بـَـزْبــيــنــا

Printer-friendly version
2013-04-10

تخالها طفلة الطبيعة تحرسها خُضر الجبال، تسكن روابيها نُسيْمات الحنين، وتحسب نفسك خرجت إلى هدوء البساتين على نغمات طيورٍ تُنْشد دوماً لحن الحياة.

تدخلها بعد مرورك ببلدات منطقة الجومة في عكّار، عابراً تكريت ومجانباً بيت ملات والعيون، لتصل إلى مفترقٍ يمينه صعوداً نحو ممنع وتاشع وفنيدق فالقموعة، ويساره البرج والدورة وعكّار العتيقة، تتجاهل يمناك ويسراك لتغدو مستقيم العبور، فإذا بك بين الأخضرين من عشبٍ وزهرٍ وشجر، وأمامك جبل بيت عبّود المنتصب كالأبِ يرقب بشموخه الداخل والخارج إلى ربوعها.

تعبق في مِلْئِك عطور الزعتر والسّنديان والقصعين، ويستحيل بصرك بحثاً عن بستان غير ذي جنى، فتحسب أن عدناً ابْتُعِثَت على الأرض، فتتلمّس جسدك لتتأكّد صحوتك، أهو حلمٌ، أم رؤيا، أم أنها صورٌ إلهيّةٌ أخْتُصِصْتَ بها وتخشى بها عدمَ التأمّل.

بزبينا ... ، يخرج اسمها على لسانِك معلِناً سُكْناه في الذّاكرة عند افتراق القلب والعقل، وتبحر في عمق التسمية لتكشف عن غموض لن تيقن حقيقته، فبين اشتقاقه من اللغة الآراميّة وهو "بيت زبينا" ومعناه سوق البيع والشراء وورود اسم زبينا في العهد القديم عند ذكر أحفاد النبي نوح عليه السلام تملؤك رغبة جامحة لاختراق أبواب التاريخ، ثم يحضرك المشهد فتدرك أنّك دخلت لتوّك في لوحةٍ من رسمِ الله.

 

تنسى للحظةٍ أن بشراً في المكان، وتمعنُ بحثاً عن وجهتك، وتُنشد الدّرب وصولاً إلى منازلِ البلدة، فإذا كنتَ تعبرُ فجراً فستنْظر دابّةً أبا شمعون يسيّرها إلى الحقل ممتشقاً معولاً ورفشاً، وستشهد فلّاحي القرية بكامل العدّة يدخلون بساتين الخرما والدرّاق، والإجاص والتّفاح، والمشمش واللوز، ومزارعَ الخضارِ وسُهيلات القمحِ والشعير، ولا أنسى عتيق زيتونها العابر عِباب الزمان مرنِّماً أنشودة السّلام، وإذا كَسِبْتَ الإقامة لبعض الأيام، ستعرف أنَّ أولئك الفلّاحين في أكثريّتهم ليسوا إلّا كاهنِ البلدة وشيخها وأساتذةُ المدارس والموظّفين وكبارِ الموظّفين في الدّولة والقطاعِ الخاص، يسرقون الوقت بين النوم والفراغات، لخدمةِ أرضٍ وُرِثَتْ عن أجدادٍ حفروا الصّخر فاستحالت واحات قوتٍ لأجل سود الأيّام وغضب الدّهر، وسقوا بدمائهم قبل الينابيع تراباً وصلت حالة العشق معه حدّ الهُيام.

ينابيعها تحكي لك قصّة الثّلج، قصّةٌ تروى عن شتاءٍ مطره انسيابٌ بين الأرض والسماء، وبياض ثلجه زائرٌ دائمُ التّرحاب فيها، فإذا زرتها برفقته تنتقل حتماً بالروح إلى عالمٍ آخر، وستشهد على انحناء الشّجر أمام الوافد الأبيض، كأنها طقوسٌ سماويّة في حضرة ربِّ المجد.

