نحو الجمهورية المخلّعة

Printer-friendly version
إياد داغر

يواجه لبنان تحديات إرث القوى المشكِّلة له، وعموم أمراض الاحزاب المسيطرة على الساحة المسيحية في مسألتين: الأولى غياب ثقافة العمل الوطني، والثانية الأنا أو لا أحد. أي إلغاء الآخر.

ترحب القواعد الشعبية بترشح زعيمها لا من الاقتناع به، بل من الفوضى العامة، والخوف من التحول ذرات في حال فوز مرشح الطرف الآخر بالمنصب الرئاسي. حرب أهلية مسيحية مطبوعة بالتعصب الأعمى، وبكيدية لا تزال وجنتاها تتوردان إثر كل تصريح موارب أو مزور. هكذا يغدو سمير جعجع رجلاً ارتكب أخطاءه في الحرب، وأخطاء الأخيرة ملمح يغيب بتوسع الأفق. يضحي الرجل بلا ذاكرة قادته إلى موقعه الراهن. على الطرف الآخر، يطهِّر ميشال عون نفسه من مواقفه كلها، حين يقدم نفسه مرشحاً توافيقياً، بعيداً من "التحرير" و"الإلغاء". نسج وسائد جديدة للأسرة القديمة. لا شيء سوى النكران والهجران، بدون قراءات لإمتدادات الجسور بين الموقع المنتظر والثمن المطلوب لكي ينبض الحضور بالدول الكبيرة والصغيرة، ميزان الإنتخاب، بصورة الوشاح المنسوج من عمليات سنوات الحكم الست، التي توضع في خرانة الأشياء المطلوبة، قبل أن يضحي المرشح بالصورة فوق المكاتب الرسمية.
إن الرغبة الدولية في بناء ستاتيكو جديد للمنطقة، يلغي فكرة ترشح جعجع وعون، ما يعزز انكفاء الحلم للوصول الى سدة الرئاسة. يربط العالم بين الإثنين. لأن ما يريده العالم من لبنان هو التأقلم مع سياساته لا كتابة السياسة المحلية الخاصة به. هكذا تعصف في لبنان مصالح الدول بدل مصالحه. وهكذا يتطاحن السياسيون مع السياسيين ومع رجال الإكليروس على "اللاشيء". إنها الحرب/ العقيدة المستمرة في الحياة السياسية اللبنانية ونقطة على السطر.
في انتظار ماستؤول اليه الأصابع على الأزرار يعمد المحليون إلى ألعاب تصريف الوقت. لكن تسارع الأحداث على الأرض وبيان انتصار إحدى القوى اللبنانية الوازنة والفاعلة، خارج الحدود، وحال القوى الأخرى المصطدمة بالواقع في المقلب الاخر، وضعت الطامحين تحت ضغط ضرورة الإنجاز السريع، بما لا يتيح لهم الوقت الكافي لتدبر أمورهم. برئيس لا علاقة له بالخيارات على الضفتين. لضمان عدم السقوط ببحر الأمواج العاتية بالمنطقة. ذلك أن فصل الإنتخابات اللبنانية عمّا يجري في سوريا، لا يعتبر تفصيلاً عابراً. الواضح أن اللبنانيين، هنا، لم يتعلموا من التجارب السابقة، ما يجعلهم غير قادرين على تجاوز مشاكلهم مع الاصدقاء والاعداء.
هكذا، تنبثق الانتخابات، كما لو أنها عاصفة تجيء من غيب لا من عيب في سياسات انتظار الإستحقاقات اللبنانية.
يمكن القول إن التصحر الديموقراطي حد كثيرا من قدرة اللبنانيين على إنتاج رئيس يحظى بإجماع وطني. وهو أمر يصب في مصلحة الرئيس التوافقي. رئيس سياسي لا شعبي، كفؤاد شهاب مثلاً. يحضر الرئيس التوافقي ليلعب دوره في ظل الثقة المعدومة التي سيحظى بها من الداخل، مدعوماً بالدولي والعربي، الذي يبدو جاداً بمساهمته في إحراق اسماء المتسابقين الى بعبدا، إما بدفعهم للإسراع بإعلان ترشحهم وإما بدفعهم إلى الخروج من مواقعهم