الكفاح المسلح لجماعة الإخوان السورية

Printer-friendly version
2012-01-14
رافائيل لوفيفر

عندما تم تداول أنباء، في أوائل آب (أغسطس) 2012، تشير إلى أن الفرع السوري لجماعة الإخوان المسلمين، الذي أمضى السنوات الثلاثين الماضية في المنفى، بدأ تشكيل ميليشيات خاصة به على الأرض في سورية، بدأت أوساط المعارضة تشعر بالقلق. إذ سرعان ماعادت الذكريات القديمة للصراع الدموي الذي خاضه التنظيم ضد نظام البعث للظهور إلى السطح. ففي أواخر سبعينيات القرن الماضي، تبنّت جماعة الإخوان أسلوب الصراع المسلّح ضد النظام، وتعاونت مع تنظيم جهادي يطلق عليه "الطليعة المقاتلة"، والذي تم سحقه بصورة حاسمة في مجزرة حماة في شباط (فبراير) 1982.

أنعشت عودة اثنين من مقاتلَي الطليعة المقاتلة المتشدّدَيْن السابقَين، لؤي الزعبي وأبو بصير الطرطوسي، إلى مدينتيهما درعا واللاذقية لقيادة الجماعات الإسلامية الراديكالية المتمرّدة الاعتقاد بأن جماعة الإخوان المسلمين ربما توشك على إحياء شبكاتها القديمة. فقد أصدرت جماعة الإخوان تصريحات متناقضة، حيث اعترف ملهم الدروبي، المتحدث باسم الجماعة، علناً في آب (أغسطس) الماضي بأنها "شكّلت كتائب مسلحة داخل سورية، مهمتها الدفاع عن النفس وتوفير الحماية الأمنية للمظلومين"، بيد أنه تم نفي ذلك على الفور عن طريق زميله المتحدث باسم الجماعة زهير سالم، كما تم نفيه مرة أخرى في منتصف كانون الأول (ديسمبر)، من جانب المراقب العام رياض الشقفة. في كلتا الحالتين، من غير المرجّح أن تتعاون جماعة الإخوان مع جناحها الراديكالي السابق.

صعود الطليعة المقاتلة

 أنشئت الطليعة المقاتلة أصلاً وسط أنقاض حماة بعد مواجهة جرت في نيسان (أبريل) 1964 في المدينة. فقد حوّل نظام البعث، الذي كان قد استولى على السلطة في العام السابق، المدينة المحافظة والمتمرّدة إلى نموذج يشير إلى المدى الذي هو على استعداد للذهاب إليه لترويض المعارضة.

شجّع قصف مسجد السلطان في المدينة، وقتل الأشخاص الذين نزلوا إلى الشوارع للاحتجاج على ذلك، على ظهور تيار راديكالي بقيادة مروان حديد، وهو شاب متشدّد من جماعة الإخوان المسلمين كان يعتقد أنه لايمكن إسقاط حزب "البعث الملحد" إلا بالقوة. أدّت مساعي حديد طيلة سنوات الستينيات وأوائل السبعينيات إلى نمو شبكة وطنية من المتشدّدين الراديكاليين الذين كانوا يرغبون في دفع جماعة الإخوان إلى خوض مواجهة مفتوحة مع النظام.

عندما تم القبض على حديد وتوفي في السجن في حزيران (يونيو) 1976، تعهّدت الخلايا التي تمكّن من تدريبها وتوزيعها في جميع أنحاء سورية، بالانتقام لمقتله وبدأت حملة لاغتيال العديد من كبار ضباط الأمن والسياسيين في النظام. وسرعان ما تحولت خطط عمليات القتل المستهدف إلى سلسلة من الهجمات الجهادية العشوائية ضد العلويين، الأقلية الحاكمة في البلاد. وفي حزيران (يونيو) 1979، تمكّنت وحدة كوماندوز من التوغل في مدرسة المدفعية بحلب، وفصلت بالقوة التلامذة الضباط السنة والعلويين، ثم ذبحت عشرات من العلويين.