 

أكثر من خمسة آلاف وأربعماية نسمة، رقمٌ سيفاجئك إذا عرفت أنّه العدد المسجّل لسكّان القرية، وهو رقمٌ لا ينسجم أبداً مع هدوئها، إلّا أنّك ستدرك انتشار أبنائِها في الاغتراب والوطن، وستروى لك الحكايات عن سفرٍ منذ أكثر من مئة عامٍ تتوارثه العائلات دون الانسلاخ عن الجذور، بل تعلّقٌ بحبيبٍ لا يبارح الفؤاد والفكر في آن،...  هي قصّة الحنين،... هي قصّة عاصفة الذّكريات، قد يرويها لك أحد مغتربيها إذا صادفته، ويحكي لك كيف ترك كل شيء وعاد ليستنشق بعضاً من ذاك النسيم، ويختزنه زاداً يعينه على مرارة الغربة والابتعاد.

 

تصعد أحد جبالها وهو قلعة السّلطان، وهو المجاور الأيمن لجبل بيت عبّود، فيحاكيك تشابك أغصان سنديانه، وتنبئك صعوبة المسير عن تآلف لا تفك عراه، فتنظر يساراً لتشهد كنيسة مار جرجس يجاورها الجامع الكبير كأنهم شهودٌ على حبِّ الله لشعبه في اختلاف تجسّداته.

وإذا حالفك الحظ وخرجت بسيرانٍ إلى وادي الدير، المسمّى كذلك على اسم دير مار بطرس وبولس، الباقية آثاره منذ أكثر من ثمانمئة عام، والّذي يشعرك عتق سندياناته برهبة الزّمن وقداسة المكان، ستعرف أنّك دخلت قدس أقداس الطبيعة على غفلة، وإذا استكملت المسير صعوداً صوب شق شقيق فستطرب عيناك قبل الأذنين بعذوبة جدولٍ يعبر الصخور في وادٍ يصطف على جانبيه شجر الجوز، ويترعرع في مستقرّاته الجرجير

لن تعرف أبداً إلا بالصدفة، أن حوالي ألف رجل من رجالها يتوزّعون في الأسلاك العسكريّة من جيش ودرك وأمن عام وجمارك، فمنهم من هو في الخدمة ومنهم من تقاعد، ومنهم شهداءٌ حفرت أسماؤهم على نصب تذكاريّ في ساحتها، فتلك السّماحة في الوجوه، لا تضفي لخارجها قوّة القلب والعزيمة والنخوة وشدّة البأس، وقد لا يوحي لك خضر بساتينها بعدد من حمل الإجازة الجامعيّة أو تخطاها، وهو الّذي يناهز الأربعمئة، يتوزّعون أطباء ومحامين ومهندسين وأساتذة جامعات ومعاهد ومدارس.

 كيف لا وهي الّتي تحوي في مساحاتها الّتي تناهز الستّة كيلومترات مربّعة سبعة مدارس، تتلقف أبناء المنطقة  طلاباً من أقاصيها، ثانويتها الرسميّة موحّدة في المبنى مع مدرسة بزبينا الرسميّة الضّاربة جذورها في تاريخ المنطقة، يشهد على عطائها كل من يحدّثك عن بداياتها في المبنى الأثريّ بين ساحتيها، الّذي أضحى اليوم مبنى المركز البلدي.

لن يطول بك الأمر في بزبينا حتى تتعرّف على تاريخ العمل الاجتماعي فيها، فناديها الرّياضي الّذي تأسس عام 1968، وجمعيّة العمل النسائي، وفوج لكشّافة التربية الوطنيّة ومجلس رعيّتها والتعاونيّة الزراعيّة، كلّها مؤسسات مدنيّة تلاحظ بصماتها في العمل الاجتماعي ونخوة أبنائها.

مجلسها البلدي بأعضائه الإثني عشر يشكّل مع مختاريّها باقة تنوّع عائلاتها الروحيّة والاجتماعيّة.

هي بلدة من لبنان، من عكّار جبين الوطن، تنسيك روعة حدائقها أكثر من مئة وعشرين كيلومتراً عابراً إليها من العاصمة، وهي في ابتعادها عن زرقة البحر، تصبو إلى السّماء بسبعمئة متر ارتفاعاً، يمسح عطر نسيمها عن كاهليك تعب الرحيل فتقف لتنظر الأزرق الكبير من علٍ.

هي بزبينا، فتذكّر عند دخولك، أنك عائدٌ إليها، ولن تغلب مشاغل هذا العالم قوّة الحنين.

زياد أسعد الصانع

Share/Save