الراديكالية، بوعد مكافأتهم على ذلك. في حين يحقق الأمر خروجهم من التحالفات الداخلية، المعبِّرة، إلى الوقوع في الهيمنة الخارجية الأهم. ان نتائج الإنتخابات لن تمنح التحالفات السابقة أفضل العلامات. هكذا ستسقط ورقة التفاهم بين "الحر" و"حزب الله" مهما جاءت نتائج الإنتخابات. وهكذا ستتغير صور الرتابة بعد أن تنكشف الألعاب الداخلية على صغائرها وعن مفاجأة ان التحالفات المذهبية ليس بمستطاعها أن تقود شخصية محاربة، إلى مكتب الرئيس الأضعف في لبنان إثر اتفاق الطائف.
ثمة قضايا راهنة ينبغي العمل عليها، بترك الإنشغال بتكوين مطامح ومطامع القادة بالسلطة إلى الإنشغال بالعمل على مشاريعهم للجمهورية. والعمل بالشفافية التي يفتقدونها حتى اللحظة والتواصل الجدي مع القيادات الحليفة بمن فيهم حلفاء الماضي، باستثمار الرغبة الدولية القاضية بتأمين، السلاح والعتاد السياسيين، لخوض معركة الثلثين داخل البرلمان، ولو بعد فترة لا تبدو واضحة في الأفق. استثمار ذلك، في إطار خطة لإدارة المرحلة الانتخابية. سواء أفضت إلى انتخاب رئيس أو عدمه. لأن اللاإجماع على رئيس يحقق إجماعاً على إدارة العملية الإنتخابية الدستورية، بالتعاون والتضامن بكل أشكالهما. نعمة تكفي اللبناني بالمرحلة الراهنة.
لا بد من الإشارة إلى أن الرئاسة الاولى المهملة كليا، سواء في عهد النظام الامني أو في العهد الذي تلاه، لن تكون بحال افضل حتى لو اتى الرئيس العتيد القوي، مدعي اصلاح النظام. لن يكتب له النجاح، لسبب اساسي، الا وهو التدمير الممنهج للمؤسسات منذ الحرب الاهلية الى يومنا هذا. يلزمنا اصلاح البنية الاساسية واعادة هيكلة كل القوانين واعادة تنظيم المفاهيم الوطنية عند المجموعات. وإلا لن تفعل نتائج الإنتخابات الرئاسية، إلا تعميق الأزمات والإنحراف في اتجاه روح استبدادية كاملة، في غياب العدالة الإجتماعية والديموقراطية ومحركات التغيير الموثوقة الأخرى. ذلك أن سياسة الحظوة لم تقد البلاد إلا من هلاك إلى آخر، مع نضوب المعينات الأخرى.هنا، تضحي حروب الحفاظ، على المقام الاول، متأخرة كثيرا على المستوى العقائدي. وستبقى متأخرة.
تخفي الإنتخابات المنتظرة انتقال الإصطفافات من مواقع إلى مواقع أخرى. كما تخفي تعزيز البنى القائمة على ما هي قائمة عليه منذ عهود المتصرفية. البلاد على شفير إقتتال زعائمي تتزايد احتمالاته، بما يفضي إلى خطر رص صفوف المحازبين، والتعبير عن ذلك بما لا يخدم افكار الإستقلال الوطني، ما تفاخر وتجاهر به كل الأطراف. يغذي، الموضوع المشار إليه، غياب الأفكار الغيرية، ولعب الدين دور الأيديولوجيا بنجاح منقطع النظير. الأخير حاضر في تشكل عصب رفض الاخر.

الإنتخابات الرئاسية ستبقى انتخابات عالم ثالثية متأخرة بكل المفاهيم ( اذا تحققت). حلقة من حلقات المسلسل الوطني المعتاد. وراثة السياسة لنفسها ووراثة السياسي للسياسة بوجوهها نفسها وبالوجوه السياسية إياها. لإن الإنتخابات، انتخابات جماعات لا انتخابات مثاليات. بحيث يقود الفائز الوضع على وتائر نتائج الأوضاع الإقليمية، باعتبارها المرجح الأول والناخب الأول.

جريدة النهار

Share/Save