تسببت تلك الممارسات في حدوث موجة من القمع البعثي كانت تهدف ليس فقط إلى تدمير الطليعة المقاتلة ولكن أيضاً إلى إضعاف جماعة الإخوان المسلمين التي قويت شوكتها بتشجيع من انتشار الاحتجاجات المناهضة للنظام طيلة أواخر السبعينيات. وقد دفع حجم الفظائع التي ارتكبتها الدولة، مثل حملة آذار (مارس) 1980 الوحشية على المعارضين السنّة في حلب، أو مذبحة سجن تدمر في حزيران (يونيو) 1980 والتي قتل فيها النظام، الذي شعر بالغضب الشديد من محاولة اغتيال حافظ الأسد، حوالي ألف من السجناء، جنباً إلى جنب مع إقرار القانون الرقم (49) للعام 1980 الذي صدر في تموز (يوليو) وجعل الإعدام عقوبة عضوية الحركة الإسلامية، مادفع جماعة الإخوان في نهاية المطاف إلى الاقتراب أكثر من فرعها الراديكالي.

بعد أن أنشأت جماعة الإخوان فرعها العسكري، تم الاتفاق في اجتماع لقيادتها عقد في كانون الأول (ديسمبر) 1980 على أن تدخل الحركة في شراكة مع قوات الطليعة المقاتلة. وقد وفّرت هذه العلاقة التي استمرت لمدة سنتين بين القوتين الإسلاميتين ذريعة لحافظ الأسد لأن يصنّف الحركة الإسلامية كلها بأنها "إرهابية"، ويستخدم السلطة والقوة على نطاق غير مسبوق. وقد أسفرت المواجهة التي تلت ذلك في حماة في شباط (فبراير) 1982 عن مقتل ما بين 20 و40 ألفاً من سكان المدينة ووضع حدّ فعلي لأي تحدٍّ لنظام الحكم حتى آذار (مارس) 2011. ومن ثم فليس من عجب أن المعارضة السورية تشعر بالقلق من إحياء جماعة الإخوان المسلمين لطليعتها المقاتلة.

عملية إحياء؟

ومع ذلك، فإنه لا أساس لمثل هذه المخاوف إلى حد كبير. فقد اتّسمت العلاقة بين الإخوان والطليعة لفترة طويلة بقدر كبير من المرارة والريبة. بعد مجزرة حماة، اتهم الإخوان أعضاء الطليعة المقاتلة، وعلى وجه الخصوص عقلة عدنان المتحمس، وهو الشخصية الأكثر نفوذاً وتأثيراً في الطليعة، بدفع الحركة الإسلامية كلها إلى مواجهة سابقة لأوانها ومحكومة بالفشل مع النظام السوري. ولم يمض شهران على مجزرة حماة حتى تركت جماعة الإخوان التحالف نهائياً وتحالفت بدلاً من ذلك مع قوى المعارضة العلمانية اليسارية. وقد اعتبر مسلّحو الطليعة المقاتلة الذين تحمّلوا عبء الجزء الأكبر من القتال ضد النظام هذا التحالف الجديد خيانة لهم.

خسرت جماعة الإخوان المسلمين القدر الضئيل من الصدقية التي كانت لاتزال تتمتع بها في الأوساط الإسلامية الراديكالية عندما تخلّت قيادتها عن المحاولة الأخيرة لاستعادة السيطرة على حماة، وهي الحلقة التي غالباً ما يشار إليها بوصفها "النفير الفاشل". بعد ذلك بوقت قصير، في أواخر العام 1982، ألقى النظام القبض على عقلة في عملية انتهت بسحق الجماعة بأكملها بشكل فعلي.

على رغم أن البعض، مثل الزعبي أو الطرطوسي، نجا من القمع البعثي ويعود الآن إلى سورية للمشاركة في النضال ضد النظام الحالي، فليس ثمّة عملية "إحياء" للطليعة المقاتلة. فقد انهار الهيكل التنظيمي والقيادي في الجماعة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ويبدو أن الجماعات السلفية والجهادية الموجودة في سورية الآن مثل جبهة النصرة، أكثر تأثّراً بالخبرة المتراكمة في ساحات المعارك في أفغانستان والعراق ولبنان منها بتعاليم قدامى محاربي الطليعة المقاتلة في الجهاد السوري.

