينهما مما أدى إلى تغيير جذري في العلاقة السابقة. فقبل أن ينتخب النائب من قبل ممثليه يقع عليه إختيار الحزب.
ولايقوم الناخب إلا بتزكية هذا الإختيار. وتصبح هذه الظاهرة بارزة في ظل الأنظمة ذات الحزب الواحد حيث يقدم مرشح واحد نفسه لكسب رضى الجمهور. وهكذا أصبحت الأحزاب هي التي تسمي المرشحين وهي التي تقود الحملة الإنتخابية. إنها بتعبير آخر تختار الحكام. غير أن دورها لايقتصر فقط على هذه النواحي، بل يتعداها لتكوين أو تشويه الرأي العام. وعليه سوف نبحث في هذا الإطار دور الأحزاب السياسية في إختيار الحكام وتمثيل الرأي العام.
1 – الأحزاب السياسية وإختيار الحكام
تلعب الأحزاب السياسية الدور الأول في إختيار الحكام في الأنظمة السياسية المعاصرة وذلك عن طريق تسمية المرشحين وتولي الحملة الإنتخابية.
أ – دور الأحزاب في تسمية المرشحين
تختلف درجات تدخل الأحزاب في تسمية المرشحين حسب القوانين المرعية في كل بلد. ففي بعض البلدان تحصر الأنظمة حق الترشيح بالأحزاب. وفي بلدان أخرى تجيز القوانين الترشح بدون غطاء حزبي (لغير الحزبيين). غير أن الإمتياز الحصري أو الجزئي الممنوح للأحزاب هو أقل أهمية من الإمتياز الواقعي والفعلي. ففي بعض البلدان تترك الحرية الكاملة للمرشحين غير الحزبيين، إلا أن حظ هؤلاء بالفوز أو النجاح يكون معدوماً إذا لم تتبنّى الأحزاب ترشيحهم. والأحزاب قد تخلق أحياناً مرشحين من "العدم"، فمجرد تبني الحزب لمرشح حتى  ولو لم يكن معروفاً يصبح له حظ كبير بالنجاح. وهذ ما تستعمله الأحزاب الشيوعية وبعض الأحزاب التي تعتمد التمثيل النسبي. غير أن هذه الصورة لدور الأحزاب في إختيار المرشحين ليست ثابتة دائماً. ففي كثير من الأحيان تكون التسمية الرسمية للمرشح من قبل الأحزاب ليست في الحقيقة إلا إقراراً بالأمر الواقع، لأن الأحزاب تسمي في حالات كثيرة الأشخاص الذين يتمتعون بشعبية كبيرة في مناطقهم.
في الواقع يُصعب تحديد أثر نظام الإقتراع وحجمه في عملية إختيار المرشحين. فحجم اللائحة أو نظامها (النظام الأغلبي أوالنظام النسبي، وجود دورة واحدة أو دورتين) كلها عوامل تلعب دوراً أساسياً في الترشيحات. بشكل عام، بمقدار ما تكون الدائرة الإنتخابية أكبر بمقدار ما يكون تأثير الأحزاب السياسية أقوى، وبمقدار ما يصغر حجمها يقل تأثيرها. فكلما صغرت الدائرة الإنتخابية أصبحت معرفة الناخبين بشخصية المرشح ممكنة حيث ترتدي المعركة الإنتخابية مظهر المعركة بين شخصيات يختار الناخب من بينها مرشحه نظراً لصفاته الخاصة لانظراً لإنتمائه الحزبي. وعلى العكس كلما ضعف الإتصال الشخصي بين المرشحين والناخبين، يصبح البرنامج السياسي العنصر الأهم في توجيه الناخبين.
إلى جانب الإتصال الشخصي، يلعب العنصر المادي دوراً هاماً في الترشيحات. ففي الدائرة الصغرى تكون النفقات الإنتخابية أقل منها في الدائرة الكبرى، لذا فالترشيحات التي لاتدعمها الأحزاب تبقى ممكنة. أما في الدوائر الكبرى، فوحدها الأحزاب تستطيع تأمين الأموال اللازمة للحملة الإنتخابية.
