صباح فراشتنا الملونة ترحل في لحظة عربية مكللة بالسواد

Printer-friendly version
شادي علاء الدين

هذا صباح دون صباح الشحرورة. لكن غيابها عن عمر طويل يبقى لحظة للتأمل. اللبنانيون يكرهون من يصرون على العيش. وكان استمرار صباح في العيش جريمة لا تغتفر بالنسبة للكثيرين الذين لم يحترموا انعزالها وشيخوختها، بل عملوا على نشر صور لها مهربة من داخل فندق لتبيان ما وصلت إليه أحوالها، والسخرية منها.

كان عيشها غير المنسوب إلى نظام دلالي واضح لا يحتمل، لذا كان لا بد من ضربه وتشويهه. كانت تعيش رغما عن مزاج اللبنانيين الذين لا يريدونها أن تكون سوى ذاكرة. كانوا يستعجلون نفيها إلى المتحف وتحويلها إلى تراث لا يكتسب صفة الخلود إلا حين يكون غير قابل للاستعمال.. لم ترغب يوما في هذا النوع من الخلود، وحاربت بشراسة ضد تحويلها إلى ذاكرة. أصرّت على الدفاع عن حقها في أن تكون قابلة للاستعمال في الحياة اليومية وفي التفاصيل الخاصة.

دفعت ثمنا غاليا لأنها كانت مصرة على العيش، بل على نوع خاص من العيش ينطق كل ما فيه بكونها امرأة في الأساس. جعلت فنها خطاب أنوثة يفيض على كل ما حوله، فنجحت في خلق عالم عامر بسلسلة من التفاصيل الأنثوية المدججة بحضور يعتمد الخفة منطقا ومنهجا.

صباح كانت تبدو في وقفتها المسرحية وكأنها تغازل الجميع، فتحول كل شخص إلى عاشق محتمل، ثم تطرده من جنة العشق الموعود، لتعود وتغويه من جديد. كل متلق لها كان يستطيع أن يقرأ أن هذه الغمزة التي ترسلها إنما هي له على وجه الخصوص، وبذلك يكون الفارس الذي لا تدوم فروسيته سوى لحظات، قبل أن تذوب في عالم الخفة الواسع وغزير الإحالات والإشارات.

كانت صباح زمنا من النساء الفنانات. حضورها الخاص كان ينبع من دفاعها المستميت عن المرأة التي تسكنها وتعيش من خلالها ضد الأيقونة. كانت الأنوثة بالنسبة لها شكلا للحياة والفن لا قيمة لها خارجه. ربما يكون هذا النزوع الذي طبع صورة صباح العامل الأبرز الذي حال دون تحويلها إلى سمة رسمية من سمات الأيقنة الرسمية. نجاتها من هذا التطويب القاسي سمح لها بأن تكون، على الدوام، فراشة متحررة.

وهبت صباح زمنها للناس فكانت تأريخا للعادي والشائع والحميم والمتداول، فكل شيء في خطابها الغنائي كان معرَّفا ومقيما في الوضوح. كانت وصفتنا السحرية التي تنجينا من وطأة وطن النجوم.

قالت في وصية نقلتها ابنة شقيقتها كلودا عقل “ما تبكو وما تزعلو علي، حطو دبكة بدي ياه يوم فرح مش يوم حزن، بدي ياهن فرحانين برحيلي متل ماكنت دايما فرحهن.

بقيت هذه المرأة حتى لحظاتها الأخيرة مقيمة في البهجة وحرصت أن تحولها إلى خلود ممكن في بلاد المستحيلات.

هي ولا شك تعلم أن الموت حزن، لذا فهي ترجونا في لحظاتها الأخيرة أن لا نقتلها، وأن نشفع لذلك العمر الطويل الذي سقتنا فيه من نهر الفرح وندعها تعيش. تتمنى علينا أن لا نحول رحيلها إلى نهايات فهل سنفعل أم سنقتلها مرارا وتكرارا بالمراثي السوداء؟ صباح فراشتنا الملونة ترحل في لحظة عربية مكللة بالسواد.

جريدة العرب الدولية