التحالفات الحذرة للإخوان المسلمين

في داخل جماعة الإخوان المسلمين نفسها، أثّرت الدروس المستفادة من التحالف قصير الأجل مع الطليعة المقاتلة في المناقشات الداخلية بشأن نوعية السياسات التي يجب أن يتّبعها التنظيم. كان هذا صحيحاً بالفعل في أوائل الثمانينيات، وأصبح أكثر أهميّة في سياق عسكرة الانتفاضات الحالية، نظراً إلى حقيقة أن معظم الذين كانوا يتولّون زمام المسؤولية قبل ثلاثين عاماً لا زالوا يسيطرون على قيادة الإخوان المسلمين.

ارتبطت جماعة الإخوان المسلمين بجماعات المعارضة السورية الأخرى من جميع الخلفيات الإيديولوجية والدينية، كلّما كان ذلك ممكناً، على أمل تقليل مخاطر ردّ الفعل في حال فشل الحركة المناهضة للنظام في الإطاحة بالرئيس بشار الأسد. وتتّسق مثل هذه المقاربة أيضاً مع جهود الجماعة منذ العام 2001 للدخول في عملية تطوّر إيديولوجي عميقة، والانتقال نحو الجانب البراغماتي (العملي) من الطيف الإسلامي. ويعزّز هذا التصوّر القرارات الأخيرة التي اتّخذتها الجماعة لتجنّب الإشارة إلى مرجعية الإسلام في نصّ مشروعها السياسي الأخير، والدفع بشخصية علمانية مسيحية، جورج صبرا، للترشّح لقيادة المعارضة السورية.

وقد أتاحت القدرة التنظيمية لجماعة الإخوان المسلمين وشبكتها الواسعة من الاتصالات موضعاً للنفوذ في معظم الجماعات المعارضة التي ترتبط بها. في الواقع، غالباً ما يشار إلى الجماعة على أنها "صانعة الملوك" لمثل هذه البرامج. وقد مكّنها هذا من التأثير إلى حدّ كبير في التجمعات السياسية، مثل المجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية الذي تشكّل حديثاً، وتوجيهها بوسائل تتّفق مع مصالحها وقيمها في نهاية المطاف.

يتزايد نفوذ جماعة الإخوان أيضاً داخل هيئات المعارضة العسكرية. فهي تشارك بنشاط في تنسيق الهجمات العسكرية ضد النظام من خلال وجود شخص واحد على الأقلّ من الإخوان المسلمين في غرفة عمليات الجيش السوري الحر، والتي تزوّد المتمرّدين بمستلزماتهم وتسلّحهم، بالتعاون مع السلطات التركية.

قرّرت جماعة الإخوان رسمياً توفير المال والأسلحة مباشرة للجماعات المتمرّدة على الأرض في أواخر آذار (مارس) 2012.  ومع ذلك، فهناك خلاف عالق بشأن الموعد الذي بدأ فيه  بالضبط دعمها النشط للمتمرّدين المسلحين. يؤكّد بعض المراقبين أن القرار الذي صدر في أيلول (سبتمبر) 2011 عن اللجنة العامة لحماية المدنيين، وهي مجموعة يرأسها العضو السابق في جماعة الإخوان هيثم رحمة، بإرسال الأسلحة والمال إلى المقاتلين في مدينة حمص كان أول خطوة حذرة وبعيدة عن الأضواء من جانب الإخوان في هذا الاتجاه. وتشمل المجموعات التي يعتقد أنها تلقت دعماً سخياً من جماعة الإخوان في سورية، من بين مجموعات أخرى، كتيبة الفاروق في حمص، ولواء التوحيد في حلب، وصقور الشام في جبل الزاوية وأحرار الشام في إدلب.