ب – دور الأحزاب في الحملة الأنتخابية
لايقتصر دور الأحزاب السياسية على الترشيحات بل يتعداها إلى الإنتخابات حيث تقوم بدور جذري وذلك بدعم المرشح في حملته الإنتخابية. فالأحزاب تؤمن الجزء الأكبر من النفقات الإنتخابية إلا أن في أحزاب الكادرات يبقى التمويل الخاص هو المسيطر. غير أن سلطان المال الكبير وأثره في نتائج الإنتخابات دفع ببعض الدول إلى محاولة الحد من ذلك عن طريق إجراءات خاصة لمراقبة النفقات الإنتخابية والحد منها. إلا أن ما أفسد هذه العملية هو تنامي الأحزاب الجماهيرية القادرة على جعل إجراءات المراقبة المالية عديمة الفعالية. فالإنفاق الضخم في سبيل الدعاية لم تعد تقوم به الأحزاب المحافظة التي تتحكم بأصحاب رؤوس الأموال بل الأحزاب الشعبية التي أصبحت تستخدم أموالاً طائلة تأتيها عن طريق إشتراكات الأعضاء ومصادر أخرى.
في عصرنا الحاضر، أصبحت الدول المتقدمة تساهم بتمويل الحملات الإنتخابية مخصصة مبالغ مالية للأحزاب حسب الأصوات التي حصلت عليها في الإنتخابات مثل ألمانيا أو حسب عدد المقاعد التي حصلت عليها أو الأخذ بالمعيارين معاً كما هي الحال في فرنسا وفقاً لقانون 1990.
غير أن تطور الأحزاب السياسية أدى إلى تغيير نظرتها للإنتخابات وأصبح لابد من التمييز بين الدعاية الإنتخابية الخالصة التي يقوم بها المرشح من أجل النجاح، ودعاية الحزب بمناسبة الإنتخابات والتي تقوم أساساً على نشر أيديولوجية الحزب وإكتساب منتسبين جدد. وهكذا تحوّل دور الأحزب وطبيعته. فالأحزاب في نشأتها الأولى لم تكن سوى ماكينات إنتخابيةتنحصر وظيفتها الأساسية في تأمين نجاح مرشحها، فالإنتخاب كان هو الغاية والحزب هو الوسيلة. لكن التطور الذي حصل غيّر من وظائف الحزب فأصبحت الإنتخابات تستعمل في خدمة الدعاية الحزبية، فبدلاً من إستعمال الأحزاب لتأمين الفوز في الإنتخابات، إستخدمت الإنتخابات لتأمين تنامي الأحزاب، وأصبح الحزب هو الغاية والإنتخابات هي الوسيلة.
2 – الأحزاب السياسية وتمثيل الرأي العام
إن ظهور الأحزاب السياسية كفريق ثالث بين الحكّام والمحكومين وكممثلين للتيارات الشعبية الموجودة داخل كل مجتمع تفرض الإشارة إلى بعض الملاحظات من حيث الصفة التمثيلية ومن حيث حقيقة تمثيلها للرأي العام.
ولو طرحنا مفهوم التمثيل بالنسبة للأحزاب والرأي العام لوجدنا أن الأحزاب لاتمثل فقط الرأي العام بل أن دورها يذهب إلى أبعد من ذلك، إنها تقوم بخلق الرأي العام وتشويهه في آنٍ معاً. فإذا كان نظام الأحزاب في بلد ما نتيجة لبنية الرأي العام فيه، فإن العكس صحيح أيضاً، أي أن بنية الرأي العام هي إلى حدٍ بعيد نتيجة لنظام الأحزاب السياسية، والعلاقة بين الرأي العام والأحزاب هي علاقة متداخلة ومعقدة. غير أن الأحزاب لاتكتفي بتكوين الرأي العام، بل تعمد إلى تشويهه أيضاً عن طريق عملية الإنتخاب. ويتم ذلك بدمج أهداف الحزب برغبات ومطالب الجماهير بحيث يرتبط هؤلاء بسياسية الحزب العامة.
وتجدر الإشارة أخيراً إلى أنه كلما كان الحزب أكثر مركزية وأدق تنظيماً، كان تأثيره أكبر على الرأي العام. من هنا القول : "أن الحزب هو الذي يشكل الرأي العام ويقوده".
to be continued...

Share/Save