على رغم أن توفير المال والسلاح للمتمردين الذين هم في حاجة ماسّة إلى هذه المساعدات يمكّن الإخوان المسلمين من التأثير في هذه الجماعات في اتّجاهات تتفق مع مصالحها، فإن إستراتيجية الجماعة تضمن أيضاً ألا تقع هذه الجماعات في ذلك النوع من التطرّف الذي اتّسمت به الحملة العنيفة التي قامت بها الطليعة المقاتلة من العام 1979 حتى العام 1982. وفي هذا الصّدد، فإن خط سياسة الإخوان المسلمين واضح وغير مثير للجدل في صفوفها: لن يتم توفير الدعم ولا المساعدة لجبهة النصرة الراديكالية أو لأشخاص مثل أبو بصير الطرطوسي أو لؤي الزعبي، فهذه "خطوط حمراء" لايمكن تجاوزها.

المال والسلاح والنفوذ السياسي

ومع ذلك فإن تنامي الصورة العامة لجماعة الإخوان المسلمين على أرض الواقع لايرضي الجميع، بما في ذلك، ويا للسخرية، بعض الجماعات التي تتلقّى الدعم من التنظيم. إذ يشعر بعض المتمرّدين الذين توقّعوا أن يحصلوا على المساعدات المادية والمالية من دون قيد أو شرط بالإحباط على نحو متزايد مع ما يرونها محاولة من جانب جماعة الإخوان المسلمين لتأكيد وجودها بعد ثلاثين عاماً من المنفى القسري. وقد روى أحد الإسلاميين السوريين الذي عاد في أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) من منطقة إدلب، حيث يساعد المتمرّدين بنشاط، كيف شعرت جماعة إسلامية محلية بالغضب عندما اجتمع وفد من جماعة الإخوان مع قادتها وعرض مساعدتها بمبلغ مليوني ليرة سورية (28 ألف دولار تقريباً) في مقابل يمين الولاء (البيعة) للتنظيم. وقال إن القادة المحليين وافقوا في النهاية على الاتفاق ولكن بمرارة.

في الوقت الراهن، على الأقلّ، يبدو أن حسابات جماعة الإخوان المسلمين ناجحة. فعندما أصدرت جماعات إسلامية متمرّدة تقاتل في حلب بياناً عاماً في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) ترفض فيه الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية الجديد، وتدعو بدلاً من ذلك إلى الظهور الفوري لـ "الدولة الإسلامية"، دعمت جماعتان إسلاميتان كبيرتان تتلقيان التمويل من جماعة الإخوان، لواء التوحيد وأحرار الشام، في البداية البيان ونأتا بنفسيهما عنه علناً في وقت لاحق.

يبدو أن قرار جماعة الإخوان المسلمين بتجنّب تجديد التحالف مع الطليعة المقاتلة يحمل معنىً سياسياً واضحاً. بيد أن ربط صورتها ومصيرها بمصير الجماعات الإسلامية الأخرى التي ظهرت خلال العام الماضي داخل سورية يمثّل مقامرة محفوفة بالمخاطر لتنظيم يسعى إلى توطيد صدقيّته كلاعب سياسي براغماتي. وعلى الإجمال، فإن دخول جماعة الإخوان إلى الساحة العسكرية يوفّر لها أملاً بتعزيز نفوذها السياسي. غير أن هذه الخطوة محفوفة بالمخاطر أيضاً، ويمكن أن ينظر إلى الجماعة على أنها تؤيد ببساطة نهج الجماعات المسلّحة الأخرى، بما فيها الإسلامية، وتدافع عنها وتعزّزها بدلاً من إثبات زعامتها.

في ظل توفّر مصادر بديلة للتمويل والأسلحة للمتمرّدين في سورية، وتنافس الآخرين على القاعدة الإيديولوجية للإسلام السياسي، لن تكون جماعة الإخوان المسلمين قادرة على الاحتفاظ بالولاء السياسي طويل المدى للجماعات المسلحة التي لم تنبثق من صفوفها مباشرة.

 مركز كارنيغي للشرق الأوسط

رافائيل لوفيفر: حاصل على منحة غيتس وطالب دكتوراه في جامعة كامبريدج. وهو مؤلف كتاب: Ashes of Hama: the Perilous History of Syria’s Muslim

Share/Save